الجيش الأمريكي: ضربنا أكثر من 1250 هدفاً في إيران منذ السبت    فارس نجد ينافس الزعيم    الأشعة تحدد مصير الدون    من يحمي المراجع النفسي من الاستغلال    تمكين المتطوعين ورفع كفاءة العمل التطوعي.. إستراتيجية وطنية لتعزيز التنمية المستدامة    الجيش الكويتي ينعى أحد منتسبي القوة البحرية    باضريس: "مايكروسوفت" تستهدف تمكين 3 ملايين شخص بمهارات الذكاء الاصطناعي بحلول 2030    ولي العهد ورئيس الاتحاد السويسري يبحثان التصعيد العسكري في المنطقة    متاحف مكة والمدينة.. "تَصوّر" التاريخ بتقنيات العصر    شقراء تحتفي بيوم التأسيس    الشؤون الإسلامية بجازان تواصل أعمالها الميدانية لتهيئة المساجد وتنظيم المصلين خلال صلاة التراويح    HONOR تعزّز رؤيتها للذكاء الاصطناعي في مؤتمر MWC 2026    "الداخلية" تسهّل إجراءات العالقين من مواطني دول مجلس التعاون في مطارات المملكة    بمشاركة 394 متطوعًا.. الشؤون الإسلامية بجازان تُطلق 28 فرصة تطوعية خلال شهر رمضان في محافظات المنطقة    سمو نائب أمير منطقة مكة المكرمة يرعى أمسية «ليلة مكة» ضمن حملة «الجود منا وفينا»    وزارة الداخلية: الأوضاع الأمنية في المملكة مطمئنة    نائب أمير جازان يدشّن فعاليات اليوم العالمي للدفاع المدني    مواعيد مباريات نصف نهائي كأس خادم الحرمين الشريفين    استهداف ناقلة نفط شمال غربي ميناء السلطان قابوس    قطر للطاقة تعلن إيقاف إنتاج الغاز الطبيعي المسال والمنتجات المرتبطة به    الكويت: احتواء حريق إثر سقوط شظية على خزان وقود بمحطة للكهرباء دون تسجيل إصابات    جامعة حائل تُعلن فتح باب القبول لبرامج الدراسات العليا للفصل الدراسي الأول لعام 1448ه    أمير نجران يدشّن برنامج «لعلكم تتقون» لتعزيز الوعي بأحكام وفضائل الصيام    مصدرٌ مسؤولٌ في وزارة الطاقة: السيطرة على حريق محدود في مصفاة رأس تنورة    الكويت: سقوط عدد من الطائرات الحربية الأمريكية ونجاة أطقمها بالكامل    تراجع العقود الآجلة للأسهم وارتفاع حاد في أسعار النفط والذهب    القيادة تهنئ رئيس مجلس رئاسة البوسنة والهرسك بذكرى استقلال بلاده    أمير تبوك يستقبل المسؤولين والمواطنين    المؤشرات العقارية وصناعة القرار الاستثماري    «شؤون الحرمين».. أرقام قياسية في الخدمات    رمضان حين تتطهّر الأرواح    نفحات رمضانية    3150 فرصة عمل في التجمعات الصحية    «فتاة الخليج» تختتم «عيديتهم علينا» بمشاركة 360 مستفيداً    مهرجان الزهور الخامس بالقطيف يختتم فعالياته بنصف مليون زائر    من هم إعلاميو الاتحاد؟!    الإمارات: تدمير 165 صاروخاً و541 مسيرة إيرانية    موريتانيا: نتضامن مع الدول الشقيقة ضد العدوان    أمسية تناقش «القوة الناعمة» و«المحتوى المسؤول»    الاستيقاظ المتجدد    محمد صبحي يعيد «عم أيوب»    حين كان الخبر يُصاغ على مهل… علي عماشي من رواد عكاظ منذ 1418ه    6.67 مليار ريال صادرات كيماوية    موريتانيا تعرب عن إدانتها الشديدة للاعتداءات الإيرانية على دول عربية شقيقة    إسرائيل تدمر مقاتلتين إيرانيتين في مطار تبريز    رفض قاطع لانتهاك