تصور وكالة "اسوشيتد برس" وضع الاختين السعوديتين علية وعائشة، اللتين قابلتهما محررة الوكالة دونا ابو النصر في جناحهما بالفندق في لندن، وتحدثتا فيها عن انهيار زواج والديهما، ابوهما السعودي وامهما الاميركية. فتقول ان الابنتين قد نشأتا في اسرة سعودية مسلمة محافظة. وخلال ال17 سنة السابقة لم يريا امهما، التي قاتلت بشراسة لاعادتهما الى الولاياتالمتحدة الا مرة واحدة. وتنقل محررة الوكالة عن علية، ابنة ال23 عاماً، قولها: "انا لا اريد الذهاب الى الولاياتالمتحدة او الاتصال بأمي". بينما تقول عائشة، التي تبلغ ال29 ربيعاً في اشارة الى امها: "نريدها ان تتركنا في حالنا... اننا لن نرتاح حتى تموت" ؟!. ومن بيتها في سان فرانسيسكو بالولاياتالمتحدة تقول الام بات روش: "ابنتاي تحبانني وانا احبهما" وتتهم الام الحكومة السعودية بإجبارهما على رفض امهما؟! أدعي انني احد المتتبعين والمطلعين علي قضية الزوجات الاميركيات اللواتي نشأت بينهن وبين ازواجهن السعوديين مشكلات أدت الى توتر حياتهن الاسرية وانهيار زيجاتهن المختلطة، بعد انقطاع حبل الود بينهن وبين ازواجهن، بل بعد وصول الامر الى المحاكم بين اكثر اطراف هذه الزيجات. وبداية لا بد ان نوضح ان هذه الظاهرة ليست غريبة او بدعة ينفرد بها الازواج السعوديون بل مشكلة تنشأ بين الازواج في كل انحاء العالم. فالمشاكل الزوجية تنشأ بين الزوجين سواء في الزواج العادي او المختلط بين زوجين من جنسيتين مختلفتين. وتشهد محاكمنا السعودية قضايا وخصومات زوجية عديدة لا تقل في شراستها عن تلك المتعلقة بزوجات وامهات اميركيات وبأزواج سعوديين. وعلى رغم ان تلك الحالات من الخلافات الزوجية عادية وطبيعية تشابه حالات موجودة لدينا في الداخل بل لا تختلف عن ملايين من قضايا الطلاق والنزاعات والخلافات الزوجية التي تحدث بين الازواج في مختلف بلدان العالم، ومنها الولاياتالمتحدة نفسها. الا ان الغريب ان تتحول مشكلات زوجية اجتماعية الى قضيا سياسية شائكة يمكن ان تعكر صفو العلاقة بين بلدين تربطهما صداقة طويلة ومصالح كثيرة متبادلة. اما قمة الغرابة التي تثير لدينا الكثير من الدهشة فهي ان يوجه الاتهام من جانب بعض اطراف الخلاف الى الحكومة السعودية بالادعاء انها تجبر الازواج او الابناء على تصرف معين ضد مصلحتهما! ووجه الغرابة هنا يكمن في انتفاء المصلحة التي يمكن ان تقود الحكومة السعودية الى اتخاذ مثل هذا الموقف الساذج. فتبني حكومة ما لخط سياسي معين او اجراء ما لا بد ان يكون مرتبطاً بتحقيق هدف نهائي يخدم مصلحة الدولة او الحكومة المعنية. فهل سأل مروجو مثل هذا الاتهام انفسهم ماذا يمكن ان يعود على الحكومة السعودية من اتخاذ قرار بحرمان ام من بناتها او زوج من زوجته؟ وبالتالي ما مصلحة الحكومة السعودية في منع بنات السيدة روش من الاتصال بها او العودة اليها؟ لقد زار المملكة العربية السعودية في الاسبوع الماضي وفد كبير من الكونغرس الاميركي، مكون من 18 شخصاً على رأسهم السناتور دان بيرتون رئيس لجنة الاصلاح في الكونغرس الاميركي. وكان السناتور بيرتون ترأس جلسة برلمانية في شهر حزيران يونيو الماضي، قبل قدومه الى المملكة، أدلى فيها ببيان عن العلاقات الاميركية - السعودية خصص فيها الجزء الاكبر من البيان لما دعاه "قضية الناس الضعفاء" وعلى وجه التحديد قضايا الخلافات الزوجية بين ازواج سعوديين وزوجاتهم الاميركيات. واتهم بيرتون في بيانه الحكومة السعودية بأنها ترفض احترام القوانين الاميركية، وبأن قوانينها خاطئة في التعامل مع حقوق المرأة والاطفال. فقد رفضت الحكومة السعودية، وفقاً لبيرتون، تقديم اي عون لحل مثل هذه القضايا، بل قامت بايجاد ما اسماه "ملاجئ آمنة" للازواج السعوديين، "في دولة تعامل النساء والاطفال فيها كملكيات خاصة". كان الهدف الرئيس لزيارة الوفد الاميركي هو تقصي الحقائق حول قضية السيدة روش ومثيلاتها من القضايا المشابهة. وهو ما اتاحته لهم الحكومة السعودية على رغم قناعتها ان القضية تحكمها العلاقات الاجتماعية والقضاء وليس العلاقات الخارجية فوزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل يرى ان قضية الخلافات العائلية بين بعض الازواج السعوديين وزوجاتهم الاميركيات "ليست مشكلة سعودية - اميركية، بل هي ليست مشكلة بين الحكومات. انها باختصار قضية خلاف عائلي على رغم ذلك بذلت الحكومة السعودية جهودها الخاصة لحض الاختين عليه وعائشة على شرح قضيتهن، بل تحملت مصاريف سفرهن وازواجهن واطفالهن الى لندن حتى تكون لهن الحرية الكاملة للحديث او حتى السفر من هناك الى الولاياتالمتحدة او اللجوء الى السفارة في لندن اذا شئن ذلك. ونقلا عن وكالة "اسوشيتد برس" قامت دبيلوماسية اميركية بلقاء الاختين، واكدت للوكالة انها وجدتهما بحالة جيدة وابديتا عدم رغبتهما في الذهاب الى الولاياتالمتحدة الآن. ورغم كل المساعي التي بذلتها معهما، بما فيها تزويدهما وثائق سفر اميركية، الا انهما رفضتا العرض. ورغم ان الاختين تعتبران اميركيتين بالولادة، الا انهما اكدتا عدم اقتنائهما جوازات سفر اميركية. ووفقاً لما نقلته محررة الوكالة فإن عائشة تصر على القول: "ان الولاياتالمتحدة ليست بلدنا، وحتى لو كانت امنا اميركية فإننا لو ذهبنا هناك فلن نكون سعداء. سنكون ضائعين". في الوقت نفسه تتحدث الشقيقتان بكل الحب عن ابيهما وتقولان انه كثيراً ما يسألهما اذا ما كانت تودان محادثة امهما هاتفياً، بل تؤكد عائشة: "انه لم يمنعنا من رؤية امنا اذا رغبنا في ذلك". فمن هو الذي يعرضهما للعذاب والكوابيس من دون اي اعتبار لرغبتهن او ارادتهن التي عبرتا عنها بكل وسيلة ممكنة. الاختان تؤكدان ان امهما هي التي تعرضهما للتعذيب من خلال حملتها العامة. وتقول الاخت الصغرى عائشة عن امها: "لقد ظهرت في التلفزيون واهانتنا واهانت ديننا. طريقتها هذه لا تساعدنا على ان نحمل تجاهها أي عاطفة". وعندما سألتهما محررة "اسوشيتد برس" ان كان لهما كلمة اخيرة تقولانها لامهما، قالت عليه: "نحن فخورتان بكوننا امرأتين سعوديتين. ان رجالنا يعاملوننا باحترام. ونحن نعيش بشكل جيد. فقط اجعلوها تتركنا في حالنا. لقد مرت سنوات عديدة ونحن