أمير الشرقية لمنتسبي الإمارة: رمضان محطة إيمانية متجددة تعزز قيم الإخلاص والتفاني    أمير الشمالية يتسلّم الملخص التنفيذي لفرع "الاتصالات"    أمير الجوف يدشّن خدمة الاتصال المرئي في صوير ويلتقي المواطنين    مُحافظ جدة يستقبل المهنئين بحلول شهر رمضان المبارك    أمام خادم الحرمين الشريفين.. الأمراء والمسؤولون المعينون حديثاً يتشرفون بأداء القسم    دشنا حملة «الجود منا وفينا».. خادم الحرمين وولي العهد يتبرعان ب150 مليون ريال لدعم الأسر المستحقة    موجز    منصة «إحسان».. نموذج متقدم في القيم الإنسانية والتقنيات المتقدمة    السعودية: 22.3 مليار ريال فائضاً تجارياً    اعتبرته انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً لفرص تحقيق السلام.. 85 دولة تدين التوسع الإسرائيلي في الضفة الغربية    أكد القدرة على دمج عائلات داعش بأمان.. مصدر سوري: فوضى مخيم الهول مسؤولية «قسد»    طهران تتمسك بشروطها في جنيف.. واشنطن تؤكد منع إيران من السلاح النووي    استئناف محادثات جنيف بين روسيا وأوكرانيا    تقويض الحلول    النصر يتأهل لربع نهائي كأس آسيا 2    في جولة «يوم التأسيس» ال 23 من دوري روشن.. كلاسيكو نار بين الهلال والاتحاد.. والنصر يواجه الحزم    «العنصريون جبناء».. فينيسيوس يوجه رسالة قوية.. وبنفيكا يدافع عن بريستياني    القيادة تهنئ رئيس جامبيا بذكرى استقلال بلاده    النصر إلى ربع نهائي آسيا 2    كونسيساو: هناك فرق بين «روشن» و«النخبة»    استعراض تقرير «تراحم» أمام نائب أمير القصيم    توفير 94 مقعداً دراسياً موزعة على برامج أكاديمية.. الإعلام توقع اتفاقيات مع 9 شركات لتأهيل الكفاءات    يوم التأسيس.. استلهام همم الأجيال    جاسم شومان.. أن تكبر في الرياض وتعيش في فلسطين    موسم الدرعية يعلن تمديد عدد من برامجه    خالد سليم بين «مناعة» و«المصيدة» في رمضان    تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين ونيابة عنه.. أمير منطقة الرياض يكرم الفائزين بجائزة الملك سلمان لحفظ القرآن الكريم للبنين في دورتها ال27 الجمعة المقبل    هرم كينيدي الجديد    كندية تفوق من التخدير بلكنة روسية    بائع شاي.. يقود إمبراطورية عالمية ناجحة    إنقاذ ساق مواطن من البتر في الدمام    عروض عقارية رمضانية هربًا من الركود    سر اختصاص القرآن بالخلود وعدم التحريف    جوائز عالمية تحتفي بروائع التصوير    رامز جلال يكشف عن ضحاياه    تكافل اجتماعي    «كأني أنظر إليك تمشي في الجنة»    رحلة قرآنية    «بادوسان إندونيسيا»    الدفاع المدني يؤكد أهمية المحافظة على سلامة الأطفال من مصادر الخطر داخل المنازل    الاتحاد السعودي يجدد شراكته مع الاتحاد الإيطالي للمبارزة لتعزيز التطوير الفني    انطلاق جولة يوم التأسيس في دوري يلو ب9 مواجهات وقمة الدرعية والعروبة بالرياض    الريادة السعودية في التقييم العقاري    الطلاق النومي ظاهرة تتسلل إلى غرف الأزواج    صحة جازان تُكرّم مسيرة عطاء متقاعديها    التمكين الكلمة التي أنهكها التكرار    شاكر بن عوير عضواً بمجلس إدارة الغرفة التجارية بأبها    أمير تبوك يستقبل المهنئين بشهر رمضان المبارك    أخطر الحيتان ليست التي تعاديك    بطليموس يعظ    «الجود منا وفينا».. تحفيز للمجتمع على الخير وخطوة تعكس التكافل الاجتماعي    ترقية 4333 فردًا من منسوبي الأمن العام    أفغانستان تطلق سراح ثلاثة باكستانيين بوساطة سعودية    تعليم الشرقية يحتفي بيوم التأسيس لتعزيز الهوية والإنتماء    إصابة فلسطينيين اثنين برصاص الاحتلال في الضفة الغربية    تسرب بيانات في "أسبوع أبوظبي المالي" يضر بشخصيات سياسية واقتصادية    سأل الله أن ينعم على الأمة الإسلامية والعالم بالاستقرار.. الملك سلمان: ماضون في نهجنا الثابت بخدمة الحرمين الشريفين    خرائط «جوجل» توجه سائقاً نحو «فخ الموت»    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بين الأدب والسياسة . أكثر من جورج اورويل واحد
نشر في الحياة يوم 14 - 08 - 2002

يحضر جورج اورويل في حفنة كتب أجنبية صدرت أخيراً. مذكراته تصدر قريباً عن المركز الثقافي العربي بيروت والدار البيضاء مترجمة الى العربية بتوقيع ممدوح عدوان. صاحب "مزرعة الحيوان" و"1984" يثير نقاشاً متواصلاً في رواياته ومواقفه السياسية.
