أعلنت روسيا، أمس، إحكام سيطرتها الكاملة على منطقة لوهانسك في شرق أوكرانيا، في تطور ميداني يحمل أبعاداً عسكرية وسياسية تتجاوز حدود السيطرة الجغرافية. وبينما قدّمت موسكو هذا الإعلان بوصفه استكمالاً لعملية «تحرير» إحدى المناطق التي ضمتها عام 2022، سارعت كييف إلى نفي حدوث أي تغير جوهري في خطوط القتال، مؤكدة أن الجبهة في المنطقة لم تشهد تحولاً ملموساً خلال الأشهر الستة الماضية. ويعكس هذا التباين في الروايتين استمرار الحرب على مستويين متوازيين: معركة الأرض، ومعركة السردية السياسية والشرعية الدولية. حسم ميداني في بيان رسمي، قالت وزارة الدفاع الروسية إن وحدات من التجمع العسكري «الغربي» أكملت السيطرة على كامل منطقة لوهانسك، مستخدمة التسمية التي تعتمدها موسكو للمنطقة باعتبارها جزءاً من الأراضي الروسية. ويعد هذا الإعلان، إذا ما تأكد ميدانياً، تطوراً مهماً في مسار الحرب، نظراً إلى أن لوهانسك تمثل إحدى الركائز الأساسية في إقليم دونباس الصناعي، إلى جانب دونيتسك. ورغم أن روسيا كانت تسيطر بالفعل على أكثر من 99 في المائة من مساحة المنطقة منذ فترة طويلة، فإن الحديث عن استعادة آخر جيب صغير ظل خارج قبضتها منذ عام 2022 يمنح موسكو مكسباً رمزياً وسياسياً كبيراً، ويتيح لها تقديم ذلك داخلياً وخارجياً بوصفه إنجازاً عسكرياً ملموساً بعد أشهر من حرب الاستنزاف. معركة الشرعية غير أن أهمية هذا التطور لا تتوقف عند حدوده العسكرية، بل تمتد إلى أبعاده السياسية. فموسكو تسعى من خلال تثبيت سيطرتها على لوهانسك إلى تعزيز موقفها التفاوضي في أي مسار سياسي محتمل، خصوصاً مع تكرار الكرملين مطالبته كييف بالانسحاب من الأجزاء المتبقية من دونيتسك لإنهاء ما يصفه ب«المرحلة الساخنة» من الحرب. في المقابل، ترفض أوكرانيا هذه المطالب بشكل قاطع، وتعتبرها محاولة لفرض وقائع بالقوة على الأرض. كما تواصل الدول الغربية دعم موقف كييف، وترفض الاعتراف بضم المناطق الأوكرانية، معتبرة ذلك استيلاءً غير قانوني على الأراضي وانتهاكاً صريحاً للقانون الدولي. ومن هنا، تتحول لوهانسك إلى عنوان لمعركة تتجاوز المدافع والخنادق، لتصل إلى صلب الصراع حول السيادة والاعتراف الدولي وحدود الدولة الأوكرانية. اتساع الجبهة بالتوازي مع إعلان السيطرة على لوهانسك، قالت وزارة الدفاع الروسية إن قواتها بسطت نفوذها أيضاً على قرية فيرخنيا بيساريفكا في منطقة خاركيف، إلى جانب بويكوف في زابوريجيا جنوب شرق البلاد. وتشير هذه التحركات إلى أن موسكو لا تكتفي بتثبيت مكاسبها في الشرق، بل تسعى إلى توسيع الضغط العسكري على عدة محاور في وقت واحد. ويقرأ مراقبون هذه الخطوة على أنها محاولة لإرباك الدفاعات الأوكرانية ومنعها من إعادة توزيع قواتها، فضلاً عن تعزيز أوراق الضغط الروسية قبل أي مفاوضات محتملة. أفق معقد رغم الإعلان الروسي، لا يبدو أن الحرب تقترب من نهايتها. فالفجوة بين موقفي موسكو وكييف ما تزال واسعة، مع إصرار كل طرف على شروطه السياسية والعسكرية. وبين مكاسب الميدان ومعركة الشرعية، تبدو لوهانسك اليوم عنواناً جديداً لصراع الإرادات في حرب ما زالت مفتوحة على مزيد من التصعيد والتعقيد.