لا نحتاج اليها". اما عائشة فقد كانت كلمتها الاخيرة لامها: "اذا كانت تحبنا حقيقة وتريد لنا ان نكون سعداء، اذا فلتدعنا نعيش في سلام مع ازواجنا في العربية السعودية من دون اي فضائح في الصحف والتلفزيون". المشكلة انه على رغم كل هذا لا تزال الام السيدة روش تصر، في رسالة اليكترونية بعثت بها الى "وكالة اسوشيتد برس"، انه لا يوجد ضمان ان ابنتيها قد تحدثا بحرية في لندن. بل تمضي في القول: "يؤلمني كثيراً ان الحكومة العربية السعودية، وابيهما المختل عقلياً وعائلته عذبتاهما بشدة، والآن يعرضانهما لهذا الكابوس في لندن. ؟! بل تعلن السيدة روش اصرارها على انها لن تستسلم "ولن تتوقف عن العمل لاعادة عليتي وعائشتي"، MY ALIA AND AISHA حسب تعبيرها. واخيراً ان قضايا بالخلافات الزوجية هي من القضايا الانسانية التي لا يقتصر تأثيرها عادة على الزوجين بل يكون الاطفال هم وقود هذا الخلاف. وقد اوضح الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي في لقائه مع وفد الكونغرس الاميركي ان قضية الخلافات الزوجية في الزيجات المختلطة تعتبر "مأساة انسانية يجب عدم تسييسها". واكد الوزير ان بلاده مهتمة، بل ملتزمة التعامل مع تلك القضايا، وان الحكومة السعودية أنشأت لجنة خاصة تقوم بمراجعة كل قضية في محاولة لايجاد الحل المناسب لطرفي الخلاف. وطالب وزير الخارجية السعودي ان يتكاتف البلدان للعمل معاً لايجاد حلول عملية لهذه القضايا المأسوية. وان هذه الحلول "يجب ان تضمن حقوق الوالدين، والاهم من ذلك ان تسعى لحفظ حقوق الاطفال"، الذين يعتبرون الضحايا الحقيقيين لمثل هذه القضايا، وفقاً لتعبير الامير سعود الفيصل. وفي رأينا بأن الحكومة السعودية قد قدمت الكثير من البراهين على حسن النيات والالتزام الحقيقي بالتوصل الى حل لقضية الخلافات الزوجية التي اثارها وفد الكونغرس الاميركي. وما دعوة هذا الوفد رفيع المستوى لزيارة المملكة وترك الحرية الكاملة لاعضائه للاجتماع مع من يشاء من الابناء لامهات اميركيات والحديث معهم من دون رقيب الا تأكيد واضح لمدى ما تبذله الحكومة السعودية في هذا المضمار. فليس للحكومة السعودية غرض الا تحقيق حلول عملية تضمن حقوق الاطراف كانة وعلى رأسهم الابناء. اما محاولات استخدام هذه القضايا كأدوات للاساءة الى الحكومة السعودية او تشويه صورة المواطن السعودي فهو امر غير مقبول. فكما توجد زيجات فاشلة بين سعوديين واميركيات فإن في المملكة مئات من الزيجات الناجحة التي تعيش فيها الزوجات واسرهن بسلام سواء على الارض السعودية او في الولاياتالمتحدة. فالزواج علاقة بين طرفين يمكن ان تستمر حتى وفاة احدهما، او يمكن ان تنتهي منذ يومها الاول. وهو ما يذكرني بقصة عريسين بدءا حياتهما منذ اليوم الاول في شهر العسل بخلاف تعالت فيه اصواتهما ووصل الامر بينهما الى الطلاق. ولما شكا العريس حظه العاثر لاحد اصدقائه علق الصديق بالقول: الزواج يمكن تشبيهه ببرميل نصفه عسل والنصف الثاني بصل، ويبدو انك يا صديقي قد فتحت البرميل من الطرف الخطأ؟! * كاتب وديبلوماسي سعودي.