يلتقي المهتمون بالأدب والشعر في شكل خاص في ملتقى شعراء العراق الأول، الذي تنظمه في الكويت مؤسسة جائزة عبدالعزيز البابطين للإبداع الشعري ابتداء من السبت 7/5/2005 ولمدة ثلاثة أيام. وسيكون هذا الملتقى ثمرة عطاء من هذه المؤسسة ورئيسها الذي أحب الأدب والأدباء، ووظف ماله من أجل جمع المبدعين، ونشر فنونهم وأدبهم. ولعله فخر للكويت أن تكون أرضها ملتقى لشعراء شتتتهم الحروب وأضناهم الاضطهاد وعصرتهم المنافي. وقد يكون من أهم ما يميز هذا الملتقى هو حضور الشاعرة والناقدة والأديبة سلمى خضراء الجيوسي التي أثرت المكتبة العربية والانكليزية بالحديث عن أدب العرب، والناقد العراقي الكبير عبدالواحد لؤلؤة الذي نشر وترجم الكثير من الكتب والأبحاث، وكان أقام في الكويت مدة طويلة، حيث درس الأدب الانكليزي لأول دفعة تخرجت في جامعة الكويت عام 1970. ولعلنا بمناسبة هذا اللقاء مع الشعراء نتساءل، لماذا نحن وباختلاف مشاربنا واهتماماتنا وأعمالنا وشخصياتنا نبدي اهتماماً بالشعر والأدب في شكل عام. اهتمام يلتقي فيه التاجر بالطبيب والمهندس والمحامي والعاطل من العمل. ولماذا يكتب الأديب ولماذا نحن نقرأ أو نستهلك، وما هي وظيفة الأدب في المجتمع. لنلجأ بعض الوقت الى الدكتور لؤلؤة من خلال بحثه"وظيفة الأدب"الذي تضمن كتابه"الصوت والصدى"الذي نشر أخيراً ويناقش فيه الجدل القديم - الحديث عن غاية الأدب. فهل الأدب هو بيت الحكمة ومدرسة أخلاقية نتعلم منها الفضيلة، أم اننا نقرأه من أجل المتعة من خلال تحسس جمالياته. هل نقرأ لزهير بن أبي سلمى أم نقرأ لأبي نواس. وهل نستمتع أكثر باستحضار عذابات السياب أم بالهيام في غزليات نزار. وحول جدلية ان كان للأدب غاية محددة، أو انه غاية في حد ذاته، يوضح لؤلؤة"ان الموقف الأول ينطوي على قدر من إمكان التغير، لأن الغاية المرجوة كانت موضع اختلاف في وجهات النظر. فقد كانت تلك الغاية لا تزيد على التعلم الأخلاقي حيناً، بينما كانت في أحيان أخرى تعنى بالحفاظ على النفس في وضع صحي". لذا، فإن هناك عدم استقرار في علاقة الأدب بالأخلاق بينما هناك ثبات وديمومة في كون الأدب يحقق المتعة الجمالية. لكن لا شك في ان الحكمة والاخلاق تبحث عن الجمال وعاء لكي تنتقل معانيها على مدى العصور، وتكون أكثر ديمومة عندما ترتقي في المعنى، متنقلة بلغة تثير المشاعر والأحاسيس والعقل. لهذا ما كان يمكن أن يتلاشى في الصحراء من دون أن يصلنا قول زهير بن أبي سلمى: "من هاب أسباب المنايا ينلنه/ وأن يرقَ أسباب السماء بسلم". لذا فإن هناك تعايشاً بين جمالية الأدب والمتعة المستقاة منه من جهة، وأغراضه الأخلاقية والاجتماعية من جهة أخرى، والتي يشبهها لؤلؤة بمظاهر اخرى بالطبيعة لا تترك السلوك المفيد للصدفة، وإنما تعززه باللذة لكي يستمر. فالحياة ما كانت ستستمر لو أن الانسان لا يحصل على لذة من تناوله للطعام أو من ممارسته للجنس. لكن ما كان غائباً في بحث الدكتور عبدالواحد لؤلؤة الموجز والجميل، هو علاقة أو وظيفة الأدب في دراسة اللغة. فجمالية اللغة ان كانت من خلال الشعر أو الرواية أو فروع الأدب الأخرى تتعدى أهميتها دراسة النحو. فقد عبر شعر امرئ القيس وزهير ولبيد وآخرين من خلال الشفاهة مئات السنين ليستقر على الورق من دون أن تكون هناك مرجعية نحوية له بعد. فالطاقة التي مكنته من العبور كانت مخزنة في جمالياته اللغوية. لا شك في أن هناك شعراء كثيرين عاصروا هؤلاء، لكن لم ولن نسمع بهم، لأن ما صنعوا لم يخزن الطاقة أو النبض الكافي الذي يمكنه من عبور المسافات والزمن. لذا فإن دراسة الأدب أو الاطلاع عليه