عكست الرواية التاريخية العربية كما كتبها روادها من اللبنانيين المتمصرين، في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، جملة من المشاكل كانت تقلقهم وتحرك في نفوسهم، وعلى رأسها مشكلتان: الصراع الطائفي، والغربة عن الوطن الأم - لبنان. وفي هذه الحقيقة ما يضر، ولو جزئياً، ظاهرة الابتعاد عن البيئة المصرية والحياة المصرية، مع ان معظم آثارهم القصصية كتب داخل هذه البيئة. وهنا تكمن اهمية المحاولات القصصية التي انتجها أحمد شوقي خلال هذه الفترة ذاتها، فهي تمثل بعداً موضوعياً جديداً، وذلك في عنايتها بالتاريخ المصري عناية خاصة، وفي تفاعلها مع القضايا السياسية والفكرية التي كانت تعيشها مصر آنذاك. قيل عن شوقي أنه أول من استوحى التاريخ المصري القديم في شعره، ولعلنا هنا نستطيع ان نثبت له هذه الريادة نفسها في نثره. فهو أول من فكر من الأدباء المصريين المحدثين في كتابة سلسلة من الروايات تصور التاريخ المصري القديم على غرار"سلسلة روايات تاريخ الإسلام"التي كان يصدرها جرجي زيدان في ذلك الوقت، وعلى غرار المشروع الذي أعلن عنه عبدالمسيح الانطاكي، وهو إصدار سلسلة من الروايات عن التاريخ المسيحي. أما مشروع أحمد شوقي فقد أشار إليه في مقدمة روايته"دل وتيمان"حيث يقول:"ان أولى الاقلام بأن يزور مقابر الوطن ويقف على خرائبه قلم عربي تمسكه يد مصري... أني أحاول ان اجعل ما هم وجل من حوادث وادي النيل، ماضيها وحاضرها وما بينهما، من الفترات في عقد من الروايات واسطته الحقيقة ونظامه الخلق والتخيل". ومع ذلك فإن هذا المخطط الذي رسمه أحمد شوقي لمستقبل حياته القصصية لم يتمخض عنه سوى ثلاث روايات في التاريخ المصري القديم:"عذراء الهند أو تمدن الفراعنة"سنة 1897، وپ"لادياس أو آخر الفراعنة"سنة 1899، وپ"دل وتيمان أو آخر الفراعنة"سنة1899. أما روايته"ورقة الآس أو النضيرة بنت الضيزن"التي نشرها سنة 1905 فلا تمت إلى التاريخ المصري بأي صلة، إذ استعير موضوعها من حكاية عربية قديمة تدور حوادثها قبل الإسلام. ومهما يكن، فان سائر هذه المحاولات التي كتبها شوقي، بما في ذلك"ورقة الآس"، قد صورت بجلاء ما كانت تعانيه مصر من مشاكل وازمات في ذلك العهد، لا سيما التدخل الاجنبي الذي ازداد تغلغلاً وترك آثاره السيئة في السياسة والنواحي الاقتصادية. فنحن نرى شوقي يركز فيها جميعاً على كفاح الشعب وبطولته والثقافة حول قائده الوطني، ويركز ايضاً على أضرار التدخل الأجنبي، والخيانة التي تؤدي في آخر الأمر إلى الاحتلال عسكرياً. من المعروف ان شوقي كتب رواياته التاريخية كلها خلال العشر سنوات الأولى من حكم الخديوي عباس. وكان الخديوي في هذه الحقبة من حكمه متحمساً للحركة الوطنية ومشجعاً لقائدها الوطني مصطفى كامل. لقد كانت أهداف الحاكم وأهداف القائد الوطني منسجمة كل الانسجام. ومن ثم فان ما يلاحظ من توكيد شوقي الدائب في رواياته على ضرورة الكفاح الوطني ضد السيطرة الأجنبية انما يتفق في الحقيقة مع رغبات ولي نعمته الذي كان يحارب الإنكليز على رغم ممالقته للفرنسيين ومداهنته للحكومة العثمانية. لا