حتى الآن جاءت حصيلة انتفاضة الأرجنتينيين ضد الانهيار النقدي، فالاقتصادي، الذي مُنيت به بلادهم، هزيلة. فهم لم يظفروا، بعد أن بذلوا نحو الثلاثين قتيلاً، بغير عودة البيرونيين إلى السلطة، مدججين بخطاب "وطني" ديماغوجي، وباجراءات ووعود من تلك الطينة نفسها. أما الوعود، فجاءت جزافاً على لسان الرئيس الجديد ادولفو رودريغيز سا، ذلك الذي تعهد حال تولّيه بانشاء ما لا يقل عن مليون فرصة عمل جديدة في خلال شهر واحد!. وذلك ممكن بطبيعة الحال، إذا ما تعلق الأمر بإطلاق مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية أو ما شابه ذلك، تُستخدم في تمويلها أوراق نقدية لا تساوي أكثر من قيمة الورق الذي طبعت عليه، على ما يبدو أنه الوسيلة الوحيدة المتاحة للسلطات الأرجنتينية الجديدة في كنف وضع اقتصادي كذلك الذي تشهده البلاد. والأوراق النقدية تلك، وهي من قبيل ما يطلق عليه الفرنسيون اسم "نقود القردة" تدليلاً على انعدام قيمتها، موجودة في الأرجنتين، لم تكن تنتظر إلا الإقدام على إسباغ الصفة الرسمية عليها. وذلك ما بادرت السلطات الجديدة إلى إقراره حال توليها، حيث اطلقت عملة "جديدة"، ستصبح سارية ومتداولة في غضون الأيام القليلة المقبلة، اطلقت عليها اسم "الأرجنتينو"، على ما تقتضيه المشاعر الوطنية الجياشة التي كان البيرونيون دوماً سباقين إلى التعبير عنها وخير حَمَلة للوائها... "الأرجنتينو" ذلك ليس، في نهاية المطاف، غير عدد من القسيمات كانت تُستخدم منذ أمد في دفع أجور العاملين في القطاع العام على نحو خاص، يقتنون بها ما يحتاجونه حتى إذا ما أخذوها إلى البنوك لصرفها مقابل البيزو فقدت ثلاثين في المئة من قيمتها الاسمية! كل الجديد الذي جاءت به السلطات الجديدة في ذلك الصدد إذاً، أنها حولت تلك القسيمات إلى عملة رسمية، فأصبحت الأرجنتين بذلك بلداً بثلاث عملات، متعايشة أو متنافسة تحت سقف "سيادة" واحدة وهذه أيضاً من العبارات الأثيرة لدى البيرونيين، وهي البيزو والدولار والأرجنتينو. وذلك نموذج على تقديم القديم الذي تمت تجربته وثبت فشله، أو على الأقل لم تثبت نجاعته، بلبوس الاجراء الحاسم والحازم في مواجهة الأزمة، أو أن ذلك نموذج على تنفيذ ما يجري رفضه خطابياً بإبادء ومكابرة، مداورة وبكلفة، بطبيعة الحال أكبر. فالحكم الأرجنتيني الجديد يزعم امتناعه عن تخفيض قيمة البيزو رسمياً وعلى نحو صريح، أقله حتى اللحظة وقبل أن تضطره الظروف إلى ذلك اضطراراً، لكن هذه العملة الجديدة التي أطلقها هي شكل من أشكال تخفيض قيمة البيزو يتستر على حقيقته ومن دون الفوائد المرجوة من مثل ذلك الاجراء عادة، طالما أنه محلي المدى، ولن يكون له من أثر يُذكر على تنشيط الصادرات. وقس على ذلك اجراء آخر اتخذته الحكومة الجديدة، هو ذلك المتمثل في قرارها تعليق تسديد الديون الخارجية إلى أجل موراتوريوم، وليس شطبها والتنكر لها جملاً وتفصيلاً. والحال ان القرار ذاك وقعه الإعلامي أكبر بكثير من أثره على الصعيد الاقتصادي والنقدي، ولعل ذلك ما يفسر البرود الذي قوبل به من لدن دائني الأرجنتين، من مؤسسات دولية أو من دول. فالقرار لم يكن إلا افصاحاً عن أمر واقع قائم منذ أشهر هي تلك التي شهدت اشتداد الأزمة... أي أن تسديد الأرجنتين ديونها كان مؤجلاً، عملياً، مع اتخاذ ذاك القرار رسمياً أو من دونه، وهو ما كان الدائنون قد تحسبوا له، واستبقوه وحاولوا اتقاء تبعاته. كل ذلك للقول إنه قد تألبت على ذلك البلد الأميركي اللاتيني، والذي كان يبدو قبل سنوات واعداً إلى أبعد الحدود ويُعتبر من البلدان الصاعدة اقتصادياً، أسوأ الظروف