والاستمتاع به ضرورة لكي يتمكن الفرد من لغته. فنحن نتعلم اللغة من خلال القراءة، وننكب أكثر على القراءة عندما يكون ما نقرأه جميلاً. والمبدأ لا يختلف كثيراً بين الكبار والصغار. بين أطفال الروضة وطلبة الجامعة، بين تلميذ يدرس التاريخ وآخر يدرس الكيمياء. فحتى التعليمات للقيام بتجربة في المختبر تحتاج الى مفردات مناسبة وجميلة لكي يتلقاها التلاميذ بسلاسة. ومهما بلغت درجة تفوق العالم في مجاله إن كان في الرياضيات أو الفيزياء أو الأحياء، فهو لن يتمكن من أن يدون علمه في كتاب من دون أن تكون له قدرات لغوية، وان يتمكن من تخيل وقع الكلمات التي يدونها على تلاميذه. وقد انتشرت في العقود الأربعة الأخيرة كتب كثيرة لعلماء في علوم الطبيعة موجهة لغير المتخصصين في هذه العلوم، وقد تميز منها هؤلاء الذين استطاعوا ان يصنعوا عبارات بسيطة وجميلة لشرح نظريات بالغة التعقيد. لقد نجح هؤلاء العلماء في جعل المعقد في متناول العامة، وكان يمكن أن يستشف من قراءة أعمالهم هو اطلاعهم على أعمال أدبية كبيرة وكثيرة ما كانوا يستشهدون بعبارات من هذه الأعمال. لذا، فإن لغتنا في تدهور ليس لأن قواعد اللغة العربية صعبة، وإنما لأننا لا نقرأ. عندما يطبع ديوان لشاعر مميز ألف نسخة، ومن رواية لروائي مشهور ألفي نسخة، فإن هذا ليس مظهراً لعدم الإقبال على الأدب، وإنما هو كذلك مظهر لتدهور في الإقبال على العلوم جميعاً. فاليابان، والتي غزتنا بأجهزتها الالكترونية، بما في ذلك دليل الكتروني يوجهنا نحو الكعبة، هي الأكثر من بين دول العالم في انتاج الأدب الروائي ونشره. لذا، فالشعر والرواية والمسرح هي المناهل التي نروي منها ظمأنا، لنتحسس الجميل الذي عسى أن يساعد على تسامي أخلاقنا، لكن الأهم من ذلك ان الاقبال على قراءة منوعات الأدب هو المرجعية التي تمكننا من لغتنا، ميسراً تواصلنا مع العالم المحيط بنا، في البيت والمدرسة والعمل. فكم من مهندس يثير الضجر لأنه لا يستطيع أن يعبر كتابياً عما يفيض به عقله من حاجة في شرح مشكلة في موقع بناء، والذي أرى أن من أسبابه أنه لا يقرأ، وربما لأنه لا يستمتع بقراءة الأعمال الأدبية. فللأدب وظيفة سامية تتفاعل مع وظائفه الأخرى الأخلاقية والجمالية، ألا وهي تعلم اللغة. فمن خلال قراءة الأدب ترتقي وسائل التعبير لدى الأفراد والجماعات، والذي يعكس ارتقاء في الوعي الانساني في شكل عام. وللشعر بالذات الذي سبق انغماس الانسان به تعلقه بالآداب الأخرى، وقعه الخاص علينا. وإن كان الشعر ديوان العرب فهو اضافة الى ذلك كان للعراقيين ملجأ ومبتغى في موطنهم ومنفاهم. لذا، فإن حضور هؤلاء الأدباء العراقيينوالكويتيين والعرب الآخرين هذا الملتقى، ثمرة طيبة أهدتنا إياها مؤسسة جائزة عبدالعزيز البابطين والقائمين عليها، ورئيسها الذي أثبت انه عندما ترتقي ثقافة الفرد، فإنه يكون مبدعاً حتى في كرمه. فعسى أن يستمر هذا الملتقى مضيفاً حيوية جديدة للنشاط الثقافي في الكويت، ومعززاً وشائج المحبة بين العرب جميعاً، غامراً ذاكرتنا بالجميل الذي يطرد شعورنا بالوحدة لينفي عن الوحدة ما يعتقد البعض خطأ من انها عزلة، وكما يقول الشاعر الفلسطيني أمجد ناصر الذي يعيش في المنفى: "ليست الوحدة أن تكون وحيداً/عندما يتفقد الليل رماحه في جبهة الهجران/فبوسعك أن تتذكر حرباً نجوت منها بضربة/نرد بينما مات أناس كانوا مجرد عابرين،/أو بلدة ينام أهلها ما إن يحطوا رؤوسهم/على الوسائد وأبوابهم مشرعة،/أو بنتاً وهبتك ليلة من زغب العشرين/من دون أن تعرف لك اسماً/ولما أخبرتها به قالت لك إنه لن يغير في/الأمر شيئاً". كاتب كويتي.