- 1 - من النصائح المأثورة التي أسداها الراحل الكبير زكي نجيب محمود للشعراء أن يخففوا من القراءة وألاّ يتوسعوا في معارفهم الثقافية، لأن الثقافة العميقة - من وجهة نظره - عدو لدود للشعر ابن الفطرة والتلقائية. وربما كان - وهو يسدي هذه النصيحة - ينظر في شعر صديقه الحميم الأستاذ عباس محمود العقاد الذي لم يكتب في حياته شعراً بل فكراً ملأ به عشرة دواوين. وهذه النصيحة من الدكتور زكي نجيب محمود لا تستحق أن نقف عندها إلا لكي نحذر الشعراء الشبان من خطورتها، لا سيما ان عدداً كبيراً منهم ينصرفون بطبيعتهم عن القراءة العميقة المتنوعة التي تعمل على توسيع آفاق الشاعر وتمنحه القدرة الحقيقية على الكتابة الابداعية في مستواها الأرقى. تأتي هذه الاشارة توطئة للحديث عن شاعر يعكف على القراءة، قراءة الكتب، وقراءة الحياة، وقراءة الطبيعة في فضاءاتها المختلفة، فضلاً عن كونه من دارسي الفلسفة وعلم الاجتماع، وانه ممن يستهويهم البحث في أعماق الأشياء وفي روح اللغة التي يتعامل معها تعامل العارف وبصورة تختلف عن بقية أبناء جيله من الشعراء اليمنيين، وأعني به أحمد الزراعي الشاعر المثقف بامتياز كما تبدو حقيقة ذلك واضحة في كل ما كتبه من نصوص شعرية امتازت بالعمق والصفاء معاً. وفي النص التالي من مجموعته الشعرية الأولى"أسلاف الماء"وعنوانه - أي النص -"لمعان الأشياء"في هذا النص كما في غيره من نصوص المجموعة تتجلى هذه الخاصية، وتنكشف امكانات هذا الاقتدار. ولهذا النص عنوانان جانبيان أحدهما"وشائج"، والآخر"لمعان"تحت العنوان الأول تتداخل الأشياء وتتداعى داخل الشاعر وخارجه، وتأخذ الصور زمام بعضها وكأنها تولد عن بعضها وتنداح كصورة مياه عذبة، فمن الليل الذي يحاكي الشرفة الى الشرفة التي تحاكي عيني الشاعر، ومن عيني الشاعر الى هالة زرقاء في داخله، وتتوالى المحاكاة وتنداح الصور في متوالية تصاعدية ونسيج لغوي ساطع ومدهش:"ليل يحكي الشرفة/ الشرفة تحكي عيني/ عيناي تحكيان هالة زرقاء/ في داخلي،/ داخلي تحكيه آخر ريشة/ لا زالت تسقط/ من نسر الدهر/ وحدها ريشة تحكي ظلي/ على الهواء/ لهذا تحط الريشة/ على ظلي الذي يشبه/ عصفوراً ميتاً على الورقة/ بينما برية خضراء/ تيبس/ بأطراف قدمي المرقطتين/ بالأقاصي". ص39 ربما اختلفت الصور بعض الشيء في الجزء الثاني من النص لكنها جميعاً تتغذى من الطبيعة التي افتتن بها الشاعر وتفرد بالتعبير عنها في قصائده النثرية، كما ان التداعيات لم تختلف، فهي تسوق بعضها الى بعض في نسق متتابع يقود أوله الى آخره: بروق في ذروة/ جبل قصي/ وشاعر يسحب الجبل الى عينيه/ تاركاً الورقة بيضاء/ لهواء يتدحرج اليها/ تاركاً قلمه الوحيد/ في فراغ العالم/ ساحباً أحلامه القديمة،/ الى ثقب نافذة/ في بيتٍ خالٍ". ص41 لا مكان في هذا النص بجزءيه للإيقاع الخارجي، لكنه يكاد يمور بإيقاعات داخلية أعمق تتمثل في انتظام النسق اللغوي، ثم في سلسلة الصور التي تتداعى الواحدة بعد الأخرى، أو يصل الايقاع ذروته في الجزء الثاني مع حرف الراء حيث