سيادة الدول.. الخارجية تستدعي السفير الإيراني لدى المملكة    غوارديولا يطالب جماهير ليدز باحترام الأديان    ريال مدريد يواجه خيتافي لمواصلة الضغط على برشلونة    أسرار المائدة الرمضانية    220.8 مليار ريال أصول الصناديق العامة    شريان الطاقة العالمي تحت اختبار الجغرافيا السياسية    مسوقات عطور المولات ضغوط العمولة وإرهاق بلا راحة    الأمين العام لجمعية الكشافة يقف ميدانياً على جهود معسكر الخدمة العامة بمكة المكرمة لموسم رمضان ١٤٤٧ه ويشيد بعطاء الفتية والشباب في الحرم المكي    الأسبرين والوقاية من سرطان الأمعاء    خلايا جذعية تعالج قبل الولادة    خصوبة الرجال تتأثر بالمواسم    2.6 مليون اتصال ل911    أمير منطقة تبوك يستقبل رؤساء المحاكم والمواطنين ومديري الإدارات الحكومية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرجل الذي ذهب الى حتفه على صهوة جواد . سيرة المجاهد الأول عبدالحق من سجون الشيوعيين الى مشنقة طالبان
نشر في الحياة يوم 15 - 11 - 2001

بدا أن شيئاً ما تغير في شكل نهائي وراء الأسوار الرمادية العالية وخلف الباب الحديد للمنزل الذي يقع في ركن راق نسبياً في حي حياة آباد في مدينة بيشاور شمال باكستان الذي تقطنه غالبية الموسرين الأفغان.
الزوار تغيرت سحناتهم فبدوا أكثر توتراً وأكثر ميلاً للإقلال من الحديث والتعبير في شكل هامس عما خلّفه غياب صاحب البيت. أشقاؤه وعلى رغم مكانتهم لدى قبائل البشتون الأفغانية ظهروا عاجزين عن ملء الفراغ الكبير والأسئلة الكثيرة التي خلفها مقتل شقيقهم القائد الأفغاني المعارض عبدالحق الذي أعدمته حركة طالبان في أفغانستان خلال زيارة مفاجئة له الى هناك بعدما اعتقلته واتهمته بالتعامل مع العدو ودفنته على عجل في قريته سوخورد قرب جلال اباد من دون أن تسمح لذويه بتسلم جثته.
ومنذ لحظة إعدامه كان لغياب عبدالحق وطأة شديدة على تحركات سياسية أفغانية معارضة متفرقة من هنا وهناك، وهي تحركات برزت في بيشاور قبل أسابيع قليلة من مقتله، هو العائد الى هذه المدينة الباكستانية بعد سنوات من الاعتكاف السياسي. أحداث 11 أيلول سبتمبر دفعته الى استئناف نشاطه السياسي المعارض بعد انقطاع امتد أعواماً أمضاها في دبي. لم يكن عبدالحق محور التحركات الأفغانية المعارضة كلها في بيشاور، لكن غيابه أضعف هذه الاتصالات الخجولة أصلاً.
كان عبدالحق، الأربعيني وصاحب الهيئة المملوءة بزيه الأفغاني الأبيض ووجهه الأليف ولهجته الانكليزية السليمة وأفكاره المترابطة، الأكثر نشاطاً وجاذبية بين المعارضين الأفغان.
قبل أسبوع من مقتله كان الصحافيون يتهافتون لاجراء مقابلات معه فكان مسؤوله الإعلامي يضطر أحياناً الى تنظيم لقاءات مشتركة معهم. هذا الأمر أغضب صحافية كندية وفدت على عجل الى المنطقة فلم تفهم ربما ملابسات السياسة فيها فنظرت الى زملائها وقالت: "لماذا نلاحق كلنا هذا الرجل؟ هل هو مهم الى هذه الدرجة؟". لكن غضب الصحافية وحيرتها حيال جدوى لقاء عبدالحق تلاشيا بعد أيام قليلة عند الإعلان عن مصرع الرجل وعن تراجع الآمال بدور ما كان يمكن أن يلعبه في أفغانستان.