غرابة اذاً ان نرى أحمد شوقي لا يكتفي بوقف مدائحه الشعرية على الخديوي، بل يهديه كذلك باكورة أعماله القصصية:"عذراء الهند أو تمدن الفراعنة"، وكأنه قد أحسن بوحدة الهدف في شعره ونثره، فلم يفرق بين القصيدة والقصة. ومهما تكن الدوافع التي حدت بشوقي إلى التفكير في مشروعه القصصي المستهلم للبيئة والتاريخ المصري، فإن الحقيقة تظل ثابتة وهي أنه كان أكثر ارتباطاً بمصر وقضاياها من معاصريه، من الروائيين اللبنانيين المتمصرين. لذا فإن شوقي استطاع أن يحول مضمون الرواية التاريخية من طابعه العام المسيطر عند اللبنانيين، المتمثل في تصوير الصراع الطائفي والحنين إلى الوطن، ليجعله يتركز حول التاريخ المصري يصور من خلاله الكثير من مشاكل مصر المعاصرة. وهو بهذا مهد الطريق إلى ظهور الرواية التاريخية الفرعونية التي ارتبطت في ما بعد بتبلور فكرة الوطنية المصرية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وتبدأ مسلسلات شوقي القصصية برواية"عذراء الهند أو تمدن الفراعنة"وتنتهي برواية"دل وتيمان أو آخر الفراعنة"... وتصور الأولى قوة مصر وازدهارها في عهد رمسيس الثاني، بينما تصور الأخيرة ما لحق بمصر من ذل وتدهور في عهد مليكها أمازيس وبسامتيك، وذلك عندما تمزقت وحدتها الوطنية تحت تأثير السيطرة المتزايدة للجاليات الأجنبية على أرضها، مما أدى إلى الاحتلال الفارسي الذي كان بداية الضعف والخذلان. ومن الواضح أن شوقي كان يهدف إلى غرض وطني إصلاحي من خلال تقديمه لهاتين الصورتين المتناقضتين لمصر الفرعونية... فالصورة الأولى تثير في نفس القارئ شعوراً فياضاً وإعجاباً بمصر القديمة وعظمة حضارتها واتساع نفوذها، بينما تهدف الصورة الثانية إلى إثارة السخط والإشفاق، وإلى بعث الغيرة الوطنية ومحاولة تتبع الأسباب التي أدت إلى ذلك التدهور والضعف. ومن ناحية أخرى فإن شوقي يختلف في معالجته التاريخية عن الروائيين المعاصرين له من الرواد اللبنانيين. فهو لم يكن مثلهم معنياً بالأهداف التعليمية التي جعلتهم يهتمون اهتماماً خاص بتكديس المادة التاريخية ووصف العادات والتقاليد وملء الهوامش بالمصادر والمراجع. كان شوقي يهتم بالقصة لذاتها، يحاول أن يكتشف"بذرة الرواية التاريخية"التي قد يعثر عليها في اسطر قليلة يوردها هيرودوت أو الطبري أو ابن الأثير أو المسعودي، ثم يأخذ في تنمية هذه البذرة وتطويرها حتى تصبح المحور الذي تدور عليه أحداث قصته. انه في الأصل شاعر وليس مؤرخاً، ومن هنا كان نفوره من التقيد بالحقائق الجافة، وتأكيده على إبراز الموقف البطولي الذي يطرب النفس ويثير الخيال. ومع ذلك، فان المعالجة الفنية في روايات أحمد شوقي ضعيفة للغاية، الأمر الذي جعل الكثير من الباحثين يهملون هذه المحاولات أو ينظرون إليها نظرة ازدراء واستخفاف. ومهما يكن من ضعف هذه التجارب القصصية، فإنها ينبغي لها أن تقوم بالمعايير النقدية نفسها، التي تطبق على التجارب الأخرى المماثلة التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر. وما دامت المرحلة الأولى لنشأة القصة، العربية الحديثة لا تعدو في مجموعها مرحلة