الكثير من وسائل الاعلام، الغربية خاصة، يُبدي استغراباً، بريئاً أحياناً ومغرضاً في أحيان أخرى، من التعاطف الذي حظي به بن لادن في كثير من قطاعات الرأي العام منذ عمليات التفجير بنيويورك وواشنطن يوم 11/9/2001، ثم خاصة بعد بداية الرد الغربي والقصف اليومي لافغانستان منذ يوم 7/10/2001، والمقصود طبعاً قطاعات من الرأي العام العربي والاسلامي، سواء في البلدان العربية والاسلامية أو ضمن الجاليات المنحدرة من تلك البلدان داخل العالم الغربي نفسه. والحقيقة ان ذلك الاستغراب لا يقتصر على المراقبين الأجانب. فكثيرون من المراقبين العرب والمسلمين يتساءلون أيضاً، ولكن بدوافع مختلفة ومن منطلقات مغايرة، عن العوامل التي تفسر "ظاهرة بن لادن"، أي تحول شخص يحمل أفكاراً متطرفة جداً، ويساند نظاماً طالبانياً بل هو جزء لا يتجزأ منه، علماً أن النظام هذا يتسلط قهراً على الشعب الأفغاني المنكوب ويسلط على الرجال سوط شرطة الأخلاق ليفرض عليهم طول لحاهم ودرجة فتح أفواههم لا فقط عند الكلام في السياسة بل أيضاً عند الابتسام والضحك، فقد قنن هذا الأمر أيضاً بمقتضى مرسوم طالباني! والنظام نفسه يمنع النساء، والكثير منهن أرامل شهداء يتولّين إعالة الأبناء القصّر، من الخروج الى العمل وقضاء الحاجات المعاشية فضلا عن الاستشفاء والتعلم، ويحطم التراث الثقافي لبلد عريق في الحضارة. فكيف أمكن لبن لادن، بل لنظام طالبان نفسه، أن يصبح، ولو لبضعة أسابيع، متمتعاً بالتعاطف وأحياناً بالاعجاب، بل المساندة أيضاً في كثير من الأحيان؟ أنا شخصياً كنت قد دعوت قبل الأحداث الحالية بستة أشهر، وعلى هذه الصفحة بالذات، الى قيام تحالف دولي لتخليص الشعب الأفغاني خاصة والحضارة الانسانية عامة من هذا الكابوس الذي اسمه طالبان والذي يمثل بن لادن أحد أركانه. ورغم ان ما يحدث اليوم مختلف بعض الشيء، فاني لست مطمئناً على مصير الشعب الأفغاني الذي قد يعاقب مرتين من دون ذنب: مرة لأن الولاياتالمتحدة رضيت له ب"طالبان" حاكماً ومرة لأنها قررت أن تغير النظام الذي رضيت به في الأمس القريب،. ولا استبعد أن تتضح بعد ذلك نوايا هي اليوم مستورة ومعلومات هي الآن مخفية. لا أشعر اطلاقاً بأي تحسّر حيال سقوط نظام طالبان وبن لادن معه وارجو ان يعلن كل من يشترك في هذا الشعور وفي تلك القناعة، رأيه بصراحة كي يتغلب صوت العقل على صوت العاطفة وترجح الكفة أو على الأقل يستوي الميزان، وكي لا ينخدع الناس بزعامات وهمية وحلول للقضايا لا يمكن أن يكون لها ذرة من النجاعة والواقعية. لكني مع ذلك أساند من يذهب الى أن شعور التعاطف الذي يلاحظ في بعض قطاعات الرأي العام العربي والاسلامي في الداخل أو في الخارج ليس ناتجاً عن غباء أو عن تطرف أو عن التقاء ولو جزئي بالاطروحات الطالبانية. فالظاهرة ينبغي ان تحلل بعمق وتفسيراتها متعددة. لقد أشار كثيرون الى عناصر من التفسير السياسي للظاهرة وهي حقيقية وارجو ان تكون هذه الأحداث فرصة حتى يتفهمها صنّاع القرار وحملة