يميل رئيس الحكومة رفيق الحريري الى إرجاء تقديم استقالة حكومته التي كانت مقررة اليوم، بحسب ما اعلن سابقاً، الى غد الثلثاء أو الأيام القليلة التي تليه، إفساحاً في المجال امام مزيد من الاتصالات والمشاورات مع القوى السياسية الفاعلة، ولئلا يؤخذ عليه انه أغفل هذا الطرف او ذاك، او انه لم يستكمل الصورة التي على اساسها سيقرر الخطوة اللاحقة بالنسبة الى عودته الى رئاسة الحكومة. وعلمت "الحياة" من مصادر وزارية موثوقة ان إرجاء تقديم استقالة الحكومة ليوم واحد يعود بالدرجة الأولى الى تمديد زيارته لباريس، إذ كانت عودته الى بيروت مقررة مساء الجمعة لكنه ارجأها الى مساء السبت مما حال دون الانتهاء من مشاوراته ليكون في وسعه الاستقالة صباح اليوم. واستبعدت المصادر ان يكون لتأخير الاجتماع مع "لقاء قرنة شهوان" المعارض علاقة بتأجيل الاستقالة، وقالت إن الحريري ابدى رغبة بحصول اللقاء مساء اول من امس، او نهار امس على ابعد تقدير، مستغربة تردد القرنة في حسم امرها تارة بذريعة انشغال بعض اعضاء امانة السر فيها وتارة اخرى بارتباطهم بمواعيد اخرى. ولفتت المصادر الى ان اجتماع الحريري و"لقاء القرنة"، ممثلاًِ بلجنة ثلاثية قوامها النائب انطوان غانم، جبران تويني وسمير عبدالملك، سيحصل في الثامنة مساء اليوم في دارة الحريري في قريطم. واعتبرت المصادر نفسها ان لجنة "قرنة شهوان" غير مكلفة بأن تحسم امرها حيال مسألة الاشتراك في حكومة اتحاد وطني، موضحة ان مهمتها محصورة بالاستماع الى وجهة نظر الحريري والعودة الى اللقاء الموسع للقرنة لإطلاعه على النتائج ليتخذ القرار المناسب. وأخذت المصادر على "لقاء القرنة" انه لم يحسن التعاطي مع دعوة الحريري الى الحوار، وقالت انها لا تعرف الأسباب الكامنة وراء لعبة كسب الوقت، بينما قالت اوساط في اللقاء ل"الحياة" إن "القرنة" لا يستطيع عقد لقاء موسع مع الحريري خوفاً من الدخول في متاهات الاختلاف في الرأي، خصوصاً ان لا موقف موحداً من الاشتراك في الحكومة الجديدة. وعلى كل حال، وبحسب اوساط سياسية، فإن التأخر في عقد الاجتماع بين الحريري و"لقاء القرنة" لا يعني ان الأول ليس في وارد إشراكه في الحكومة بمقدار ما انه ابدى امتعاضاً من طريقة التعامل معه. وتوقعت الأوساط ان يعقد اللقاء، مؤكدة ان توقيته الآن في يد الحريري، ومعتبرة ان تمثيل اللقاء في الحكومة، في حال حصوله، يمكن ان يتم من خلال اختيار وزراء يرتاح البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير الى حضورهم ولا يشكلون استفزازاً للقاء الذي يصعب عليه التوافق على المرشحين او اللجوء الى السلبية عبر إقفال الباب امام الحوار. وعلى صعيد المشاورات، كان البارز امس الاجتماع المطول الذي عقد بين الحريري ورئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان العميد الركن رستم غزالة والذي تخلله تقويم للتقرير الذي رفعه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان الى مجلس الأمن الدولي حول القرار 1559، وللقاء رئيس الحكومة بالرئيس الفرنسي جاك شيراك في باريس، وبرئيس الحكومة العراقية اياد علاوي في جنيف وهو في طريق عودته