الممكنة: أزمة نقدية طاحنة تبلغ درجة الإفلاس أو تدانيها، وانتخابات على الأبواب هي تلك المزمعة في بدايات آذار مارس المقبل. والعنصران يشوش أحدهما على الثاني حتماً ولا محالة. فمعالجة الأزمة وما تتطلبه من اتخاذ اجراءات ومبادرات قد تكون مؤلمة، وخوض الانتخابات والسعي إلى الفوز فيها أمران يكاد التناقض بينهما أن يكون كاملاً مطلقاً، فلا يمكن لأية خطوة تتخذ على أحد الصعيدين إلا أن تؤثر سلباً على الصعيد الثاني. فلا فكاك من ترجيح شاغل على شاغل، ولا شك في أن الأولوية في نظر الحكم الارجنتيني هي للاقتراع والفوز فيه، ومن هنا قصة المليون فرصة عمل التي يزعم الرئيس ادولفو رودريغيز سا اخراجها من العدم إلى الوجود في غضون شهر واحد. وقد يكون وراء ذلك تحليل مفاده أن الفوز في الانتخابات هاجس آني فوري، في حين أن معالجة الأزمة الاقتصادية مهمة مجالها المدى الطويل، لكن المشكلة أنه في أثناء ذلك قد يُتخذ من الاجراءات الديماغوجية أو ذات الغائية الانتخابية ما يزيد الأزمة الاقتصادية استفحالاً واستعصاء. لكن الأزمة الأرجنتينية ليست محلية خالصة، لا من حيث أسبابها ولا من حيث مفاعيلها ولا من حيث مداها، بل على العكس من ذلك تماماً، إذ قد تكون أبرز الشواهد على الخلل الذي يعتري آلة العولمة، خصوصاً في صيغتها "الايديولوجية"، بل "الاصولية"، التي كانت سائدة خلال عقد التسعينات من القرن الماضي. فالوضع الأرجنتيني الراهن هو نتاج سياسة الخصخصة العشوائية التي طبقت في عهد الرئيس البيروني الأسبق كارلوس منعم، والاسراف في الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً ما تمثل منها في تلك الرساميل المُضاربة والجوالة، وفي تأسيس كل الجهد التنموي على الديون الخارجية، وفي ربط قيمة البيزو بقيمة الدولار، ومساواة أحدهما بالآخر، ما منح السلطات الأرجنتينية شعوراً بالأمان زائفاً، وما جعل اقتصاد البلد يدفع غالياً ثمن ارتفاع قيمة العملة الأميركية، إلى آخر ذلك من مظاهر سلوك اقتصادي غير واقعي لفرط أخذه بأقانيم الليبرالية الجديدة على نحو ايديولوجي ايماني، وكأنما الأقانيم تلك فضائلها في ذاتها. وهكذا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على كاهل الحكام الأرجنتينيين المتعاقبين، على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم، بل كذلك على كاهل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي وسواهما من المؤسسات النقدية، والولاياتالمتحدة. فهل ستهب تلك المؤسسات والهيئات لنجدة الأرجنتين، على ما سبق لها أن فعلت حيال المكسيك مثلاً قبل سنوات قليلة خلت في عهد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، أي في عهد العولمة المتفائلة، أم ان توجهات الرئيس الجمهوري الجديد، وهي أميل إلى الانعزالية، والنظر إلى العولمة من زاوية أمن الولاياتالمتحدة بالمعنى العسكري بالدرجة الأولى، ستفعل فعلها، فتترك الأرجنتين بمفردها في مواجهة أزمتها، فلا ينصب الجهد إلا على اتقاء انعكاساتها على الجوار الأميركي اللاتيني المباشر وعلى ما عداه. لم تثر الأزمة الأرجنتينية الأخيرة، على فداحتها البالغة، هلعاً كذلك الذي سبق أن أثارته الأزمة التي ألمت ببلدان الشرق الأقصى قبل سنوات، أو تلك التي أصابت المكسيك، فاهتز لها الاقتصاد العالمي برمته، وانكب العالم على علاجها. فهل يعني ذلك ان اقتصاد العولمة اهتدى إلى وسائل اتقاء مفاعيل تلك الأزمات ودرء انعكاساتها؟ وفيم تتمثل الوسائل تلك إن وجدت: في جعل الاقتصاد معولماً عندما يتعلق الأمر بجني الفوائد، ووطنياً عندما تحل الكوارث والخطوب والأزمات؟