لأن حلم الوظيفة يسبق حلم التعليم والتحصيل العلمي، ينظر قطاع واسع من الشباب اليمنيين إلى تأمين فرصة العمل التي تعد الأصل في مخيلتهم ذكوراً واناثاً قبل أن يكملوا مراحل تعليمهم الجامعي. يشتغلون أولاً في أعمار لا تتجاوز أحياناً الخامسة عشرة وخلال دراستهم الثانوية في وظائف هامشية وأعمال مساعدة كسعاة بريد أو "فراشين" أو عمالاً أو مجندين في الجيش، ثم يفكرون في متابعة دراساتهم الجامعية بعد الإستقرار الوظيفي وضمان مرتب شهري. وينظر المجتمع اليمني إلى القضية ببساطة ويسر. والجامعات اليمنية التي بلغ عددها أخيراً 15 جامعة نصفها حكومية ليس لديها مشكلات قانونية أو تشريعية في إستقبال الطلاب الموظفين إذ ما يعنيها فقط الشروط العلمية والمجموع الذي حصل عليه الطالب في الشهادة الثانوية. ويرى أحمد الحوثي وهو موظف في الجيش ويدرس في كلية التجارة والإقتصاد أن الجمع بين الدراسة والعمل ليس مشكلة بالنسبة إليه فهو ينظم أوقاته بشكل معقول، مشيراً إلى أن ظروف الحياة تفرض تحسين الوضع المادي وهذا لن يكون في رأيه إلا بالحصول على الشهادة الجامعية التي ترفع درجته الوظيفية وتحسن من دخله بعلاوات خاصة بالجامعيين. وتعترف صباح الكولي التي تعمل سكرتيرة في شركة خاصة ومنتسبة في الوقت ذاته إلى كلية الآداب أن الدراسة والعمل معاً مسألة مرهقة وشاقة خصوصاً إذا كانت الطالبة متزوجة ولديها أطفال إذ تتوزع إهتماماتها ونشاطاتها على المنزل والدراسة والأطفال. لكن صباح ترى في مواصلة التعليم الجامعي سبيلاً مهماً لحماية الفتاة من عواصف الزمن إذا طلقت أو توفي زوجها فيمكنها أن تعتمد على نفسها وسط مجتمع لا يعترف إلا بالشهادات والوثائق فقط. وترى صباح أن قضية التحصيل العلمي ليست مهمة كثيراً لمن يجمعون بين الوظيفة والدراسة لأن الغرض واضح ومحدد في الحصول على الشهادة التي تضم إلى الملف الوظيفي للشخص وتنعكس إيجاباً على أوضاعه بين زملائه. ويرى علي القيري أن الشهادة الجامعية تلعب دوراً مهماً في رؤية المجتمع اليمني وقناعاته خصوصاً عند التقدم لخطبة فتاة مثلاً أو محاولة الحصول على فرصة عمل وبالتالي فإن البحث عن الشهادة بأي وسيلة يصبح هدفاً مبرراً ومقبولاً. وعلى رغم عدم توافر إحصاءات رسمية عن حجم ظاهرة الطلاب الموظفين إلى أن المؤشرات الأكاديمية تؤكد أنها في إزدياد منذ سنوات طويلة. ويعتقد الدكتور ياسين الشيباني وهو أستاذ في جامعة صنعاء بأن نسبة الطلاب الموظفين في الكليات الإنسانية والنظرية عموماً مثل الشريعة والقانون والآداب والإعلام والتجارة تتراوح بين 30 و50 في المئة على الأقل. ويفسر الظاهرة بقوله أن دوافعها قد تكون إقتصادية بالدرجة الأولى اذ يعطي الشباب الأولوية للوظيفة أولاً لأن الشهادة وحدها لا تطعم خبزاً ولكن قد تأتي بعد ذلك لتحسين الإنجازات الشخصية والسيرة الوظيفية. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الطلاب اليمنيين يركزون في المرحلة الثانوية على القسم الأدبي بنسبة أكثر من الثلثين نظراً الى ان وجودهم في الجامعة مرتبط بالكليات النظرية التي تخطف نحو 88 في المئة من الطلاب ولا تترك سوى 12 في المئة للكليات العملية والعلمية. ومن المعلوم أن الكليات النظرية وحدها تسمح بنظام الإنتساب الذي لا يشترط على الطلاب حضور المحاضرات يومياً. ويعترف الشيباني بأنه كان واحداً ممن تنطبق عليهم صفة الموظف والطالب في المرحلة الثانوية معللاً ذلك بالظروف المعيشية الصعبة وتدني الدخول عند الفئات المتوسطة وزيادة حجم الأسرة ومتطلباتها. لكنه يؤكد أن التعليم من المنازل يبدو الحل في ظل الظروف التي لا تستطيع الجامعات اليمنية فيها أن تستوعب كل الخريجين بسبب كثرتهم. وهو يرى أن تشجيع الإنتساب له مضاعفات على مستوى الطالب العلمي ولا يمكنه من تأمين الحصيلة المعرفية المناسبة. وفي رأي الشيباني فإن مراعاة ظروف الطالبات المتزوجات أمر مهم في مسألة الدراسة الجامعية إذ أن الكثير من الأسر والأزواج بوجه خاص يرفضون حضور المرأة يومياً الى الجامعة، ولكن قد يوافقون على أن تحضر شهر الإمتحانات نظراً الى انشغالها بتربية الأطفال أو لقناعات إجتماعية لدى الزوج نفسه. ويبدو إن قضية الإنتساب الى الجامعات اليمنية أخذت إهتماماً من المجتمع حتى أنها وصلت أخيراً إلى مجلس النواب بعد أن أصدر المجلس الأعلى للجامعات الذي يرأسه رئيس الوزراء العام الماضي قراراً بوقف الإنتساب الى الكليات النظرية فظهرت شكاوى عديدة رفضت الإنصياع له خصوصاً من الطلاب الذين يمارسون أعمالاً وظيفية في الفترة الصباحية أو ربات البيوت الدارسات. ويقول جمال اليماني مقرر لجنة التعليم العالي في مجلس النواب أن قرار وقف الإنتساب أعيد إلى الحكومة مرة أخرى بعد ازدياد الشكاوى وتم تشكيل لجنة للنظر فيه بشكل يتواءم مع متطلبات النظام التعليمي في اليمن وخصوصيته. ويؤيد اليماني الحد من فتح الباب على مصراعيه للإنتساب لكل من "هب ودب" ولكنه لا يؤيد وقفه تماماً حتى تتاح الفرصة للموظفين والنساء والقاطنين في المناطق البعيدة للحصول على الشهادة الجامعية. ويقول اليماني أن الفتاة المتعلمة أفضل بكثير في تربية الأطفال من الأمية أو التي حصلت على تعليم أدنى "ونحن هنا لا ننظر إلى المستوى بقدر ما ننظر إلى الفائدة الممكنة التي تعود على الفتاة والمجتمع". ويتوقع اليماني ان تقنن الحكومة مسألة الإنتساب فتحدده في تخصصات معينة وفئات معينة وبأعداد أيضاً محددة في كل كلية من الكليات النظرية...