في ذلك اللقاء الأخير له مع الصحافيين بدا مصمماً على فعل شيء ما فلم يخف أنه يجري اتصالات مع أطراف معتدلة في حركة "طالبان". كان مرتاحاً الى تحركه. وكان يستقبل زواراً على مدار الساعة داخل المنزل وخارجه في الطابقين الأول والثاني. كان يمازح الجميع ويحرص على الإجابة عن كل التساؤلات، ويتحرك بخفة لا توحي أبداً بأنه فقد احدى قدميه حين داس على لغم خلال الجهاد في أفغانستان. "أتمنى كقائد قاتل خلال الجهاد ضد السوفيات أن أفعل شيئاً آخر الآن. في تلك المرحلة ربحنا عسكرياً وفشلنا سياسياً. فشلنا في تثبيت الأمن. وأشعر اليوم بعد عودتي أن عليَّ أن أكمل العمل الذي بدأناه في تلك المرحلة".
عايش عبدالحق الحرب معظم سنوات حياته. أصبح ثائراً عام 1977 في سن السادسة عشرة وكان يعمل في الخفاء ضد النظام الشيوعي في العاصمة كابول، فتم سجنه قبل أن تشتري عائلته حريته برشوة كبيرة.
ولد عبدالحق ارسلاي المعروف بالكوماندور عبدالحق عام 1958 في قرية سورخورد في مقاطعة ننغرهار قرب مدينة جلال آباد، وهو واحد من 16 ابناً وابنة لعائلة تنتمي الى قبيلة جبار خيل وهي فرع من القبيلة الأم أحمد ضي وإحدى ابرز قبيلتين بشتونيين الى جانب قبيلة بردي ضي.
كان والده يعمل لدى الحكومة في مقاطعة هيملاند حيث بدأ دراسته. توفي الوالد عندما كان عبدالحق في الصف الثاني فعادت العائلة الى سورخورد حيث واصل دراسته. جده ارسلا خان كان أول وزير للخارجية الأفغانية في أول حكومة نظامية في أفغانستان. خلال الغزو البريطاني لأفغانستان كان مسؤولاً عن أمن كابول. وكان شقيق جده يتولى منصب وزير الداخلية، ما يشير الى أهمية القبيلة التي ينتميان اليها وهو ما زاد من الاحترام الذي كان الأفغان يكنونه له.
بدأ عبدالحق في مقاومة الشيوعية في سن مبكرة. فعندما كان تلميذاً في المدرسة بدأ بمعارضة اساتذته الشيوعيين ومقاومة ما اعتبره تفضيل هؤلاء العلني للطلاب اليساريين.
عندما نفذ محمد داود انقلابه عام 1973 أرسل الملك الى المنفى وعين أعضاء بارزين في الحزب الشيوعي في مناصب عالية في الحكومة، فبدأ هؤلاء اجراءات تعسفية ومضايقات ضد المعادين للشيوعية. كانت عائلة عبدالحق بين من فروا الى بيشاور الباكستانية هرباً من نظام داود. لكن عبدالحق عاد الى أفغانستان وبدأ الى جانب إخوته مقاومة الحكومة وشارك من ضمن مجموعات صغيرة في تنفيذ عمليات ضد الحكومة وعملائها.
كان عبدالحق في السادسة عشرة من عمره وفي الصف الحادي عشر عندما انخرط مع بقية اخوته في الجهاد. شقيقه الأكبر حاجي دين محمد كان طالباً في كلية الصحافة في كابول ولم يكن راضياً عن الوضع السياسي قبل الاجتياح السوفياتي. وحين استولى الشيوعيون على الحكم بدأ الأخوة في التحرك ضد الحكم الشيوعي. لكن اخوة عبدالحق يصفونه بأنه كان الأكثر شجاعة وجرأة، لذلك كان قادراً على اتخاذ قرارات جريئة وعلى المواجهة.
