قالت مصادر مالية رسمية ل"الحياة" إن بعثة من البنك الدولي برئاسة رئيس صندوق النقد الدولي ستزور المغرب أواخر الشهر الجاري لإجراء محادثات مع المسؤولين الماليين والاقتصاديين حول "خطة الدعم الاستراتيجية الثانية" التي يتهيأ البنك لتفعيلها مع المغرب والتي تقدر قيمتها الإجمالية بنحو بليوني دولار تساهم فيها مؤسسات مالية دولية أخرى منها "البنك الأوروبي للاستثمار". وقال وزير المال فتح الله ولعلو ل"الحياة" إن العلاقات مع صندوق النقد الدولي جيدة وتعكس "مستوى متقدماً من التعاون والتنسيق" على رغم أن المغرب خرج من وصاية صندوق النقد الدولي في 1993 بجعل الدرهم عملة قابلة للتحويل طبقاً للفصل الثامن من ميثاق الصندوق بعد عشر سنوات من تطبيق برنامج التقويم الهيكلي الذي انطلق في 1983. وقال المسؤول المغربي إن الإصلاحات الاقتصادية والمالية من الجيل الثاني التي تقوم بها الرباط تحتاج إلى دعم من المؤسسات المالية الدولية لزيادة أداء الاقتصاد ورفع مستوى النمو في اجمالي الناتج المحلي. وكان البنك الدولي منح المغرب في إطار خطة الدعم الاستراتيجية الأولى 2001 - 2003 إجمالي قروض بلغت نحو 550 مليون دولار خصصت لتمويل مشاريع في البنى التحتية والتنمية الريفية والري الزراعي والطرق والمواصلات وتعليم الفتيات القرويات. وستوجه القروض الجديدة التي يجري التفاوض في شأنها إلى قطاعات التعليم والصحة وإصلاح الإدارة العمومية ومد شبكات مياه الشرب، وتحرير الخدمات المقدمة من القطاع العام في مجالات النقل والمواصلات... وتصل قيمة تلك المشاريع إلى 20 بليون درهم تساهم في تمويلها مصارف أفريقية وأوروبية. لكن جولة بعثة صندوق النقد الدولي ستبحث أساساً موضوع العجز المالي في الموازنة الذي تعتبره مؤسسة "برتيون وودز" مرتفعاً ويكلف الموارد المحلية جهوداً إضافية لتمويل العجز غالباً ما يتم عبر برامج التخصيص كما حدث في السنوات الثلاث الأخيرة من خلال بيع حصص الدولة في شركتي "اتصالات المغرب" و"شركة التبغ" وبلغ إجمالي العائدات نحو أربعة بلايين دولار. ويتحفظ صندوق النقد على صيغة الحكومة بتمويل العجز المالي عبر إيرادات التخصيص ويعتبر انها تشكل مخاطر على المدى المتوسط بحيث سيكون من الصعب على المغرب الاعتماد على الصيغ نفسها في المستقبل مما قد يزيد في عجز الموازنة التي تفقد مداخيل مهمة تقدر ب300 مليون دولار سنوياً من تحرير التجارة وتفكيك الرسوم الجمركية وإقامة مناطق تجارية حرة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول إعلان أغادير العربية . وقال فتح ولعلو ل"الحياة" إن العجز المالي خارج التخصيص يقدر ب4.4 في المئة من الناتج وهو كان سيصل الى 5.7 في المئة لولا زيادة مداخيل الضرائب والرسوم الجبائية. وسينخفض العجز إلى ثلاثة في المئة في السنوات القليلة المقبلة. وتعتبر هذه النسبة الحد المقبول من صندوق النقد الدولي الفصل الرابع ومن الاتحاد الأوروبي الذي يرتبط معه المغرب باتفاقية الشراكة. وتتوقع المندوبية السامية في الإحصاء أن يتراجع العجز المالي في المغرب إلى 3.9 في المئة من اجمالي الناتج في 2005 على أن يبلغ معدل النمو 2.6 في المئة وهو معدل ضعيف يكاد يوازي الزيادة السكانية ولا يمكن الاقتصاد من توفير مناصب عمل كافية للشباب العاطل. ولتقليص العجز سيكون على الحكومة المغربية تقليص النفقات العمومية خصوصاً نفقات الأجور في الإدارات الحكومية التي تكلف نحو سبعة بلايين دولار. وينصح صندوق النقد الدولي بخفض النفقات عشرة في المئة عبر صيغ المغادرة الطوعية التي قد تشمل 60 ألف شخص من موظفي الدولة وإحالتهم على التقاعد المبكر. كما ينصح البنك الدولي بزيادة النمو إلى ستة في المئة من إجمالي الناتج عوضاً عن 3.5 في المئة حالياً ويعتقد انها الصيغة الأمثل لزيادة الدخل الفردي وتحسين مستويات معيشة السكان وتقريب الفجوة مع الاتحاد الأوروبي الذي يزيد فيه الدخل 15 مرة عن نظيره في جنوب البحر البيض المتوسط. وكانت تلميحات صدرت من البنك الدولي وصندوق النقد نهاية العام الماضي أشارت أن المغرب قد يحتاج إلى هيكلة اقتصادية ومالية جديدة من الجيل الثاني في حال ظلت معدلات النمو متدنية ومعدلات العجز المالي والتجاري مرتفعة بحيث يزيد العجز في المبادلات الخارجية على سبعة بلايين دولار. وينتظر أن تحسم زيارة وفد البنك الدولي جدلاً قائماً بين بعض وسائل الإعلام ووزارة المال حول مفاهيم "العجز المالي" والعجز التجاري" و"النمو الاقتصادي" و"برامج التقويم الهيكلي" وهي مفردات يستعملها كل طرف لأغراض امتداح أو انتقاد أداء الاقتصاد المغربي الذي يبحث عن الصيغة الأفضل للخروج من عنق الزجاجة لمواجهة العولمة.