الأقلام في المجتمعات الغربية، ومنها ان الكثير من بلدان العالم الثالث سقطت ضحية الحرب الباردة ثم لم تنهض بعد نهايتها لأن "النظام العالمي الجديد" لم يضع في جدول أعماله مهمة التكفير عن خطايا الماضي والتعويض لمن كانوا بالأمس ضحايا صراعات لا مصلحة لهم في الحقيقة منها، وافغانستان مثال بارز على ذلك. ومنها ان السياسة الخارجية الأميركية هي من قصر النظر بحيث انها لا تحل أزمة إلا لتفتح أزمات أخرى وكلما أطفأت النار في مكان تركت الرماد متقداً ينذر بحريق جديد. وسياسة "الكيل بمكيالين" التي بشّر النظام العالمي الجديد بنهايتها لم تزد إلا حدة وتصلباً منذ سقوط حائط برلين. لكني اعتقد أن التفسير السياسي على أهميته ليس كافياً، وأن هناك مواضيع أخرى لا تقل شأناً ينبغي اليوم أن تطرح لأنها ضرورية أيضاً في تفسير الظاهرة التي ذكرنا، واقتصر هنا على مسألتين: أولا، الى أي مدى يتحمل النظام الاعلامي العالمي المسؤولية؟ فافغانستان أيام الحرب الباردة كانت الشغل الشاغل للدوائر الاعلامية، فلما انتهت المواجهة بين العملاقين لم يكد يبقى في افغانستان مراسل هيئة اعلامية واحدة، لأن افغانستان في ذاتها لم تعد تهم أحداً، لا مصير الشعب ولا مصير البلاد ولا الأطفال الجائعين والنساء الثكالى. وعندما قُرعت طبول الحرب بعد أكثر من عشر سنوات على النسيان لم يكن المرجع والحكم ما يعرفه الناس عن الوضع في هذا البلد، لأنهم لا يعرفون الشيء الكثير، فحلّت الصور الخيالية محل الوقائع والأحداث: صورة المسلم الارهابي في بعض قطاعات الرأي العام الغربي، وصورة القائد البطل المخلّص في بعض قطاعات الرأي العام العربي والاسلامي. انه خيال يواجه خيالاً، والمشكلة الحقيقية هي غياب الإعلام الموضوعي والمتابعة للاحداث على الأمد البعيد. فالحاضر لا يفهم من الحاضر بل بعلاقة بالماضي ومجموع التطورات التي فرزته. والاعلام العربي تحديداً هو جزء من هذه المشكلة لأنه إذا اهتم بالشأن الأفغاني فلا يكون ذلك إلا من الوجه السياسي السطحي، وقليلاً ما قرأت تحقيقات ميدانية عن الواقع اليومي للمرأة هناك أو تجارة المخدرات لدى من يزعمون احتكار النقاء الأخلاقي. ثانياً، هل تصنّف ظاهرة التعاطف التي أشرنا اليها ضمن السلوك الواعي المعقلن الذي يحاسب بلغة المواقف ومعايير الصحة والخطأ، أم ضمن النفسيات الجماعية اللاشعورية المرتبطة بما تناوله الدكتور مصطفى حجازي في كتاب مشهور: "سيكولوجية الانسان المقهور" حيث يعبّر عن القهر باختلاق مرضي للبطل الوهمي تسبغ عليه كل الصفات الغائبة. وكما يقول حجازي: "انها من نوع التماهي الاسقاطي، بمعنى ان الانسان المقهور يسبغ على شخص الزعيم كل تصوراته الطفلية بالقوة والقدرة وكل مثله العليا، ويجعل منه باختصار الصورة النقيض تماماً لصورته عن نفسه والتي يجهد في الهروب منها لأنها نموذج النقص والمهانة". وطبعاً تكون النهاية دائماً خيبة الأمل ومزيداً من الشعور بالقهر، لأن المعجزة لا تتحقق والقائد الموهوم مجرد سراب.