تزوج عبدالحق عام 1980 وكانت زوجته من قبيلة الرئيس السابق صبغة الله مجددي وأنجب منها ستة أولاد. وفي عام 1999 اقتحم مسلحون منزله في بيشاور وقتلوا زوجته وأحد أبنائه ومرافقه من دون أن تتضح ملابسات الحادث حتى اليوم. وعلى رغم انه رفض اتهام أي طرف بالمسؤولية، أشار تقرير اميركي الى أن القتلة ربما حاولوا اغتيال عبدالحق في حرب ضد المعتدلين الأفغان في ما يعتقد انه جزء من حملة كبرى لطالبان. بعدها تزوج عبدالحق بأخرى من قبيلته ذاتها.
بدأ عبدالحق نشاطه السري بالتخطيط لانقلاب في كابول لكن المحاولة فشلت واعتقل عدد من الضباط المشاركين فيها. وبعد فترة أسرّ له احد اصدقائه في الحكومة بأن السلطات تبحث عنه ونصحه بمغادرة كابول. كان عبدالحق أعار مسدسه لصديق وحين أعاد الصديق المسدس لم يلحظ ان مشطه سحب منه. وأثناء محاولته الفرار حاصر رجال الشرطة حافلة كان يستقلها في اتجاه منطقة بكتيا وعندما همّ بسحب مسدسه للمقاومة اكتشف انه غير مذخّر.
وأثناء احتجازه تنبه الى أنه كان يحمل اسماء نحو 50 ضابطاً كانوا يدعمونه سراً، وفيما كان المحققون يتفحصون المسدس رمى باللائحة في المدفأة. حكم عليه بالإعدام خلال عهد داود وعندما كان في السجن تم جلب الناشط الشيوعي نور محمد تاركي معصوب العينين ومقيداً الى السجن نفسه الذي كان معتقلاً فيه قبل أن يفرج عن تاركي في اليوم التالي ليعين رئيساً للحكومة الشيوعية في أفغانستان.
مثل امام المحكمة العليا وخلال جلسة الاستماع قرأ المدعي العام لائحة الاتهامات ضده فغضب عبدالحق ورمى بمنفضة للسجائر في وجه المدعي. كان مقتنعاً بأنهم سيعدمونه بأي حال. نقل الى سجن بول الشاركي الرهيب الى جانب عائلة الرئيس السابق داود. كان الحراس يأتون يومياً ويصطحبون سجناء لإعدامهم، وبعد أشهر قضاها في السجن جاء دوره. أعطى ساعته وجهاز الراديو وبعض المال لأصدقائه. عصبت عيناه واقتيد الى وزارة الداخلية إذ كانت اسرته دفعت مبلغاً كبيراً من المال للافراج عنه. توجه الى بيشاور ومن ثم الى مقاطعة بكتيا حيث عمل مع جلال الدين حقاني وآخرين لتأسيس جبهة بكتيا. وبدأ لاحقاً نشاطه العسكري في ننغرهار وجلال آباد الى جانب حزب يونس خالص الذي كان كاتباً ومعلماً وصديقاً لعائلة عبدالحق.
في تشرين الأول اكتوبر عام 1979 شكلت الحكومة الشيوعية بزعامة حفيظ الله امين وحدات من مختلف أنحاء البلاد لمقاتلة المجاهدين. واستخدم النظام الحاكم مروحيات سوفياتية وبعد قتال شرس لثلاثة أسابيع تراجعت القوات الحكومية أمام المجاهدين. كان مفترضاً أن تؤدي هذه الخسارة الى سقوط حكومة أمين، لكن الجيش السوفياتي اجتاح أفغانستان لإنقاذ الحكومة الشيوعية. عندها أدرك عبدالحق ان المعركة الحقيقية بدأت.
في كانون الثاني يناير كان عبدالحق مع مجموعة من رجاله يشنون هجمات في مدينة جلال آباد عندما دخلت مئات الآليات السوفياتية المدينة قادمة من كابول. كانت تلك المرة الأولى التي يواجه فيها عبدالحق شخصياً القوات الروسية. عرف في تلك اللحظة ان افغانستان تُجتاح للمرة الثانية من قوى غريبة وصمم على أن التاريخ يعيد نفسه وان على المجاهدين أن يخرجوهم أو أن يموتوا دون ذلك.
