في مكان مزدحم بالسيارات ومكتظ بالمارة كساحة العباسيين في دمشق، تجذب انتباهك، وإن بصعوبة، لافتة تتصدر مدخل شقة متواضعة في أحد الأبنية القديمة، كتب عليها:"مركز اللقاء الأسري". ينتصب الى جانبها كشك صغير يضج بمختلف أنواع السكاكر والبسكويت والشوكولا. تستقبلك باحة صغيرة لا تختلف عن باحات المدارس الكئيبة سوى باحتوائها على بعض الألعاب الخفيفة الخاصة بالأطفال كتلك الموجودة في الحدائق العامة، ربما لتحجب غرفة الإدارة والغرف النائية المخصصة للقاء الأطفال مع أهاليهم كما لو أنها تتقصد حجب الأسرار العائلية وإخفاءها. في شكل شبه يومي ومنذ ساعات الصباح الباكر يبدأ المشهد، أبناء وآباء يتوافدون إلى المكان حيث تتم"الإراءة"أي إتاحة المجال للآباء والأمهات المطلقين لرؤية أطفالهم وإمضاء بعض الوقت معهم. بعضهم لا يمكس أكثر من دقائق بينما تطول زيارة البعض الآخر ساعات."الوضع بائس جدا"ً، تحتج أم خرجت للتو من المركز برفقة ولديها، وتضيف:"بعد الطلاق، لم يعد هناك مجال للتفاهم مع زوجي. حاولت كثيراً أن أقنعه بأن يرى طفليه في بيتنا أو حتى في بيته من دون الحاجة إلى هذا المكان التعيس. لكنه لم يستجب، أنا مضطرة لتنفيذ قرار المحكمة وإحضارهما إلى هنا كل أسبوع، ليراهما ويمنحهما عطفه وحنانه". تختفي لهجتها الساخرة وترفع نبرة صوتها:"كيف أتحمل هذا الأمر عندما أضطر ويضطر ولداي دائماً لسماع مشاجرات وشتائم متبادلة بين بعض الأطفال وآبائهم؟". تلقائياً تابعت طفلتها الصغيرة وهي تحضن أمها بقوة وتلتفت الى الوراء:"تلك البنت السمراء صرخت اليوم في وجه أبيها بأنها لا تحبه ولا تريد رؤيته، هذا عيب ماما، أليس كذلك؟". مشاركة المعاناة تختلف مدة الإراءة ونوعها بحسب عمر الطفل وطابع حكم القاضي، إذ يجبر بعض الآباء على رؤية أبنائه داخل المركز بينما تسمح المحكمة لبعضهم الآخر باستلامهم من المركز وتمضية بضع ساعات معهم، في البيت أو في أي مكان آخر، وإعادتهم مجدداً. وفي كلا الحالتين، يجد الأطفال أنفسهم مضطرين لدخول المركز لبعض الوقت ومشاركة أمثالهم المعاناة عينها. هذا يبكي ولا يريد الابتعاد عن أمه وتلك تجد أباها مذنباً بحقها فتنفر منه ولا تتردد في تكرار عبارة"لا أحبك، لا أحبك". وطبعاً لا يقف الأمر عند هذا الحد بل هي لحظات وينتقل الخلاف إلى الأهل أنفسهم، فيتبادلون الاتهامات والشتائم ويختلط الحابل بالنابل على مرأى من الجميع. على رغم الأثر السيئ الذي تخلّفه هذه المشاهد في نفسية الطفل وذاكرته، فإن الكثير من الأزواج لا يهمهم من الإراءة إلا كونها سبيلاً للانتقام من أقرانه أو الضغط عليه من دون الانتباه إلى الضحية الحقيقية، الأبناء. "يحق لطليقي رؤية أطفاله يومين في الأسبوع"، تقول إحدى الأمهات، وتتابع:"أحضرهم إلى هنا كل خميس واستلمهم السبت صباحاً. وعلى رغم أنني لا أقضي أكثر من دقائق في هذا المكان، إلا أنها تكفي ليسمع أولادي بكاء أطفال يبعدون عن أمهاتهم، أو حتى شتائم متبادلة بين بعض الآباء والأمهات. أعلم أن هذه المشاهد خالية من الإنسانية. لكن ماذا أفعل؟ فزوجي ركب رأسه ولم يوافق على حل الأمور بيني وبينه سلمياً من دون اللجوء إلى المحكمة وتعريض الأطفال لهذه التجربة القاسية". ويضيف أب:"لا تريد زوجتي استقبال طفلتها في المنزل وهي تجبرني على إحضارها إلى هنا كل أسبوع لتراها. همها الوحيد أن تضغط عليّ وتكلّفني وقتاً وإحراجاً من دون أن تفكر في مصلحة ابنتنا ومشاعرها". ويتذمر رجل في العشرين من العمر يحمل طفلة لا تكاد تبلغ عاماً واحداً:"أحضر ابنة أختي كل أسبوع لأسمح لوالدها برؤيتها مدة نصف ساعة. وكّلتني شقيقتي قانونياً بتسليمها واستلامها كي لا تضطر للحضور إلى هذا المكان والخضوع لابتزاز زوجها. واضطررت في إحدى المرات أن أتغيّب، وكانت النتيجة تقريراً إلى القاضي كاد يدخلني السجن". حضن الطفلة، ويضيف:"لا أستطيع أن أصف الوضع في الداخل. على رغم أن هذه الطفلة صغيرة لا تعرف شيئاً عن أمور الحياة ومشكلاتها، إلا أنها ما ان نصل الى هذا المكان حتى تبدأ بالبكاء". ويطالب أب بمكان أوسع وبعيداً من الازدحام، بينما تجد سيدة أن الوضع في الداخل لا يشكو من شيء باستثناء عدم وجود تدفئة. وتستدرك قائلة:"الوضع هنا أفضل كثيراً من السابق حينما كانت تتم الإراءة في مخافر الشرطة". تقاطعها أم حانقة:"هذا لا يلغي ضرورة تأمين شروط أكثر حضارية وهدوءاًً تمنح الأطفال الطمأنينة والأمان". يفضل الأطفال الصمت أمام السؤال عن رغبتهم بالحضور إلى هذا المكان. بعضهم يكتفي بهز رأسه نفياً وبعضهم الآخر يطأطئ رأسه خجلاً. "لا أحب هذا المكان ولا الألعاب الموجودة فيه"، يصرخ طفل في الثامنة من عمره غاضباً. ويضيف مستسلماً:"لكن أحب ماما ولا أستطيع رؤيتها إلا هنا".