ما ان تمكنت السلطات الفرنسية من تطويق ذيول الزلزال الذي أصاب البلاد في أيار مايو الماضي، بعد الاستفتاء الذي رفض عبره الفرنسيون الدستور الاوروبي، حتى انفجرت في وجهها قنبلة الضواحي التي ظلت مشتعلة على مدى ثلاثة اسابيع. وبعد ان كشف رفض الفرنسيين للدستور الاوروبي عن ازمة عميقة مردها الى التفاوت القائم بين اهتمامات الطبقة السياسية وواقع المواطنين، جاء اشتعال الضواحي ليؤكد ان الهالة المحيطة منذ عقود بقيم الجمهورية ومبادئها، وبالعقد الاجتماعي الفرنسي ليست سوى مجرد أوهام. فبين ليلة وضحاها وجدت فرنسا نفسها وسط مأساة وطنية، نجمت عن البؤس الاجتماعي المزمن القائم وسرعان ما تجلت في مواجهة شاملة بين الشباب الغاضب ورموز السلطة من قوى أمن ومقار رسمية ومؤسسات عامة. حدة الانفجار بسرعة انتقاله بفعل العدوى ليشمل مختلف ضواحي مدن البلاد، أصاب للوهلة الاولى السلطة الفرنسية بالذهول وأثار نوعاً من الصدمة في دول العالم، لاكتشافها عبر التلفزيونات مشاهد حرب أهلية حقيقية. شرارة هذه الاحداث، التي لا تزال تفاعلاتها حاضرة على المستوى الرسمي، انطلقت في 27 تشرين الاول اكتوبر الماضي، إثر مقتل شابين، زياد وبونا، صعقاً بالتيار الكهربائي، بعد اختبائهما داخل محول كهربائي، هرباً من رجال الشرطة في ضاحية كليشي سوبوا. وفور انتشار نبأ وفاتهما، عمّت حال من الغضب شبان المنطقة، الذين بادروا الى احراق عدد من السيارات، للتعبير عن احتجاجهم، وهو ما اعتبره المسؤولون بمثابة فورة عابرة مماثلة للفورات الدورية التي تشهدها هذه الضاحية او تلك. وكالعادة في مثل هذه الحالات، بادر وزير الداخلية نيكولا ساركوزي الى دعوة ذوي القتيلين الى وزارة الداخلية لمقابلته، والعمل على تهدئة الاوضاع. لكن هذه الدعوة قوبلت برفض الأسرتين، اللتين تعتبران، مثلهما مثل غالبية سكان الضواحي، ان ساركوزي يتحمل المسؤولية الاولى عن حال التوتر والاحتقان القائمة في هذه المناطق منذ مدة، نتيجة حملاته على شبانها ووصفهم بالحثالة. في غضون ذلك، انتقلت ألسنة النيران التي انطلقت من كليشي سوبوا الى الضواحي الباريسية الأخرى ومنها الى الضواحي الفرنسية عموماً، وباتت اشبه ببراكين تطوق معظم المدن الكبرى. وعندها ادركت الحكومة الفرنسية ان الأمر أخطر من فورة غضب عادية وانها في مواجهة محنة محفوفة بالمخاطر، فارتأت ان الاولوية ينبغي ان تكون للدفاع عن هيبتها والتركيز على اعادة احلال النظام العام، باعتبار ان ما من مشكلة اياً كانت طبيعتها تبرر خرقه. ووسط الإجماع الرسمي على ضرورة اعتماد التشدد التام وصولاً الى تهدئة الاوضاع، ادركت الطبقة الحاكمة انها تدفع عبر الانفجار الحاصل في الضواحي فاتورة مستحقات مترتبة عليها منذ عشر سنوات ومستحقات مترتبة على مجمل الطبقة السياسية التي لم تفلح على مدى السنوات الثلاثين الماضية، وعبر الخطط المتتالية التي اعتمدتها في معالجة مآسي الضواحي. صحيح ان سلوك ساركوزي ومواقفه الاستفزازية واصراره على ان مشكلات الضواحي تتطلب معالجة امنية بحتة كان لها دور الصاعق في تفجير الغضب والعنف، لكن جذور هذا الغضب تتجاوز نطاق شخصية وزير الداخلية. فهذه الاحداث مثلت برهاناً قاطعاً على فشل ما يسمى ب"سياسة الانتاج"، وأدت الى تنامي ما نسبته 8 في المئة من الفرنسيين المنبثقين من الهجرة على هامش مجتمعهم ومؤسساته. وهنا يتساوى الجميع، في اليمين او اليسار، لجهة المسؤولية عن الفشل، اذ ان مختلف السياسات والخطط المدنية التي طبقت على مدى العقود الثلاثة الماضية ورصدت لها اموال طائلة، لم تؤد سوى الى انتشار تجمعات سكنية تتركز فيها مجموعات سكانية يفترض انها فرنسية لكنها في الواقع هجينة. ويعاني هؤلاء السكان البطالة اكثر من سواهم، اذ ان نسبتها تقدر بنحو 11 في المئة على المستوى الوطني، لكنها تفوق