المحاولات والتجارب، فإن حديثنا عن ضعف"التكتيك"الفني عند أحمد شوقي أو تركيزه على"التسلية والترفيه"يبدو أمراً طبيعياً محتماً أو مسألة نسبية. إن الذوق الشعبي الذي ترك آثاره الواضحة على فنية القصة عند الرواد من اللبنانيين، ترك الآثار نفسها على أعمال أحمد شوقي. غير أن كاتبنا، بحكم مزاجه الشعري وجذوره العميقة في التراث العربي، كان أشد تأثراً من اللبنانيين في الشكل التقليدي للقصة العربية القديمة. وينعكس هذا على أسلوبه بصورة خاصة الذي يعتبر أكثر التصاقاً بأسلوب المقامة المصرية الحديثة منه بالأسلوب البسيط المرسل، الذي تميز به معاصروه من الكتاب اللبنانيين المتأثرين بالثقافة الغربية. وتتضح آثار الذوق الشعبي في روايات أحمد شوقي في الإكثار من الحوادث والميل الشديد إلى المغامرة والإثارة وتصوير المواقف العاطفية التي تتركز غالباً حول الحب والبطولة. أما"السر"الذي يتكرر استخدامه كثيراً في روايات اللبنانيين في هذه الفترة - وهو من أبرز آثار الذوق الشعبي - فإنه غالباً ما يلعب دوراً مهماً في روايات أحمد شوقي. وهو لا يشبه ذلك النوع البسيط الذي يستخدمه جرجي زيدان ويحتفظ بحله حتى آخر الرواية، إمعاناً في إثارة القارئ، بل نراه عند شوقي لغزاً بدائياً يتركب من بعض العناصر الغيبية أو ما وراء الطبيعة، ولا يمكن حله أو تفسيره بأي وسيلة منطقية. فهو أحياناً"لوح خشب صغير"- كما هي الحال في رواية"لادياس"- يخف إلى نجدة البطل في المآزق والملمات، ويساعده على قهر العالم وتحقيق مطامحه التي يصعب عليه تحقيقها بمفرده. وفي أحيان أخرى نجد هذا اللغز - كما في رواية"دل وتيمان"- روحاً شفافة، تحس ولا ترى، تقود خطوات البطل إلى طريق الخير وتحقق أحلامه في الحياة لا سيما أحلام الحب والعاطفة. أما"السر"في"ورقة الآس"فيتمثل في ذلك الشبح المتجول او الهاتف الخفي الذي يرتاد الأماكن في جنح الظلام متنبئاً ببعض الحوادث، ومحذراً حاكم المدينة من الأخطار المحدقة ببلاده. والشبح المتجول في هذه الرواية يشبه إلى حد كبير"القطة المتجولة"في رواية"دل وتيمان". وقد قصد بهما، فيما يبدو، الرمز إلى الكرامة القومية أو تجسيد فكرة النضال والمقاومة. وإذا كان شوقي قصد حقاً الرمز من وراء استخدامه مثل هذه العناصر الغيبية في رواياته، فهو لم ينجح مع ذلك في الارتفاع بها إلى المستوى الفني المطلوب. فالأسطورة هنا ليست جزءاً من معتقد الشخصية أو العصر التاريخي، ولم توضع للتعبير عن فلسفة معينة، ولكنها أقحمت على حوادث القصة بطريقة غير مقنعة تماماً. وغالب الظن أن شوقي أدرك أهمية"السر"أو"اللغز"بالنسبة الى قرائه، ولكنه على عكس جرجي زيدان، أطلق لخياله الشاعري العنان ليرود منابع الحكايات والأساطير الشعبية التي كان وصفها زيدان نفسه بأنها"منافية لروح العصر". - هذا المقال كتبه الناقد والأكاديمي السعودي منصور الحازمي تعقيباً على ما نشرته"الحياة"في 24/1/2006 عن رواية احمد شوقي"عذراء الهند"التي اعيد اكتشافها بعد 109 سنوات على نشرها في"الأهرام"وصدرت في القاهرة عن دار"عين"وقد قدّم لها الباحث احمد ابراهيم الهواري.