تصاعد التوتر في الضواحي الباريسية في اعقاب تهديد وزير الداخلية الفرنسي نيكولا ساركوزي بإحكام قبضة السلطات على هذه المناطق، ما ولد انقسامات وجدل متعدد الاتجاهات داخل الحكومة والطبقة السياسية عموماً، وحمل الرئيس جاك شيراك على التدخل والدعوة الى التهدئة. وأراد ساركوزي ان يثبت لمحازبيه اليمينيين وللرأي العام الفرنسي، انه بإرادته وعزمه قادر على تجاوز أي مشكلة. لكنه اعتمد خطاباً استفزازياً بقوله مثلاً انه مصر على"ازالة الحثالة"من هذه المناطق، كما أخطأ من حيث الجوهر، فحصر تعامله مع موضوع الضواحي المزمن والذي أحرق اصابع العديد من اسلافه من وزراء الداخلية، بالجانب الأمني، متجاهلاً الجوانب الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والاندماجية. وأكد وزير الداخلية الفرنسي الطامح الى إقناع الجميع بصفاته الرئاسية، ان ذكاءه مرفق بنقاط ضعف خطيرة مردها الى استعجاله الدائم ورغبته في التفرد. وكانت الشرارة التي اندلعت في الضواحي قبل خمسة ايام جاءت بعد التصريحات"الاستفزازية"المتكررة التي اطلقها ساركوزي اخيراً، وتحولت الى نيران مشتعلة إثر وفاة شابين صعقاً بالتيار الكهربائي لدى اختبائهما داخل محول كهربائي هرباً من الشرطة في كليشي سوبوا. وأسفرت حصيلة الأيام الخمسة من المواجهات بين رجال الشرطة وشباب الضواحي، عن عشرات الاعتقالات ومئات السيارات المحترقة، اما الحصيلة السياسية فلا تبدو من جانبها اكثر إشراقاً. فالتنافس الضمني بين ساركوزي ورئيس الحكومة الفرنسية دومينيك دوفيلبان على الترشح لخلافة شيراك عاد ليطفو على السطح، ويعزز قناعة الفرنسيين بأن مسؤولين يتحركون من منطلق طموحاتهم الشخصية وليس بدافع التخفيف من معاناة مواطنيهم. وهذا الانطباع، قد لا تبدده بادرة دوفيلبان على استقبال ذوي الشابين القتيلين بحضور ساركوزي، بهدف تأكيد التجانس الحكومي الذي يتحمل وزير الداخلية المسؤولية الرئيسة عن زعزعته من خلال تفرده بفتح قضية الأمن في الضواحي. ووجه دوفيلبان عقب اللقاء دعوة الى التهدئة وإحلال النظام العام في المناطق التي شهدت مواجهات، واعداً ذوي الشابين القتيلين بالكشف عن الظروف التي ادت الى وفاتهما، لكن موقفه الفعلي مما حصل ربما يكون مطابقاً لما ورد على لسان الوزير المكلف بالعمل على إلغاء التمييز، عزوز بيغاغ. وانتقد بيغاغ الذي يعرف جيداً اوضاع الضواحي كونه ولد في إحداها، الأسلوب الذي اعتمده ساركوزي، وقال انه"ينبغي دائماً اختيار الكلمات المستخدمة للتوجه الى الفقراء"، رافضاً اللهجة"الحربية"التي اعتمدها ساركوزي، ورافضاً ايضاً زياراته المتكررة"الى هذه المناطق الفقيرة والشديدة الحساسية برفقة مصوري التلفزيون والصحافيين. وعلى رغم سعي دوفيلبان الى لملمة الصف الحكومي، انهالت الانتقادات من الأوساط الموالية لساركوزي على بيغاغ واتهمته بالافتقار الى التضامن مع زملائه من الوزراء، وصولاً لمطالبة البعض باستقالته. وحملت هذه التفاعلات، شيراك الى العمل على تطويق الموقف بالدعوة خلال الاجتماع الاسبوعي للحكومة الفرنسية، على"تهدئة الأذهان"في الضواحي، حيث ينبغي تطبيق القانون"بحزم وإنما استناداً الى ذهنية الحوار والاحترام". واعتبر شيراك، ان"انعدام الحوار وتصاعد عدم الاحترام"من شأنهما ان يؤديا الى"وضع خطير". والمؤكد ان ساركوزي تسبب لليمين بمشكلة كان بغنى عنها، سرعان ما استغلتها المعارضة الاشتراكية، التي اصدرت بياناً شجبت فيه صمت شيراك ودوفيلبان غير المقبول، حيال تصرفات وزير الداخلية"المستوحاة من اليمين المتطرف"، والتي تسببت بانفجار العنف في الضواحي. وطغى موضوع الضواحي والمغامرة الفاشلة التي خاضها ساركوزي حيالها، على ما سواه من نقاط على جدول اعمال الجمعية الوطنية الفرنسية البرلمان امس.