الصحراء هي الفضاء الروائي الذي تدور فيه أحداث رواية"قنص"دار الجديد للكاتب السعودي عواض العصيمي. والحياة البدوية هي العالم المرجعي الذي تحيل اليه الرواية، فتقوم بتفكيك نمط العيش وجوانب من العادات والتقاليد البدوية، وتعرّي البنية العقلية التي تتحكم بسلوك الناس وتحكم تصرفاتهم في بيئة مادية متشابهة المناظر يعيش أهلها في ترَّهات أخيلتهم بقدر ما يعيشون على رمال الواقع. واذا دخلنا الى الرواية من العنوان ولوحة الغلاف، فإن العنوان"قنص"يشير الى أحد أنماط العيش في الصحراء، ولعلّ شخصية فرحان القناص تجسِّد هذا النمط في الرواية، فيأتي العنوان مدخلاً مناسباً الى المتن الروائي، تعزِّزه لوحة الغلاف التي تظهر كثباناً رملية تتناثر بينها بضع شجيرات صحراوية. ولعلّ القنص بما ينطوي عليه من قتل وسيطرة القوي على الضعيف في عالم تسود فيه شريعة الغاب، ومشهد الكثبان الرملية الخاوية من الحياة يشكلان مفتاحاً مناسباً لقراءة أحداث الرواية وتحليل شخصياتها. وعلى رغم أن في حياة الصحراء جوانب مضيئة، فإن ما ترصده الرواية من هذه الحياة يكاد يقتصر على الجوانب المعتمة. واذا بنا ازاء مجموعة من الشخصيات المقموعة أو الغامضة أو غير السويَّة تسيطر على مجرى الأحداث في الرواية وتحتكر الحضور في النص والواقع الروائيين. وعليه، فإن"هذلا"بطلة الرواية تحمل نارها في داخلها مذ كانت صغيرة ولا تستطيع اطفاءها، تحترق بها في جلجلة يومية فلا النار تأتي عليها ولا هي تتمكن من إطفائها. ولعل هذه النار هي نار العقلية الذكورية والعادات والتقاليد التي تتحكم بالمرأة وتخرجها عن طبيعتها. فپ"هذلا"في الرواية ضحية المعتقدات البدوية والرجل أباً وزوجاً، يكرهها أبوها على الزواج من دويشر العجوز الثمانيني خوفاً عليها من الدربيل"الوحش الطوّاف الذي يخترق المسافات الطويلة ببصره الحاد بحثاً عن فتيات أبكار يضاجعهن في ليالي الصحراء العريضة المعتمة"، بحسب المعتقدات البدوية، فتخنق زوجها العاجز عن الدخول بها ليلة العرس بناءً على طلبه، وتغدو موضع شك أقربائه، فيقوم الأب باسم حمايتها بمغادرة المكان وتحويلها الى صبي يطلق عليه اسم ناشي. وهكذا، يقوم بنوع من الوأد خوفاً على ابنته، فيغدو الوأد سبيلاً الى الحياة. واذا كان الجاهليون قاموا بوأد بناتهم صغيرات اتقاءً للعار، فإن ما قام به الأب بداعي الخوف والحماية لا يعدو كونه وأداً من نوع آخر، تمثّل بإكراه ابنته على الزواج من جهة، وبإجبارها على انتحال شخصية فتى من جهة ثانية، فالأنوثة في قانون الصحراء مكمن العطب فيما الذكورة سبيل النجاة. انه نوع من التكيّف السلبي مع قوانين البادية ومعتقداتها الشعبية في محاولة للبقاء في ظل صراعٍ غير متكافئ بين الفرد والجماعة: فكيف إذا كان هذا الفرد امرأة؟ وعليه، تكون المرأة ضحية هذا الصراع الخارجي الذي ينعكس صراعاً داخلياً بين هذلا وناشي، بين الطبيعة والانتحال، بين الاسم والمسمى. ويتجاذبها استقطاب بين ان تكون امرأة أمانةً لطبيعتها وأن تكون ذكراً اتقاءً للأخطار، بين هذلا التي تمثل الطبيعة والاختيار والطفولة والوادي والذكريات وبين ناشي الذي يمثل الانتحال والزيف والمصانعة والاكراه، ومن الطبيعة أن يحنّ هذا الكائن المزدوج الى الأصل والماضي والحقيقة، فالطبع أقوى من التطبع، غير أن هذا الحنين