في تلك المرحلة اقتنع بأن على المقاومة ان تبدأ من العاصمة كابول فطلب من يونس خالص أن يمده بالمؤن لبدء عمليات داخل العاصمة وحولها. اعتبر خالص موقف عبدالحق رومانسياً وعاطفياً. لكن عبدالحق كان مقتنعاً بأن العدو يجب أن يضرب في الوسط، فجعل من كابول المقر الرئيس لمجموعته وخصوصاً ضاحية باغمان التي كانت مقراً لمسؤولي الحكومة والقياديين الأفغان، وتقع قرب المراكز العسكرية وفي محاذاة الجبال.
بدأت مجموعة عبدالحق العمل على تنظيف المنطقة من عملاء النظام الشيوعي، واعتمدت على المؤن التي كانت تصادرها أثناء عملياتها وما كان يتبرع به السكان المتعاطفون مع المجاهدين. أبلت المجموعة بلاء حسناً وسببت معاناة لقوات الاحتلال السوفياتي الى حد أن هيئة الاذاعة البريطانية بثت في احدى المرات ان 13 ألف مقاتل يتمركزون في منطقة باغمان فيما لم يكن عدد رجال عبدالحق يزيد على 18.
جرح عبدالحق في احدى العمليات فذهب الى باكستان لتلقي العلاج والتقى خالص وقادة المقاومة. وكانت نشاطاته في كابول أقنعت خالص أخيراً بأهمية نشاط المجاهدين في العاصمة.
بعد عودته الى كابول بدأ يوسع خليته ويقويها داخل المدينة وأنشأ خلايا جديدة بدأت تعمل للتغلغل واختراق مختلف مجالات الحياة في العاصمة الأفغانية. كما عمل على بناء خلايا داخل الجيش وبين رجال الأعمال وتجار البازار. وسرعان ما بات عبدالحق وجبهة المجاهدين في كابول كابوساً أقضّ مضاجع رؤوس النظام الحاكم.
عمل عبدالحق بنجاح مع المجاهدين من مختلف الأحزاب وحرص على عدم التورط في أي خلاف بين القيادات الجهادية، وكان دائماً يقول لمقاتليه انه يقاتل لأسباب ثلاثة: إجبار السوفيات على مغادرة أفغانستان واقامة حكومة اسلامية غير منحازة وتوفير السلام والأمن لشعبه. سافر الى بلاد عدة للترويج لقضية المقاومة وكان يحرص على أن تكون القرارات في مصلحة الشعب الأفغاني.
عام 1987 كان عبدالحق يقود عملية في منطقة باغمان عندما داس على لغم مضاد للأفراد. رأى حذاءه الأيمن وجزءاً من قدمه يطيران في الهواء. حاول أن يتابع السير حتى لا يوقف رجاله العملية. خطا حوالى عشر خطوات لكنه لم يستطع المتابعة. عرف رجاله أن جرحه بليغ فأخذوه على حصانه بعيداً من المنطقة وعولج في مستشفى تابع لصديقه الكوماندور أمين وارداق حيث أجرى عملية من دون تخدير ومن ثم نقل الى بيشاور ومنها الى الولايات المتحدة.
كانت تلك المرة ال16 التي يجرح فيها اثناء الجهاد. اعتقد الكثيرون انه سيوقف نشاطه العسكري لكنه واصل اعطاء التعليمات والأوامر من مستشفاه الى أن عاد الى باكستان ثم الى باغمان.
قبل سقوط نظام نجيب الله سيطر عبدالحق على مناطق مهمة كانت خاضعة للقوات الحكومية. وكان نفوذه يتركز في القسم الشرقي من منطقة سروبي وصولاً الى كابول وهي منطقة مهمة سياسياً واستراتيجياً. ويقول شقيقه ان معظم المناطق التي سقطت في قبضته دخلها سلماً ومن دون سفك دماء وعبر مفاوضات كان يجريها مع قيادات المناطق للاستسلام له، إذ كان يملك شخصية مقنعة وقوية. وقبل تشكيل حكومة المجاهدين كان هو من يسيطر على هذا الحزام المهم لكنه أوقف علمياته على مدخل العاصمة بسبب عدم امتلاك المجاهدين خطة منظمة للإمساك بكابول.
