بعضهم يزعجه قول الحقيقة، بل ويعتقد دوماً أن قولها هو هجوم ناري عليه شخصياً لا على أقواله أو تصرفاته أو قراراته التي يكتشف الجميع، وهو في مقدمهم، أنها تعيد الرياضة 180 درجة إلى الخلف! وبعضهم يدرك تماماً أن قول الحقيقة هو أقصر طريق لاكتشاف الأخطاء ومعالجتها قبل وقوع البلاء، لكنه يكابر ويقرع الطبول متوعداً ومهدداً حتى لا يظهر في صورة "الساكت" المعترف بخطئه ضمناً! أما النوع الثالث، وهو الأخطر حتماً، فهو يكره الدنيا من دون مشكلات، ويسعى دائماً إلى إثارة العواصف الرعدية كي يثبت للجميع شأنه موجود حتى لو كان وجوده هذا مبني على باطل أو ضلال... ومهما كانت مفاهيمه خاطئة وآراؤه جائرة، فهو يدافع عنها والسلام! مصيبتنا أن الرياضة العربية تعاني من الأنواع الثلاثة، إلى جانب أشخاص أوفياء كثر يعملون بجهد وعرق من أجل رفع اسمها في المحافل الدولية إن على صعيد المنتخبات أو الأندية أم في الألعاب كلها. لكن أكثر ما يقلق بهذا الشأن نجده في مجال التعليق الإذاعي أو التلفزيوني، من دون أن ننكر كما سبق وذكرنا أن هناك الصالح في كل مجال بيد أنه صار قليلاً كي لا نقول نادراً... ولذلك نسجل بداية امتنانا من بعض المعلقين الرياضيين العرب، لكن وللأسف الشديد تبقى الظاهرة المسيئة إليهم متفشية لأن الأسوأ غالبية! قبل وصولي إلى أبو ظبي أمس لمتابعة ما تبقى من منافسات مونديال الشباب، استمتعت جداً بمتابعة المباريات تلفزيونياً عبر شاشة راديو وتلفزيون العرب لأنها مشكورة وفّرت لنا قناة تبث التعليق على المباريات باللغة الإنكليزية ومن معلق قدير فعلاً عشنا معه ساعات ولا أحلى. لقد شدني هذا المعلق بأسلوبه الراقي الممتع في سرد أحداث المباراة من دون "مط" أو "لت وعجن"، أو اختيار عبارات أو "لزمات" لا طائل منها وغير لازمة تماماً. فهو يعرف متى يتكلم ومتى يسكت لنلتقط أنفاسنا، متى يرفع صوته بعقلانية ومتى يخفضه، ومتى يقول رأيه في لعبة معينة ومتى يمنحنا الفرصة لنقرر نحن بشأنها ما نراه يتوافق مع نظرتنا لها... يصف الواقعة ويقول رأيه فيها من دون أن يجم أو يقطع بأن كلامه هو الصحيح وأن ما قد يعتقده البعض غير ذلك، فلأنهم لا يفهمون شيئاً. لم يتدخل قط في الأمور الفنية الدقيقة لخطة أي فريق، ولم يعط نصائح للمدرب بضرورة تغيير هذا اللاعب أو ذاك... أو حتمية تغيير الخطة لأن المنافس فهمها، أو لأنها لم تحقق المنشود من ورائها. يا زمرة المعلقين العرب التي يخرج منها قليل من المعلقين المجدين وهم معروفون لدى الجميع، وخبراتهم الطويلة في الملاعب سواء أكانوا لاعبين أم مدربين تمنحهم هذا الحق... لكننا نوجه كلامنا إلى آخرين اقتحموا علينا بيوتنا ليزهقونا في الرياضة عموماً وكرة القدم خصوصاً، ويثرثرون طيلة زمن المباراة وكأن عقودهم تنص على ذلك... وإلا! لم يحدثنا المعلق الإنكليزي عن "المنطقة العامية" أو انفعل وصرخ بأعلى صوته "هدف هدف هدف هدف هدف غول غول غول غول"، وبطريقة تنفر منه مشاهديه لأنه يعتبرهم عمياناً لم يروا الكرة وهي تلج الشباك لذا فهو يلح إلحاحاً ويصر إصراراً على التأكيد أن الكرة هدف... وما خفي من الآخرين كان أعظم. التعليق الرياضي في الوطن العربي يعاني أزمة حادة، لأنه صار مرتعاً لكل من هب ودب، وانخرط فيه زيد وعبيد ونطاط الحيط بغض النظر عن إمكانات الأول أو قدرات الثاني أو رشاقة أسلوب الثالث. التعليق الرياضي في الوطن العربي الكبير أسهم في إصابة كثيرين بارتفاع ضغط الدم ومرض السكر وربما أيضاً التهاب السحايا، وبدلاً من أن يسهم في تطوير الرياضة العربية كان أحد العوامل الأساسية في تراجعها. غالبية المعلقين العرب لا تقدم أي جديد، وأدخلت مفردات جديدة على عالم الرياضة ليس لها أي دلالات فنية إنما تجيء فقط في نسق تدهور اللغة المستحدثة التي يتحدث بها الشارع العربي في شكل عام. سألني أحد الأصدقاء يتابع مونديال الإمارات من خلال التعليق العربي: وما العمل مع هذه المهاترات التي تطل علينا يومياً؟ قلت له الحل بسيط جداً: أغلق زر الصوت في جهازك وقم أنت بنفسك لنفسك بالتعليق على أحداث ما تشاهده، أو أدر مؤشر القنوات واستمع إلى ذلك المعلق الإنكليزي المبدع. أعرف أن الحل الأخير قد لا يكون متاحاً للكثيرين ممن لا يعرفون اللغة الإنكليزية، لكن ما في اليد حيلة إلى أن يتسلح أخواننا العرب بكل مقومات التعليق الرياضي المتكامل أسلوباً ومعلومات... وأن يسعوا إلى تقديم ما يلقونه علينا في شكل رشيق مبني على المعلومات المفيدة وخال من التعقيد في الشرح. نحن نعشق كرة القدم العربية جداً، ولا نريد أن يكمل هؤلاء المعلقون الرياضيون على ما تبقى لنا فيها من أمل... ويكفي علينا خيباتنا الدولية والعالمية على صعد الكبار.