كان جورج اورويل كاتباً متعدد التناقضات، وهذا شجع البعض على الزعم بأنه كان هناك اكثر من اورويل واحد. فقد كتب روايات، اثنتان منها، "مزرعة الحيوان" و"1984"، يمكن اعتبارهما من أبرز روايات القرن العشرين. الاّ ان أعماله القصصية، وخلافاً للعُرف الجاري، ما إنفكت تُقاس على مقالاته واعماله غير الابداعية عموماً. هذا في حين ان جلّ مقالاته إستوت تبعاً لموقف سياسي وثيق الصلة، في احيان كثيرة، بالمجريات الراهنة في عصره.
تلقى أورويل تربية تقليدية محافظة، الاّ انه سرعان ما أمسى يسارياً وفوضويّاً. وعلى رغم ان مواقفه السياسية إستندت الى إيمان عميق بالإشتراكية، الاّ ان نقده الأعمق والأشدّ إنما إستهدف اليساريين، أكانوا من اتباع النزعة الطوباوية ام من الموالين لستالين- ولعله لهذا السبب بالذات صار موضع إحتفاء اليمين، بينما إتخذه اقطاب اليسار على إختلاف مللهم موضوعاً لهجوم منتظم.
ولكن، بخلاف القائلين بأن هناك اكثر من اورويل واحد، يرى الكاتب والصحافي البريطاني كريستوفر هتشنز، في كتابه الصادر أخيراً بعنوان "إنتصار اورويل"، أن التناقضات التي وسمت سيرة واعمال اورويل ليست من قبيل تعددية شخصياته او حتى من قبيل المفارقة الجمع ما بين الشيء ونقيضه وإنما هي من مظاهر الإستقلالية التي حكمت سلوكه بما حالت دونه والركون الى ايديولوجية بعينها او الإلتزام بخط سياسيّ حزبيّ الطابع.
في سلك الشرطة
هذه الإستقلالية تجلت باكراً في حياة هذا الكاتب الانكليزي الجداليّ: فلقد عدل عن إستكمال مسار دراسته "التقليدي" مؤثراً الانضواء في سلك الشرطة الامبريالية في بورما وبما انجلى عن خبرة حملته على الإستقالة والتضحية بوظيفة مضمونة الامتيازات، والسعي عوضاً عن ذلك في سبيل شائك لا يكفل له دخلاً منتظماً، وان يعتقه من ربقة الإحتكام الى سيد ما، على ما يُعبر هتشنز.
غير ان إستقلالية اورويل، التي يحتفي بها هتشنز، ويحاول التشبه بها، لم تكن فطرية او مكتسبة إكتساباً إجتماعيّ الواعز، وإنما كانت حصيلة تعلّم ذاتي لم ينفك الكاتب يطلبه حتى نهاية حياته. وهذا ما جعله في النهاية إشتراكياً وداعية مساواة، وفي الوقت نفسه مرتاباً ببعض ابرز مقومات تحقيق الاشتراكية: المركزيّة السياسية وملكية الدولة. وما جعله ايضاً معادياً للنزعة العسكرية التي وسمت القرن العشرين وفي الوقت عينه مدافعاً عن حرب البقاء القوميّ ومزدرياً لدعاة "اللاعنف". بل وانها تفسّر اصلاً، المفارقة في سيرة هذا الفتى المتأنف، وتلميذ المدارس الخاصة، الميّال الى العزلة، الذي ما ان شبّ حتى هجر سبيل الحياة الآمنة لابناء الطبقة المتوسطة، لكي ينضوي في حياة تسكع وتشرد بين حثالات المجتمع ونماذجه الادنى في باريس ولندن. وكانت هذه الخبرة التي أمدته بموضوع كتابه الاول "متشرد في باريس ولندن".
أعانت الاستقلالية اورويل على الوقوف الموقف الصائب حيال الايديولوجيات والنُظم السياسية الأعتى في القرن العشرين، الإمبريالية والفاشية والستالينية. لهذا، وخلافاً لغيره من ابناء جيله، خرج من معارك هذا القرن منتصراً. فعزوف اورويل عن الإلتزام بخط سياسيّ، شأن اتباع ستالين، او الإلتزام بتقدير نظري للواقع السياسي، او حتى مراعاة دواعي المصلحة السياسية، على ما فعل بعض الليبراليين والمحافظين أمثال ت.س. إليوت، عصمته عن الدفاع، في اي وقت، عن الستالينية او غضّ النظر عن جور السياسة الإستعمارية، او التخفيف من خطر النازية.