لا يسمح له بالمجاهرة بحقيقته في ظل القمع الذي يمارسه النظام الاجتماعي البدوي. ويُشكِّل الدربيل رمزاً لهذا النظام، فهذه الشخصية الغامضة التي يختلط فيها الواقع بالخيال تضفي عليها المخيلة البدوية المقموعة صفات غير واقعية ما يدفعنا الى الشك بوجودها الواقعي على رغم وجودها الروائي. ومع هذه الشخصية تدخلنا الرواية في أجواء الواقعية السحرية التي عرفناها مع غابرييل غارسيا ماركيز وغيره من روائيي أميركا اللاتينية ? فهل الدربيل شخصية واقعية أم أسطورية أم هي مزيجٌ من الواقع والأسطورة؟ إن تتبع مسار هذه الشخصية في الرواية يجعلنا نميل الى الخيار الأخير، فالدربيل وحش طوّاف يطارد العذراوات ولا يمكن الوقوف في وجهه، وهو مسخٌ تكوَّن من الرمل الخشن اليابس، خمسه من قشور الدود وأظافر الموتى، وعيناه فتحتان ضيِّقتان في أسفلهما دمٌ وشعيرات سود. وهو في الوقت نفسه زوج بعض نساء المكان، يغير على البيوت ويؤذي...، وهو طاغية لا يمكن مقاومة قوته. ومن البديهي أن تكون هذه الصفات نتاج المخيلة البدوية الى حدٍّ كبير، تعلّق على الدربيل كثيراً من الأوهام والتخيُّلات، فيغدو رمزاً للقوة الطاغية والشر المتربص بالآخرين، وهو يقيم داخل نفوسهم يملي عليهم بعض تصرفاتهم بقدر وجوده في الخارج ان لم يكن أكثر. وفي مقابل هذه الشخصية الغامضة الشريرة"المتخيَّلة"، تقدم الرواية شخصية أخرى واقعية هي شخصية فرحان القناص، وتشي بوجود صراع خفي بين الشخصيتين وان من طرف هذا الأخير على الأقل، مع العلم ان شخصيته موجودة بشكل مباشر في الرواية بينما وجود الدربيل هو غير مباشر يتم من خلال ما تناقلته عنه الشخصيات الأخرى. على أي حال تقدم الرواية صورة نموذجية للقناص من خلال فرحان، فهو حذرٌ في علاقته بالصحراء وطرائدها، دائم الاحساس بالخطر، دائم اليقظة والتحفُّز، خبير بروائح الصحراء، حاد البصر، يحسن اختيار المكان للانقضاض على طريدته، يفضل الجبل الموحش على البيت والقبيلة لأنه في الجبل يعرف مكمن الخطر بينما لا يعرفه في البيت والقبيلة - إطاري النظام الاجتماعي البدوي. ولذلك، يتطلع الى ميتةٍ غريبة بين فكّي ذئب، ويتمنى قتل الدربيل. ولعله يتمكن من تحقيق هذه الأمنية الأخيرة. هذا ما تلمح اليه الرواية حين يسقط شاب على امرأة فرحان صائحاً:"بيَّض الله وجه فرحان...". وهكذا، في صراع البادية، ينتصر الواقع على الوهم، يقتل فرحان القناص الدربيل، فترتاح الصحراء. واذا كان عواض العصيمي في روايته يغلِّب الشخصيات الملتبسة على من عداها، فيورد في عدادها شخصيات الأصوات المتجوّلة والدربيل وجلال المجنون والزائر الغريب ما يحيل الى واقع صحراوي تتحكم به الغيبيات والأسطوريات ويغيّب فيه العقل، غير أنه يقوم بتفكيك وتعرية بعض الغيبيات لا سيما تلك المتكئة على بعد ديني، فيفضح ظاهرة التقرب الى المزارات واستغلالها لأهداف خاصة من خلال شخصية الزائر الغريب الذي يحكي حكاية تحوّله الى مزار تقدم له النذور وتجمع على اسمه الأموال معترفاً أنه لم تسلم صحراء من موبقاته. والعصيمي يفعل ذلك في جوٍّ من الغرابة والواقعية السحرية. غير أن من جهة ثانية غاصت الرواية في الجانب المعتم من الصحراء، وغضَّت عن الجانب المضيء، فغيَّب قيماًً أصيلة صحراوية الى حدٍّ كبير، وان كانت أفصحت عن بعضها فهي فعلت ذلك بخجل.