لم تكد تخلو منه كلمة في السطور الأولى وما يوحي به تكرار الحرف الواحد من موسيقى صوتية محيرة. - 2 - كما تثبت المجموعة الشعرية"أسلاف الماء"نصاعة التجربة الشعرية لصاحبها، فهي تثبت كذلك أنه شاعر مثقف لا يعاني ما يعانيه آخرون في الساحة العربية من فقر الدم الثقافي، ولا يعتمد على موهبته وحدها. ان الشاعر - أي شاعر - لا يكتب نصوصاً في الفكر السياسي والفلسفي والاجتماعي وان لغته ينبغي ان تكون مختلفة عن لغة هؤلاء الذين يتناولون القضايا العامة لشعوبهم بخاصة وللإنسانية بعامة، لأنه - أي الشاعر - يلامس الأحداث والقضايا والأشياء ملامسة شعرية بلغة ترمز ولا تتكلم، تشير ولا تحدد، فضلاً عن أن له مقاييسه التعبيرية وانطباعاته بل وتجربته مع الألفاظ والحروف، وهو كذلك ينبغي أن يكون ممتلئاً بثقافة أمته مختزناً تاريخها وملامحها وأساطيرها لتفتتن بذلك حواسه وتغتني. ومن تخطيط الشاعر أحمد الزراعي لمجموعته الشعرية نتبين انه عمد الى تقسيمها الى أربعة أقسام، القسم الأول: بعنوان:"خطوات انكيدو"، والثاني بعنوان"ريشة على ظلي"، والثالث بعنوان"تفكيك الزوال"، والرابع"ارث العين". ونكاد نلمس ونسمع في القسم الأول صوت التاريخ/ الأسطورة، وفي الثاني صوت الأشياء، وفي الثالث صوت النفس، نفس الشاعر. أما في القسم الرابع فيأتينا صوت الطبيعة حين نقرأ"بهاء نسيته مساقط المياه"ونصوصاً أخرى، ولنبدأ مع"خطوات انكيدو"ذلك الانسان البابلي الأسطوري الذي نشأ طفلاً ثم صبياً وشاباً مع حيوانات الغابة قبل أن يصطاده جلجامش ويصبح صديقاً وفياً له:"حين يوشوش ذهبه القديم/ لحظة اصغائه الى نعاس أشجاره/ على أنها طفولة بابلية/ فاتحاً كتابة رغباته/ يسند جبالاً مائلة بأطراف أصابعه/ مدَّخراً صداقات أعشاب لابدة بخفته/ بحميمة طائر ظامئ/ في الربع الخالي يتأمل:/ تعب آدم/ وآثار خطوات أنكيدو/ ترقط رمل الدهر/ حتى متى أيها النهر/ تعلق سمك أرواحنا الى صنارة/ الحزن؟!/ حتى آخر جلجامش". ص10 أية ملامسة بديعة وأي رمز ايحائي يتوسلهما الشاعر في اقترابه من تلك الملحمة الأسطورية الخالدة ملحمة جلجامش؟ وأي اسقاط عتيق منطوٍ على ظاهر الواقع العربي وباطنه؟ وأية أسئلة حارقة يفجرها هذا الجزء من نص طويل ليس ما اجتزأناه منه سوى مقطع صغير؟ وهكذا تتبلور صورة الشاعر المثقف. وبعبارة أدق تتجلى براعته في استخدام ثقافته الوطنية والقومية وما تطرحه استراجاعات الذاكرة من رموز وايحاءات. ومن"إرث العين"وفي صحبة مقطع قصير من نص سبقت الإشارة اليه، وهو"بهاء نسيته مساقط المياه"يطلق الشاعر لعينيه كما لمخيلته أوسع المجالات لتطوف وتتأمل ثم تعود بعد أن تكون قد اختزنت وامتلأت وآن لها أن تكتب، وأن يكون ما كتبته شاهداً على حيوية الحواس، وانعاش أبعاد الرؤية:"وجهكِ ذكّرني البارحة/ بهاءً نسيته مساقط المياه/ أو صوت باب المدينة/ على نحلةٍ حين تأملت/ وجهكِ/ نسيت عيناي العسل/ في النوافذ/ نحلٌ يمشي في موسيقى الأزهار/ يحرث لمعانه الكثيف/ هواء الأفق/ حيث طريقه المجعّدُ/ بنظرات العصافير". ص77