الى بيروت. كما جرى في اللقاء الذي عقد عصر امس في منزل رئيس الحكومة في قريطم استعراض لآخر التطورات المستجدة على الساحة اللبنانية في ضوء محاولة اغتيال الوزير السابق النائب مروان حمادة والتداعيات السياسية المترتبة عليها، اضافة الى استعراض الوضع الراهن وطبيعة المرحلة السياسية المقبلة في لبنان فور استقالة الحكومة، والجهود الآيلة الى تشكيل حكومة وفاق وطني. ويرتقب ان تستمر اللقاءات مع غزالة، الذي التقى مسؤولين آخرين، في الأيام المقبلة. وفي هذا السياق، تتواصل اللقاءات بين الحريري ورئيس "اللقاء النيابي الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط. وقد زار الأول الأخير في منزله في كليمنصو في بيروت، وأعقب ذلك اجتماع آخر عقد ليلاً في دارة الحريري في حضور الوزير المستقيل النائب غازي العريضي. وعلى خط مواز، يتواصل الحريري مع قيادة "حزب الله" عبر المعاون السياسي للأمين العام للحزب، الحاج حسين الخليل. وكان زوار الحريري نقلوا عنه امس "اننا اصبحنا بعد محاولة اغتيال حمادة اكثر تصميماً على تأليف حكومة وفاق وطني كرد مباشر على محاولة زعزعة الاستقرار ولا اظن ان هناك بديلاً منها". وأوضح الحريري، بحسب الزوار، ان لا علاقة لمحاولة اغتيال حمادة بتأخير الاستقالة ليوم واحد، "لكن هذا لا يعني اننا لسنا الآن امام معطيات جديدة وواقع سياسي يفرض نفسه ويستدعي منا التنبه والعمل من اجل رص الصفوف من خلال تأليف حكومة وفاق وطني"، مؤكداً انه "لا يجوز ان ندير ظهرنا لما كان يريده الذين خططوا لاغتيال حمادة". وبالنسبة الى موقف جنبلاط، قالت اوساط نيابية في "اللقاء الديموقراطي" انه لا يبدي حماسة للاشتراك في الحكومة، وهو الآن "واقف على الشوار" اي على حافة الهاوية. وأوضحت ان لدى جنبلاط اسبابه التي لا تشجعه على الاشتراك من خلال اللقاء الديموقراطي في الحكومة. وتساءلت عن موقفه بعد محاولة اغتيال حمادة، وقالت انه "ليس خائفاً بالمعنى الشخصي للكلمة، لكنه قلق على مصير البلد ومستقبله". وأبدت الأوساط نفسها عدم ارتياحها للكلام الذي تناقلته امس اوساط رسمية عن لسان رئيس الجمهورية اميل لحود، خصوصاً لجهة انه سيكون له دور في تسمية وزراء في حقائب يرى انها في المرحلة المقبلة تتطلب مجهوداً وأسلوباً مغايراً عن الماضي، اضافة الى انه سيبقى يمارس دوره وحضوره وترؤسه وإدارة الجلسات، لا سيما ان الصدقية التي يتمتع بها تعطي دفعاً للحكومة في حال ترأس جلساتها. ورأت ان الكلام المنسوب الى لحود لا ينم عن وجود استعداد لأي تغيير في النهج والأسلوب على رغم انه كان حمّل نفسه والآخرين مسؤولية إزاء التعثر في السنوات الماضية. وقالت انها تتخوف من ان تنتهي المشاورات الى اعادة انتاج حكومة مشلولة كسابقاتها. ولفتت الأوساط نفسها الى ان اي تغيير، بصرف الظر عن مشاركة اللقاء الديموقراطي في الحكومة، يجب ان يقوم على احياء اتفاق الطائف واحترام الدستور وتطبيقه بحذافيره وإعادة الاعتبار الى دور المؤسسات وتصحيح العلاقة اللبنانية - السورية ووقف التدخلات الأمنية في الشأنين القضائي والسياسي والإسراع في إقفال ملف المهجرين وإيجاد حل لقضية خدمة العلم.