بعد نحو عامين على سقوط النظام السابق، لم يعد هناك شخصان في العراق يختلفان في الرأي على ان النشاط الاستيرادي يعيش فوضى وعشوائية لم يشهدها العراق قبل هذه الفترة بتاتاً، على رغم انه مر في ظروف صعبة قد تتماثل في بعض أوجهها مع الظروف التي سبقت وتلت الحرب الأخيرة. ويقول الاقتصاديون ان النشاط الاستيرادي يجب أن يجري وفق دراسات علمية وشاملة لمتطلبات العملية الاقتصادية كافة، وخصوصاً في البلدان التي تعاني اقتصاداتها اختناقات حادة، كما هي الحال بالنسبة الى الاقتصاد العراقي خلال الأعوام الأخيرة. وأدى غياب الدولة والقانون والانفلات الأمني عقب سقوط النظام السابق إلى اضافة مشاكل جديدة إلى التي كان يعاني منها الاقتصاد العراقي أصلاً وكان في مقدمها الاستيراد العشوائي للسلع والبضائع من قبل كل من أتيح له ذلك، بمعزل عن أي ضوابط أو تعليمات أو دراسات لواقع السوق العراقية ومتطلباتها. وأدى ذلك الى حرمان المواطن العراقي من الكثير من متطلبات الحياة الأساسية نتيجة اخطاء الاستيراد، وكان في مقدم تلك الأخطاء الجسيمة التي أضرت كثيراً بالاقتصاد العراقي استيراد السيارات القديمة على نحو منفلت حتى زاد ما تم ادخاله إلى العراق في غضون الفترة الماضية على أكثر من مليون سيارة، وهو رقم مخيف لو تم قياسه ضمن اطار الأعباء الثقيلة التي تحملها العراق نتيجة ذلك وعلى الأصعدة كافة. وقال الاقتصادي العراقي ناظم محمد طيب ان عملية استيراد السيارات من قبل الأشخاص كانت غير مدروسة واقتصرت على استيراد السيارات الخدمية من دون الانتاجية. وأضاف أن قدم السيارات المستوردة وضع عبئاً لا تتحمله السوق على استهلاك قطع الغيار. وأضاف ان هذا النشاط قام به أشخاص لا يهمهم سوى جني الأرباح بعيداً عن أي أهداف أخرى، الأمر الذي أدى إلى نشوء أوضاع اجتماعية واقتصادية جديدة في العراق تمثلت في الازدحام المروري والاختناقات التي تعاني منها الشوارع العامة والتي فرضت بدورها أوضاعاً نفسية هي الأخرى أضرت بالمجتمع العراقي. وأشار إلى انه كان من الأنسب والأوفر وضع حد لهذا الانفلات الاستيرادي منذ أيامه الأولى والتركيز على السيارات الانتاجية، نظراً الى حاجة البلد إليها، مع وضع ضوابط، تم وضعها أخيراً ولكن بعد فوات الأوان. وشدد طيب على ان القطاع الاقتصادي في العراق بحاجة ماسة إلى السيارات الانتاجية من سعات مختلفة لتلبية حاجات النشاط التسويقي التجاري والزراعي والصناعي، لافتاً الى ان نسبة كبيرة من السيارات المستوردة كانت سيارات الصالون ومن مناشىء رديئة، بالاضافة إلى أنها كانت سيارات مستهلكة ودخلت مرحلة الاندثار. وقال هادي أحمد صاحب معرض سيارات في شارع فلسطين وسط بغداد انه قرأ تقريراً أخيراً يفيد ان سيارات من طراز"أوبل"من انتاج 1992 تحتاج إلى ما يعادل 150 دولاراً شهرياً من قطع الغيار، لافتاً الى أن هذا يعني ان السيارة من هذا النوع يتضاعف ثمنها قبل مرور عام على استخدامها. وأكد على أهمية معالجة ظاهرة الاستيراد العشوائي للسيارات المستعملة بشكل سريع ووضع حد لهذه الممارسات التجارية غير المخطط لها وحصرها في السيارات الانتاجية ومن مناشىء جيدة، بما يحقق نتائج إيجابية للمواطن والاقتصاد العراقي على حد سواء. وأشار الى أن الاستيراد يجب ان يجري بالتنسيق مع الجهات المعنية باستيراد السيارات واستخداماتها، وهي جهات متوزعة على وزارات عدة كان من الأنسب دراسة أفكارها واقتراحاتها في هذا الشأن وفي مقدمها وزارات التجارة والداخلية والبيئة والزراعة والصناعة.