يعود سبب حماسة رئيس الحكومة رفيق الحريري لتشكيل حكومة اتحاد وطني الى التشجيع الإيجابي الذي سمعه من الرئيس السوري بشار الأسد على إجراء مشاورات واسعة تحضيراً لحكومة لم يسبق ان شهدها لبنان منذ سنوات. ويرفض الحريري بحسب زواره التعامل مع اي كلام غير الذي سمعه مباشرة من الرئيس السوري، معتبراً ان تعاون اللبنانيين من اجل ترجمته الى خطوات عملية فرصة جدية للانتقال الى مرحلة جديدة، للملمة الوضع السياسي في البلاد. وأكدت مصادر مقربة من دمشق ان الأخيرة راغبة في حكومة وحدة وطنية، وأن ما خلص إليه الحريري في اجتماعه مع الأسد لا يهدف الى تقطيع المرحلة بمقدار ما يتطلع الى صفحة جديدة مع القوى السياسية، متلازمة هذه المرة مع فتح صفحة مماثلة مع رئيس الحكومة بخلاف ما اخذ يشيعه بعض الدوائر في لبنان من ان الدعوة الى مثل هذه الحكومة تهدف الى استيعاب الوضع الجديد من دون ان تكون مقرونة بترجمة الأقوال الى افعال. ولفتت الى ان الحريري يتسلح بحماية سورية لإنضاج ظروف حكومة وحدة وطنية، ويبقى على الأطراف المعنية أن تتعاطى مع دعوته بانفتاح وجدية من دون تعجيز. وأكدت ان مشاورات الحريري مع "لقاء قرنة شهوان" المعارض هدفها انتزاع موافقته على الاشتراك في حكومة غير عادية، وقالت ان الأخير امام تجربة جديدة لا يستطيع ان يرفضها في المطلق وسيكون مضطراً للانفتاح عليها. ونقلت المصادر عن البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير قوله امام زواره انه لا يستطيع الا ان يوافق على تشكيل حكومة اتحاد وطني "ولكن علينا ان نسأل تحت هذا السقف عن وظيفتها وتركيبتها وما اذا كانت ستكون فضفاضة؟". وهو رحب بدعوة الحريري عندما التقاه السبت الماضي محتفظاً بحقه في ان يسأل عن كيفية ترجمتها العملية لأنه لا يرى جدوى في قيام حكومة موسعة اكثر من اللزوم. ويعتبر صفير ان تعيين وزراء دولة في حكومات ما قبل الحرب كان يهدف الى توفير غطاء سياسي لها لا سيما في حال اسناد حقائب الخدمات الى التكنوقراط، اما اعتماد هذه الصيغة الآن فيعني توزيع جوائز ترضية. ويبدو ان بكركي وإن كانت مستعدة للتداول بجدية في فكرة حكومة اتحاد وطني، فهي تخشى من ان يكون الهدف استيعاب المعارضة وتذويبها في تركيبة لا تمكنها من التأثير في النقاش داخل مجلس الوزراء. ونقل البعض الى بكركي موقفاً سورياً بأن دمشق لا تضع فيتو على تمثيل اي طرف مسيحي مؤيد لاتفاق الطائف على رغم ما قد يكون لديه من ملاحظات، وأنها في السابق كانت وراء تشجيع قائد "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع على الاشتراك في حكومة الوفاق الوطني التي ترأسها الرئيس عمر كرامي، لكنه اختار لنفسه البقاء خارجها واستعيض عنه آنذاك بتوزير نائب رئيس حزب الكتائب الدكتور روجيه ديب. وأكد هذا البعض ان الخطوة السورية في اتجاه المعارضة ليست مناورة او مكمناً يترك لها اخراج نفسها من حكومة وحدة وطنية بدلاً من ان يخرجها من يريد ان يستأثر بغالبية الحقائب والتمثيل. كما ان سورية في ضوء المستجدات ليست في وارد تأييد احتكار التمثيل الوزاري من فريق في مقابل الاعتقاد بأن هناك في "لقاء القرنة" من يفضل التريث قبل حسم موقفه من الاشتراك في الحكومة ريثما يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان الى مجلس الأمن الدولي حول القرار الرقم 1559. ودعا الى عدم النظر الى التريث من زاوية ان هناك في "لقاء القرنة" من يود الاتكاء أو الاتكال على تقرير أنان بقدر ما انه يريد ان يستقرئ معالم المرحلة المقبلة من خلال التقرير. وتؤكد المصادر ألا يكون دور بكركي تسمية وزراء المعارضة المسيحية بل توفير صمام أمان للذين سيشاركون في الحكومة والذين سيختارون على قاعدة ان البطريرك صفير يرتاح إليهم. وهذا يساعد ايضاً على عدم احراج "لقاء القرنة" الذي سيجد صعوبة في انتداب من يمثله تجنباً للتنافس على التوزير. وأضافت ان رئيس اللقاء النيابي الديموقراطي وليد جنبلاط لا يزال "يأخذ ويعطي" مع الحريري في قضية الحكومة، مشيرة الى انه لم يقرر الانكفاء عن مواقفه بل يقرأ جيداً طبيعة المرحلة المقبلة ويتعاطى معها بإيجابية، مبدياً حرصه على ان تكون المعارضة موحدة في اي قرار ستتخذه حول المشاركة في الحكومة. لكن المصادر ذاتها حذرت من رفض "لقاء القرنة" الاشتراك عبر شروط غير قابلة للتنفيذ. فالمهمة الرئيسة للحكومة العتيدة وضع قانون انتخاب عادل يحقق المساواة وبالتالي التغيير الذي تأمل به المعارضة، اما اذا اراد "لقاء القرنة" الهروب الى الأمام عبر المطالبة بوقف عمليات المقاومة او نشر الجيش في الجنوب فإنه سيلقى معارضة من جنبلاط قبل غيره، نظراً الى انه ليس في وارد الاشتراك على خلفية "كسر سورية في لبنان". وأوضحت المصادر ايضاً ان وجود توجه لدى "لقاء القرنة" في تكبير شروطه، يعني انه سيواجه احراجاً امام الرأي العام وأن القوى المتحالفة معه، لن تجد ما تقوله دفاعاً عن موقفه وسيدفع الى الاعتقاد بأنه يراهن على عوامل خارجية، وبالتالي لا مفر امام "لقاء القرنة" من الاشتراك في الحكومة ليختبر مدى الجدية في وضع قانون انتخاب جديد خصوصاً ان الانتخابات النيابية في الربيع المقبل سترتب معطيات جديدة للمرحلة المقبلة.