درّس المؤرخ الإيطالي باولو برودي، عقوداً، التاريخ المعاصر في جامعة بولونيا، حيث درس شقيقه رومانو برودي، رئيس الحكومة الإيطالية الائتلافية، الاقتصاد. والمؤرخ خرج من الحرب العالمية الثانية فتى يافعاً. وقرأ، فيمن قرأ، بينيدتو كروتشه وأنطونيو غرامشي، الى إيمانويل مونبيه وجاك ماريتان، الفرنسيين. وقراءاته هذه هي مرآة إعداد وثقافة يمما باكراً شطر المسائل التاريخية والمصير الأوروبي. وذلك على خلاف ثقافة فرنسية معاصرة غلب عليها جان - بول سارتر. وأولى عنايته وجهده دور المسيحية، ودوام اضطلاعها بالمرجعية التاريخية والثقافية الضرورية ان انبعاث الديموقراطية، وتجاوز أزمة الحياة الغربية وتخطيها الى تحرير الإنسانية، وخلاصها من حصار الأيديولوجيات المعاصرة. وتناولت أعمال باولو برودي السابقة علاقات حركة الإصلاح الديني البروتستانتي بمقاومة الإصلاح الكاثوليكي، أو النقيض الكاثوليكي للإصلاح، على نحو ما تناولت مسائل أخرى مثل القانون الكنسي، وتحولات السلطة والبابوية وأطوارهما، والجذور الأوروبية عموماً. وجمع معظم موضوعاته هذه في كتاب جديد،"المسيحية والعالم الحديث"ويعالج عمله الجامع هذا أثر المقدس في السياسة وأثر السياسة في المقدس، والسلطة الدينية في السلطة الزمنية. ويلاحظ في الدولة الحديثة سيرورتين متنازعتين ومتضافرتين معاً: فعلى حين تمثلت البابوية سمات الدولة الحديثة، وجعلت الكنيسة"مجتمعاً فاضلاً"سيداً، شأن الدولة، أسهمت، من وجه آخر، في وسم السياسة بميسم المقدس أو القدس، ومدت سلطانها على الإنسان منذ ولادته الى مماته، ولم تستثن من هذا السلطان أمراً أو شيئاً. وعلى هذا، التقت السياسة المحدثة، وهي تصطبغ بصبغة القدسية، والبابوية، وهي تنتهج نهج الزمنية وقبول الدنيا العالم، على طريق مشتركة. فمسألة علاقة السلطتين، وپ"المدينتين"، الواحدة بالأخرى، هي بمنزلة القلب من تاريخ أوروبا. ونأت المعالجة هذه بالمؤرخ الإيطالي من التأريخ للمسيحية على نحو مجرد يقصرها على الوحي والتنزيل، ولم تحمله على الأغضاء عن زلات الكنيسة ونقائصها. فلم يغفل فداحة انقسام الكنائس ومترتباته الثقيلة. وأرسى التراث الأوروبي التاريخي على ديانات التوحيد الثلاث. وأوّلها ديانات خلاص وعدل. ولازم بين خلاص المؤمن وبين طاعته ما أمر به، ولو اضطر الى الحياد عن طريق قوانين البشر الوضعية. وذهب الى أن الإسلام، على كثرة تظاهراته وتلاوينه، ينهض أولاً على ركن يتعدى السياسة الى ما بعدها. وهذا الركن هو ما ينزع المجتمع"ما بعد المسيحي"، الأوروبي، الى طيه وهدمه. وعليه، يتقدم نزاع الأديان فيما بينها نزاعُها الذي يعتمل داخلها وفي ثناياها. فالحضارة الغربية توحد في كل متماسك الكيان الجمعي والواجب الوجود. وفي إطار هذه الحضارة، كفت الاختيارات المنوط بها استقبال الحياة أو الموت عن الاحتكام الى الخير والشر، ومالت الى تحكيم استطلاعات الرأي أو احصاءات أهل العلم. ويذكّر برودي برأي الحاخام جاكوب تاوبس ومساجلته كارل شميت داعية حل اللاهوت في السياسة وقوله: أردت البرهان على ان قسمة السلطة الدنيوية من السلطة الروحية ضرورية، وتتهدد العودة فيها الغرب وتقضي فيه بالاحتضار. ويخلص المؤرخ الإيطالي من هذا الى دلالة الكليانية أو الشمولية، فهذه خلطت ما يتعدى السياسة أو المقدس بالسلطة السياسية، وأسبغت ذاك على هذه. وما يلح، اليوم، ليس الاحتفال بجذور أوروبا اليهودية والمسيحية، ولا إثبات عمومية مثال التنوير والإواليات الدستورية والديموقراطية من طريق الحروب أو من غيرها. فما يلح، على ما يرى باولو برودي، هو جواز نقل الثنائية التي ترعرعت ونمت في ثنايا العالم اليهودي - المسيحي الى أجيال جديدة، وجماعات جديدة، ونزولها محلها من آفاق العولمة الآتية. فمسألة الثنائية،"اللاهوتية - السياسية"على قول بعضهم، لا تزال مسألة أوروبية وراهنة. عن هيئة تحرير "إسبري" الفرنسية ، 11 / 2006