زادت الضغوط على الجهاز المصرفي في مصر للاسراع في تسوية ملف القروض المتعثرة، كما هو الحال عند اعداد المصارف قوائمها المالية الختامية مع نهاية السنة المالية المحاسبية للحكومة التي تحل اخر الشهر الجاري. وتعكف المصارف العامة الاربعة، "الاهلي" و"مصر" و"القاهرة" و"الاسكندرية"، على مراجعة ملفات عملائها المتعثرين في سداد القروض، ومنهم رجال الاعمال محمد الجارحي وعمرو النشرتي واحمد بهجت، فيما تراجعت الشائعات التي رشحت اسم رجل الاعمال رامي لكح لدخول بورصة التسويات واستحقاق "التعويم". ويبدو ان "البنك الاهلي"، اكبر المصارف العامة في السوق، سيكون له النصيب الاكبر من جملة التسويات المنتظر التوصل اليها في الفترة المقبلة. ولا يعود ذلك الى نصيبه من سوق التمويل بقدر ما يعود الى المبادرة التي اطلقها قبل نحو شهرين رئيس مجلس ادارته حسين عبدالعزيز، الذي تسلم مهام المنصب منذ فترة قريبة. وتستهدف تلك التسويات اسقاط نحو 50 في المئة من اجمالي القروض المتعثرة التي كان من الصعب السيطرة عليها في غيبة المبادرة. ويبرز من بين قائمة اسماء رجال الاعمال المرشحين لاتمام اتفاقات للتسوية مع "الاهلي" عميلاه احمد بهجت، الذي بلغ اجمالي مديونياته نحو 2.4 بليون جنيه، وعمرو النشرتي الذي جاوزت مديونياته 650 مليون جنيه للمصرف اضافة الى مديونيات اخرى لمصارف "قناة السويس" و"مصر رومانيا" وغيرها. ويسعى "الاهلي" الآن لادارة التسوية مع تلك المصارف لتمكين رجل الاعمال من التوصل الى اتفاق جماعي يسمح له بالعودة الى البلاد. كما يسعى "بنك مصر" الى اتباع المنهج نفسه في التعامل مع عملائه المتعثرين، بعد ان عهد بالملف الى واحد من أبرز قياداته هو نائب رئيس المصرف محمد اوزالب، الذي اوشك على التوصل الى عدد من التسويات ابرزها التسوية مع رجل الاعمال محمد الجارحي الذي يُقدر اجمالي مديونياته بنحو 350 مليون جنيه اضافة الى مديونياته ل"بنك مصر الدولي". ويسعى المصرف لانجاز التسوية معه لفتح الباب امام جملة اخرى من التسويات. ويؤكد رئيس مجلس ادارة "بنك الاسكندرية" محمود عبداللطيف ان مصرفه كان الأقرب الى تحقيق عدد غير ضئيل من التسويات الفعلية ما جعله يتصدر قائمة حجم عمليات التسوية مع العملاء الذين مثّلوا حالات مستعصية، حتى ان المصرف بات يتوفر على محفظة ائتمان تتمتع بالجودة المطلوبة، على حد تقديره. وكان "بنك القاهرة" بادر الى تنظيم وضع عملائه المتعثرين للوصول الى اتفاقات تسوية عاجلة مع كل من البليدي ويعقوب والهواري ولكح، الا ان عدم التزام رجال الاعمال بالشروط التي وضعها حالت دون تحقيق اي تقدم على هذا الصعيد اخيراً. ضغوط الحكومة ويراهن المراقبون على ضغوط الحكومة لحث المصارف على التوصل الى تسويات حقيقية وشاملة بسرعة، حتى لا تتكرر عملية الهروب الى الامام التي لجأت اليها المصارف في الاعوام الثلاثة الماضية ولم تسفر عن استعادة المصارف لدورها التمويلي المساند لنمو اجمالي الناتج المحلي. فقد تراجعت معدلات منحها للائتمان بعد ارتفاعها الى مستويات قياسية في الاعوام من 1997 الى 2000، قبل ان تهبط بصورة نسبية رغم النمو في حجم الودائع وضغوط كلفة الاحتفاظ بالأموال. وتشير التوجهات الحكومية الى ان ملف التعثر المصرفي سيكون المعيار الاول في تقويم تجربة تخصيص الادارة في المصارف العامة. وكانت الحكومة لجأت الى تعيين قيادات مصرفية من القطاع الخاص الأجنبي لتولي مهام