بعد انسحاب السوفيات حاول عبدالحق تطوير تفاهم وتعاون بن قيادات المجاهدين لتفادي اندلاع حرب اهلية ونجح في تأسيس "مجلس المجاهدين للشورى" الذي ضم قيادات جهادية بارزة مثل أحمد شاه مسعود وجلال الدين حقاني من الجنوب الشرقي واسماعيل خان من الشرق وعبدالرازق من قندهار وقادة من قبائل الهزارة إذ كان يحرص على تمثيل كل الاثنيات. كانت هناك لقاءات دائمة لمجلس الشورى وقرر قادة المجاهدين تنفيذ العمليات الجهادية ضمن استراتيجية واحدة وشكلوا لجاناً للتأسيس لإقامة نظام سياسي في أفغانستان يخلف الحكم الشيوعي. كانت وجهة نظر القادة ان على الأمم المتحدة أن تلعب دوراً في تشكيل حكومة جديدة للبلاد بعد سقوط نظام نجيب الله، ولكن مع استسلام القوات الحكومية اتجه المجاهدون بمن فيهم أحمد شاه مسعود نحو كابول من دون مشورة القادة الآخرين. حاول عبدالحق اقناع بقية القادة بضرورة توافر استراتيجية موحدة محذراً من أن العمليات غير المنظمة ستسبب حرباً أهلية.
لكن تحذيراته ذهبت هباء ودخل قادة المجاهدين الى كابول كل على مسؤوليته ومن جهات مختلفة فقسمت كابول بينهم وسرعان ما اندلعت المعارك بين قوات قلب الدين حكمتيار والجنرال دوستم وبين الشيعة الذين دخلوا من الغرب ومجموعة عبدرب الرسول سياف زعيم الاتحاد الاسلامي.
عند تأسيس أول حكومة للمجاهدين تسلم عبدالحق منصب قائد البوليس والدرك فقبل المسؤولية لكن تحت شرط أن تسلم كل القوى المتحاربة أسلحتها للحكومة والحفاظ على النظام وأن تكون مسؤولية كابول الأمنية للشرطة وليس للمجموعات المختلفة وألاّ يتدخل أعضاء الحكومة من المجاهدين في اعمال القائمين على الأمن. كما اشترط أن يتساوى تمثيل الأطراف وأن تعمل القوى الأمنية وفق خط الحكومة وشدد على ألا تدار الحكومة بناء على مجموعات تمثيلية بل بناء على سياسة واضحة. لكن من كانوا في السلطة يومها لم يوافقوا على شروط عبدالحق بمن فيهم وزير الدفاع أحمد شاه مسعود وأعضاء الحكومة. حين وجد أن أحداً لم يوافق على شروطه ترك منصبه بعد شهور قليلة على توليه، وغادر أفغانستان الى بيشاور. وحين كان في بيشاور قطع علاقاته مع الحكومة الأفغانية لكنه كان يزور ننغرهار وبعض المناطق الشرقية حيث مناطق قبيلته وحيث كان يقوم بوساطات بين المجموعات المختلفة هناك. في عام 1996 سافر الى الامارات العربية المتحدة إذ لم يعد في باكستان مستقر بعد تعرضه مع مجموعة من المثقفين الأفغان لتهديدات في بيشاور واغتيال مجموعة من المعارضين. وفي الامارات أسس عملاً يتعلق بالالكترونيات من دون أن يتخلى عن نشاطه السياسي.
كانت لعبدالحق علاقات واتصالات مع بعض الأفغان العرب وهو كان بحسب شقيقه وطنياً وذكياً وكان ضد الحرب في أفغانستان ولم يكن بعض قادة المجاهدين يرتاحون له. وكان يبدي قلقه من احتكار سبعة أحزاب جهادية السيطرة على أفغانستان.
يقول مقربون منه ان عبدالحق كان يؤمن بمثل أفغاني شهير يقول "اذا لم تكن سارقاً فافعل ما تشاء" وهذه كانت فلسفته. ففي تلك المرحلة كثرت اشاعات عن تعامله مع الاستخبارات الاميركية خصوصاً بعد دعم الغرب للمجاهدين وكان يجيب: لماذا لا أقيم اتصالات مع هؤلاء؟ وفعلاً كانت لديه اتصالات مباشرة لكنه لم يعقد صفقات. ونظراً لتحركاته كانت الأبواب مفتوحة أمامه سواء في باكستان أو مع العرب أو في الغرب وعلى مختلف المستويات الديبلوماسية والسياسية، فعقد لقاءات مع مسؤولين كثر ونظم مؤتمرات عدة للمعارضة في الخارج.