ال 40 في المئة في مناطقهم. وهم يسمعون عن سوق العمل وضرورة خوضها، لكنهم مستبعدون عنها لأن الاولوية فيها لسواهم من الفرنسيين، ويدركون ان مدارس الجمهورية الفرنسية تخرج حملة شهادات لكن مدارس الضواحي تخرج فاشلين وعاطلين عن العمل. وكذلك الامر بالنسبة الى العقد الاجتماعي الذي يفترض ان يضمن المساواة بين مختلف الفرنسيين، لكنه بالنسبة اليهم عقد تمييز، يبقيهم مطوقين في ضواحيهم، حيث لا يرون من الجمهورية سوى اجهزة الامن والقمع المنتشرة في شوارعها. وترتبت على كل هذا ريبة متبادلة، فبات أبناء الضواحي ينظرون الى بقية المجتمع باعتباره تجسيداً للغبن اللاحق بهم والشعور بالاختلاف المفروض علهيم، فيما ينظر الآخرون اليهم باعتبارهم مصدر تهديد لأمن المجتمع وسلامته. هذه العناصر مجتمعة جعلت شبان الضواحي يلجأون الى عنف استثنائي لجذب الانظار اليهم والى اوضاعهم، وهو ما ردت عليه السلطات الرسمية بلجوئها الى قانون الطوارئ الاستثنائي لسنة 1955، الذي طبق مرة واحدة خلال حرب الجزائر للتوصل الى تطويق الشغب. ومع تراجع حدة اعمال العنف واستقرارها عند وتيرة"طبيعية"انقذت السلطة هيبتها لكنها لم تتمكن من لجم الشكوك في صدقيتها. وفي هذا الاطار لا يسع الرئيس جاك شيراك عدم الاقرار بفشل مزدوج، كونه وجد نفسه وجهاً لوجه مع الشرخ الاجتماعي الذي شكل احد المحاور الرئيسة لحملته الانتخابية سنة 1995، كما ان احترام النظام العام الذي ركز عليه خلال حملته الثانية سنة 2002، واجه اسوأ اختبار له. والمهارة التي أبداها عندما توجه خلال الأزمة الى ابناء الضواحي، بقوله لهم انهم"ابناء الجمهورية وبناتها، ستبقى من قبيل المواقف الواهية، ما لم تقترن بخطوات ملموسة تؤدي الى تغيير فعلي في الواقع، على مستويات مختلفة". فأحداث الضواحي وما واكبها من قلق وتخوف، شجعت فئات واسعة من الفرنسيين على تأييد افكار اليمين المتطرف المناهضة للمهاجرين، بعد ان كانت مثل هذه الافكار منبوذة في السابق ومقتصرة على اوساط محددة ومحصورة. والملح هنا العمل على تطويق هذا الميل، والحؤول دون ان يتعزز عبر اسلوب ألفته الطبقة السياسية الفرنسية ويقضي باستغلال قضايا الهجرة لأغراض انتخابية، خصوصاً وان فرنسا دخلت بصورة مبكرة في اجواء حملة انتخابات الرئاسة المقررة في سنة 2007. فاللعب على هذه القضايا وزجها في الرهانات والمزايدات الانتخابية، يعزز من خطورتها، ويهدد بدفع المعنيين بها نحو التطرف. فقد ثبت ان احداث الضواحي على رغم درجة العنف القصوى التي اتسمت بها وعلى رغم انتشارها، حصلت بمعزل عن أي توجيه او أي تنظيم، كما ثبت انها لم تنطو على اي بعد ديني على رغم كون غالبية المشاركين فيها من الفرنسيين المسلمين. لكن ليس هناك ما يضمن بقاء الامور على هذا النحو، وعدم بروز طرف او اطراف يعملون على استغلال نقمة شبان الضواحي ودفعها نحو التأصل، كرد بديهي على تأصل التطرف اليميني في بقية المجتمع الفرنسي. والإهمال على هذا الصعيد من شأنه ان يغذي منطق المواجهات الطائفية، الذي يدرك الجميع في فرنسا انه الارض الخصبة لنمو الارهاب. في الوقت ذاته، وفيما سيف حال الطوارئ لا يزال مسلطاً على الضواحي الفرنسية حتى 21 شباط فبراير المقبل، من الملح التوصل الى التوازن المجدي بين التعامل الامني والتطوير الاقتصادي والاجتماعي لمجموعات سكانية سقطت على مدى سنوات عديدة في الاهمال والتجاهل. وكان رئيس الحكومة الفرنسية دومينيك دوفيلبان اعلن عن سلسلة اجراءات تشمل القطاع التعليمي والمهني والمدني، يفترض ان تؤدي الى تحسين الاوضاع في الضواحي. لكن هذه الاجراءات بحاجة لسنوات عدة، قبل الحكم على فعاليتها وقدرتها على اعادة تركيب لحمة اجتماعية بين سكان الضواحي وسواهم من الفرنسيين، وقبل الوقوف على مردودها على صعيد الحد من الفقر والبؤس والبطالة.