القيادة في مصارف القطاع العام قبل عام ونصف العام، في محاولة لترشيد الادارة في تلك المصارف. ويُتوقع ان يتم الحكم على التجربة في ضوء نتائج ملف الديون المتعثرة، ويُنتظر التفكير في تغيير خارطة القيادات المصرفية التي لم تحسن التعامل مع هذا الملف. وعن رد الفعل تجاه مبادرات المصارف للتسوية مع عملائها المتعثرين، يؤكد محافظ المصرف المركزي الاسبق علي نجم على اهمية الخطوة مشيراً الى ان "التسوية مع متعثري الجهاز المصرفي بوجه عام لا ينبغي ان تتوقف عند طرح مبادرة او اخرى، لأن ضرورة تنقية محافظ الائتمان تُسقط عن كاهل المصارف اعباء كثيرة تتحملها من تكوين مخصصات خسائر تصل في معظم الأحيان الى نسبة مئة في المئة من اصل الديون المتعثرة، اضافة الى تكوين المزيد من الاحتياطات لمواجهة الطوارئ وتهميش الفوائد وحرمان المصارف من تحقيق أرباح مشجعة". وشدد نجم على اهمية توسيع نطاق المبادرات للتخلص من تركة التعثر التي تعوق اطلاق مبادرات الائتمان الموازية الكفيلة بتشجيع نمو النشاط الاقتصادي وخلق الطلب الفعال وعودة ثماره على السوق بوحداته المختلفة. ومن جانبه، لفت رئيس مجلس ادارة "بنك مصر رومانيا" عبد الرحمن بركة الى "ضرورة مساندة العملاء لمبادرات المصارف سواء بالحرص على إظهار حسن النوايا عبر الالتزام بسداد مقدم اتفاقات التسوية والوفاء الكامل بالتعهدات، او بالاستعداد لتقديم الرهون التي تسمح للمصرف بمواصلة تقديم التسهيلات للعميل". واضاف ان تطورات سوق المال والتمويل الحالية وظهور انشطة مثل "توريق" الديون "ستؤدي الى تحسين كفاءة السوق في مساندة وقبول حالات التسوية التي يتم التوصل إليها، لأن حركة رأس المال ستزداد مرونة، وهو عنصر مهم لضمان نجاح مبادرات التسوية". الرأي القانوني من جهة اخرى أكد قانونيون ان مبادرات التسوية الجديدة مميزة وتتسق مع ما ينادون به من "العفو الاقتصادي" لضمان مصلحة الاقتصاد القومي، كما في العفو السياسي الضامن للحياة الاجتماعية والاستقرار. ويرى هؤلاء ان بعض المتعثرين كانوا ضحية سياسات اقتصادية متضاربة، كما اشار الحكم الصادر في قضية "حديد أسوان" العام الماضي الذي ارجع التجاوزات في المشروع الى عشوائية القرارات الحكومية وعدم وجود صيغة معلنة لإنجاح المشروع. ويركز القانونيون فى مذكرة يُعدونها على نقطة مهمة خاصة باللجوء الى القضاء ضد المتعثرين او الفارين، ويؤكدون ان اللجوء إلى المحاكم سيحول الأمر من مشكلة اقتصادية إلى قضية جنائية، ما يفاقم المشكلة اكثر، على ألا يكون اللجوء الى القضاء إلا ضد المتعثر الذي دُرست حالته ولم يستجب نهائياً لأى حلول عاجلة أو موقتة أو نهائية. وبرأيهم ان الدعاوى القضائية في المواضيع الاقتصادية ستؤدي الى هروب الاستثمار، لأن مجرد دخول رجل اعمال متعثر او شركة بعينها رواق القضاء يضر بالسمعة، إلا إذا كان المبرر قوياً لحسم نزاع طال أمده. في الوقت نفسه يرى القانونيون ان البلاد لم تكن في حاجة الى "قانون البنوك الجديد" الذي ولد ميتاً، في اشارة الى ان القانون لم يأت بجديد لحل المشاكل العالقة في القطاع المصرفي، وان القانون القديم لو طُبق تطبيقاً صحيحاً لكان كافياً لحل هذه المشاكل على أساس أن العلاقة بين العميل والبنك يحكمها القانون المدني وليس القانون الجنائي إلا في حالة واحدة هي حكم الفقرة الثانية من المادة 65 الخاصة باعطاء بيانات غير صحيحة للحصول على تسهيلات ائتمانية بغير وجه حق.