الاتصالات الأوروبية - الايرانية اشاعت جواً من التفاؤل، وأملاً في انفراج. السبب واضح: الولاياتالمتحدة تنازلت بمقدار طفيف عن تعنتها وغطرستها، لكنها - وهذا الأهم - غيرت حتى اللهجة التفاوضية التي تحدثت بها كوندوليزا رايس لمصلحة لهجة أكثر جدية بل أكثر رغبة في اجراء حوار مع ايران. ذلك ان اعلان رايس ثم تصريحات جورج بوش اعطت انطباعاً بأن واشنطن قدمت عرضاً صاغته بعناية كي ترفضه طهران. إلا ان الشركاء الأوروبيين لم يكونوا لينضموا الى هذه اللعبة، وبالتالي فقد استطاعوا اقناع الاميركيين بأن العرض التفاوضي لايران يجب ان يكون واضح الحوافز للحصول على تلبية للشروط. وهكذا امكن للمنسق الأوروبي خافيير سولانا ان يحمل الرزمة الى طهران، التي ما لبثت ان تحدثت بإيجابية عن"الصفقة"ولو بشيء من التحفظ. فالمهم، ايرانياً، ان تكون هذه الصفقة بداية لعملية تطبيع للعلاقات مع أوروبا، لكن بالأخص مع الولاياتالمتحدة. وكي تكون كذلك لا بد من"ضمانات أمنية"أميركية، أي ان يصار الى تبديد أجواء الخيارات العسكرية والعقوبات. إذ ان طهران لا تريد ان تبدو كأنها استجابت شرط وقف تخصيب اليورانيوم تحت التهديد بفرض عقوبات، ولا تريد ان تدخل التفاوض المقترح عليها والذي يبدو انها في صدد الموافقة عليه وكأنها ترضخ لشروط مسبقة، فعندئذ ستعطي اشارة بأنها فقدت أوراق القوة لديها لتصبح أكثر عرضة للتهديدات. والمفهوم، دولياً، أن تخصيب اليورانيوم هو الورقة القوية التي عززت وضع ايران في الأزمة الراهنة. صحيح ان هناك عناصر عدة تدعم هذه الورقة، كالنفوذ الايراني في العراق وافغانستان ولبنان، إلا ان الخطر النووي والغموض الذي أحاط بمدى التقدم الايراني فيه هما ما شغل الدول الكبرى واضطرها الى"تخصيب"الحل السلمي الديبلوماسي تجنباً لمواجهة قد تدمر اقتصاد منطقة الخليج واستقرارها. من هنا فإن اقبال طهران على"الصفقة"المطروحة سيعني في الحد الأدنى قبول الشروط الدولية الشديدة لضمان اكتفاء ايران بانتاج الطاقة النووية والتأكد من عدم تحويلها الى أغراض عسكرية. لا شك ان الايرانيين سيجدون مصلحة في الحصول على الحوافز التكنولوجية والاقتصادية المعروضة عليهم، وسيسعون الى تحسين الشروط في ما يعني التخصيب وغيره، وقد تستوجب البراغماتية قبول ما يمكن تحصيله في هذه المرحلة طالما ان التسلح النووي ليس الهدف الحالي - على ما تعلنه طهران - لذلك فإن الظروف قد تكون نضجت لنزع فتيل الأزمة. من هنا الحديث عن ضرورة التفاوض المباشر مع الأميركيين، وعن"الضمانات الامنية". فهذه الضمانات مرشحة لأن تكون الشرط الايراني الذي يتحكم بمجمل الصفقة، ومن دونه سيصعب التوصل الى اتفاق نهائي. وفي اي حال، يتضح من التكتيكات الاميركية ان الخيارات العسكرية ليست ناضجة، تحديداً لأن الأسرة الدولية أبدت معارضة واضحة لمثل هذه الخيارات. وبالتالي فإن واشنطن مضطرة لاتباع منهجية مختلفة لاحراج روسيا والصين اللتين عبرتا بشكل جلي عن رفض العقوبات والتلويح بالخيارات العسكرية، وشجعتا على مواصلة البحث في حلول سلمية. وقد يكون محبذاً من الجانب الايراني أن لا يقتصر التفاوض على الجانب الغربي وحده، وبالتالي يستحسن إشراك الروس والصينيين في مرحلة ما لتكون"الضمانات"مشفوعة بمباركة الدول الكبرى كافة. بالنسبة الى واشنطن لا يعزى الاتجاه التفاوضي الراهن الى الاضطرار والضرورة فقط، بل هناك مصالح لا شك فيها. والأكيد ان نجاح"الصفقة"هذه سيفتح الطريق الى التفاوض المباشر، أي ان المرحلة الراهنة هي اختبار دقيق لايران، وفي ضوئه ستتحدد معالم العلاقة الممكنة بين الجانبين. وعلى رغم اشارات التفاؤل، وتوقعات الانفراج، يصعب الاعتقاد بأن الولاياتالمتحدة بدّلت كلياً مواقفها من ايران وتحليلاتها لدورها واتهاماتها له وتقويمها لنظامها. في المقابل لن تتخلى طهران عن حذرها وعدائها ل"الشيطان الأكبر"لكنها ستدخل هذا الاختبار آملة بالحصول على نتائج استثماراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية في السنوات الأخيرة.