ثم ان وثوق صلته العملية بالسياسات المعنية، بل وانضوائه الشخصيّ فيها كما في بورما وإسبانيا إبان الحرب الأهلية، عززا نظرته النقدية. ومن خلال عمله كرجل شرطة في بورما، إكتشف اورويل ان سياسة إستغلال المستعمرات هي "السرّ القذر" للمؤسسة الثقافية المتنوّرة في بريطانيا.
إدانة السلطة الانكليزية
اورويل، ولعقود قبل ظهور ما يُعرف بحقل دراسات "ما بعد الكولونيالية"، كان متيقظاً الى ذلك التناقض الفاضح بين الخطاب الليبرالي التنويري للنخبة الانكليزية وبين تستر هذه النخبة على "السرّ القذر". ولئن حدا به جور السياسة الاستعمارية الى المطالبة بإستقلال المستعمرات- حتى في احلك الظروف، اي خلال الحرب العالمية الثانية، معتبراً ان إنهاء السياسة الإستعمارية صنو لمحاربة النازية - فإن تيقظه للمفارقة المذكورة وقف خلف إدانته للحكم الطبقي الانكليزي، بل وللفاشية بإعتبارها الشكل الاشدّ تطرفاً لمثل هذا الحكم. اورويل، وخلافاً لماركسيين اثنوا على حكمة "التكتيك" الستاليني في مهادنة النازية، لم ير الى الحرب العالمية الثانية، بإعتبارها محض صراع ما بين طبقات مسيطرة في بلدان مختلفة. ولا عجب اذا ما سخر من رطانة دعاة "السلام" و"اللاعنف"، مسلماً بضرورة التصدي للزحف الهتلري دفاعاً عن الحرية.
وإذا ما انطلق هتشنز من صفة الاستقلالية عند اورويل، واكدّ عليها طوال دراسته هذه، فليس من باب إسباغ الفضيلة الاخلاقية على كاتب يتيمّن بسيرته ومواقفه، وإنما لان جلّ من يتعرض لأورويل، وعلى إختلاف منطلقاتهم ومناهجهم واهدافهم إنما يرون الى مواقفه بمثابة تعبير عن إنحياز من نوع ما، شعوري او غير شعوري، الى ايديولوجية او طبقة، الى مزاج فكري او اخلاقي، الى مؤسسة او معسكر ما. ومن سبل مختلفة يكاد كلٍ من رايموند وليامز وإدوارد تمسون وادوارد سعيد وسلمان رشدي ان يصل الى الخلاصة نفسها بأن اورويل إنما كان منحازاً الى معسكر اليمين. وليس من قبيل المصادفة ان يوافقهم الرأي كتّاب يمينيون سارعوا الى تطويب الإرث الذي خلفه اورويل كملكيّة خاصة بهم.
ولئن راق للمحافظين القدامى إيمان اورويل العميق ب"الحس الانكليزي السليم" ومعاداته الشيوعية، فضلاً عن ارتيابه بالمثقفين والاكاديميين وإيثار حياة الريف على حياة المدينة، حتى اعتبروه واحداً منهم، فإن المحافظين الجدد، بخاصة دعاة النزعة العسكرية في الولايات المتحدة، لم يتوانوا، خلال عقد الثمانينات، عن إعتبار رواية شأن رواية "1984" بمثابة بيان مصادقة وتأييد لسياستي ريغان وثاتشر.
والشك في إستقلالية اورويل لا يصدر فقط عن اولئك الذين يقرأون اعماله كمضامين تخدم السلطات والايديولوجيات اليمينيّة، خصوصاً إبان الحرب الباردة، وإنما يصدر ايضاً عن دعاة "النقد الثقافي"، من اتباع ادورنو ومدرسة فرانكفورت، إضافة الى المبشرين ب"ما بعد الحداثة" وغيرهم ممن ينظرون الى سمتيّ الوضوح والموضوعية اللتين إمتازت بهما كتابة اورويل بمثابة إنحياز الى فرضيات الشائع والمسيطر، اي الى محاور الإجماع بما هي في النهاية تمثيل لسياسة او ايديولوجية.
لكن هتشنز وإن اصرّ على ان اورويل كان صائباً في مواقفه حيال التحديات الرئيسية في القرن العشرين، يعترف بأن بعض مواقفه تجاه الاقليات الاثنية والجنسية كانت متحاملة، وغير بعيدة عن مواقف مؤسسية راسخة. هذا يحضنا على الاستدراك بأن إخفاق اورويل بأن يكون الكاتب "المستقل" تجاه بعض القضايا إنما مرده الى عجزه عن بلوغ "الاستقلالية" التامة، نظراً لرسوخ ميول وتحاملات غير واعية في نفسه، وحتماً بفعل رحيله المبكر. ولكن أليس في العجز عن تحقيق "الاستقلالية" التامة ما يشي بأنه كان هناك جورج اورويل مستقلاً وآخر غير مستقل، اي اكثر من اورويل واحد؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.