لم يكن لعبدالحق موقف عدائي مع أي جنسية سواء كانوا عرباً أو باكستانيين وكانت تهمه مصلحة افغانستان وكانت له رؤية مستقبلية في هذا الأمر. فهو كبر خلال مرحلة الجهاد وكان معتاداً على السياسة وبرز دوره خلال تأسيس مجلس المجاهدين إذ كان يرغب في أن يتمكن الأفغان من تقرير مصيرهم. ومنذ سقوط نجيب الله كان يسعى لقرار أفغاني ومنع تدخل الغرباء في السياسات الداخلية الأفغانية إذ كان يرى ان على الأفغان وحدهم أن يقرروا مصيرهم.
وحين سألنا شقيق عبدالحق عما اذا كان محقاً في الذهاب الى أفغانستان من دون التنسيق مع قبيلته ومن دون اجراء اتصالات كافية قال: في ظل الظروف التي مرت بها أفغانستان أخيراً كان من الصعب توقع المستقبل وتحديد ما إذا كانت سياسة أحد خطأ أو صحيحة. لكن الجميع موافق على أن مهمة عبدالحق لم تكن سرية ولم يعقد صفقات بل كانت مهمته جلب السلام والاستقرار للبلاد، وبخسارته يصعب ايجاد رجل مثله.
وكان عبدالحق حافظ على اتصالات مع قادة طالبان وكان الملا محمد عمر ينتمي اساساً الى الحزب الاسلامي تيار يونس خالص، أي التيار الذي ينتمي اليه عبدالحق. وحين ظهرت طالبان من قندهار حاول عبدالحق التوسط لتجنب القتال عند توجه الحركة الى كابول، إذ كان يؤمن ان في صفوف "طالبان" من لا يريد دمار أفغانستان وأنهم لن يعارضوا التحالف الوطني وان بعض قيادات الحركة لا تريد ان تكون لعبة في أيدي الغرباء وهذا ما أعلنه عبدالحق الذي كان ضد الهجمات الأميركية.
يقول شقيق عبدالحق: "من الواضح لنا أن عبدالحق لم يقتل من جانب الأفغان"، لكنه يسكت عند سؤاله عن تحديد الجهة.
ويروي آغا خان احد مرافقي عبدالحق في رحلته الأخيرة الى كابول قبل اعدامه ان القائد الأفغاني وثلاثة من مرافقيه كانوا يسيرون جنوب شرقي كابول عبر طريق ضيقة حين أوقفهم جنود من طالبان. كان في مقدمهم شخصان هما عبدالعزيز ودوران. أما حامد مرافق عبدالحق الذي أعدم معه والمرافق الآخر فتراجعا الى حيث كان عبدالحق وأبلغاه بالأمر فقال: يجب أن نذهب للتفاوض وأنا هنا للتفاوض وليس للقتال. ورفض السماح لمرافقيه بقتال عناصر طالبان قائلاً: لن نقتل أفغاناً. إذا حلت الأمور بالتفاوض نستمر ولا نتراجع.
واستمرت الملاحقة 20 دقيقة أطلق خلالها النار على عبدالحق الذي طلب ان يتحدث مع رجل من مجموعة "طالبان". وفعلاً أتى أحدهم الينا وسأل من نحن فأجبناه إننا منكم. وهنا تم تبادل الأسماء والصفات. وفي هذا الوقت كان هناك رجلان من طالبان يطلقان النار من مسافة فطلب منهما زميلهما عدم اطلاق النار وأبلغهم ان الرجل هو عبدالحق فطلبوا منه الذهاب معهم. أخذوا عبدالحق ومن معه. أما المرافق فتسلل الى الجبل وهرب وآخر ما رآه هو عبدالحق يسير معهم على حصانه ليعلم لاحقاً أنه أعدم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.