سمو نائب أمير الشرقية يستقبل سفير دولة الإمارات لدى المملكة    سمو أمير الباحة يلتقي بعدد من المواطنين افتراضياً ويستمع لاحتياجاتهم    "موبايلي" تهنئ القيادة بحلول شهر رمضان المبارك    2 مليون وتسعمائة ألف لمبنى نموذجي للطفولة المبكرة بالطائف    نائب أمير منطقة حائل يؤكد على تطوير المواقع الأثرية والتراثية    "القناة السعودية" تبث أول برنامج وثائقي عن المساجد التاريخية    سمو أمير منطقة الرياض يطلع على عرض لمحميتي الإمام عبدالعزيز بن محمد والملك خالد الملكية    ألمانيا تعتبر أن التطورات في إيران "غير إيجابية" بالنسبة للمحادثات النووية    بالفيديو.. لوشيسكو: الهلال سيفوز بالدوري وأرفض تدريب أي فريق سعودي آخر    محافظ حفر الباطن يلتقي رئيس المجلس الاستشاري الصحي    "الحصيني": البعض سيتناول السحور على صوت المطر ويُفطر على صوت الرعد    إغلاق 93 منشأة مخالفة في جدة    جامعة الملك سعود: إجراء الاختبارات النهائية للمقررات النظرية "عن بُعد"    القبض على مواطن يتباهى بحيازته لمواد مخدرة ومبالغ مالية بالرياض    المسند: هلال رمضان وُلد فجر اليوم الإثنين    "الغذاء والدواء": خطة تفتيش استثنائية على سلع رمضانية    البرلمان العربي يدين استمرار ميليشيا الحوثي باستهداف المملكة    وزير التعليم يُدشن الاستراتيجية والهوية الجديدة للجامعة السعودية الإلكترونية    أمين العاصمة المقدسة يطَّلع على سير عمل مشروعات المواقع التاريخية    ٨٣٢ منشط دعوي لإستقبال شهر رمضان بالشؤون الإسلامية بعسير    "سعود الطبية" تحذر من مضاعفات السكري الكاذب.. وتوضح أعراضه وأسبابه    45613 مستفيداً من خدمات طب الأسنان    الخارجية الفلسطينية : تخاذل المجتمع الدولي شجع جيش الاحتلال والمستوطنين على تنفيذ اعتداءات مشتركة وعلنية    العواد يبحث مع السفير الفرنسي أوجه التعاون المشترك في مجال حقوق الإنسان    "الصندوق العقاري" و "البلاد" يوقعان اتفاقية لتقديم خدمات تمويلية في الفروع    رفض استئناف النصر ضد قرار إيقاف حمدالله    الشؤون الإسلامية تغلق 18 مسجد مؤقتاً في 8 مناطق بعد ثبوت 18 حالة إصابة كورونا وتعيد فتح 16 مسجد    هيئة #نجران تُنهي استعدادها لتنفيذ خطتها الميدانية والتوعوية في #رمضان    قرار الاتحاد قبل الميركاتو    سمو أمير منطقة نجران يستقبل رئيس القطاع الجنوبي بشركة المياه الوطنية    الصحة تطلق خدمة أولوية لتطعيم كبار السن بدون حجز موعد    الهند.. ثاني بلد في عدد إصابات كورونا    السعودية للكهرباء: انتهاء تركيب واستبدال 10 ملايين عداد كهرباء ذكي    القاهرة السينمائي» يحدد موعد دورته الثالثة والأربعين تنطلق مطلع ديسمبر المقبل    محمد عبده يفتتح سهرات "سوالف رمضانية 2" على روتانا    "حساب المواطن" يوضح طريقة حل مشكلة "تكرار الدخل" في بيانات المُستفيد    6 خطوات لإصدار تصريح لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم عبر "توكلنا"    توحيد المواقف السعودية والعراقية في المنظمات الثقافية العالمية    أمير منطقة الرياض يدشن حملة «نتراحم معهم»    توزيع 1269 سلة غذائية رمضانية في باكستان    القاهرة والخرطوم ترفضان اقتراحًا إثيوبيًا لتبادل المعلومات بشأن سد النهضة    «الأمن البيئي»: إيقاف (62) مخالفًا لنظام البيئة    تخفيف صلاة التراويح في الحرمين الشريفين إلى 5 تسليمات    طموح التحول الاقتصادي بوعاء شراكة القطاع الخاص    وفاة الأمير بندر بن فيصل بن سعود آل سعود    لاعبو النصر يستعدون للآسيوية بمعسكر مغلق    «المرئي والمسموع»: إعفاء تذاكر الأفلام المحلية من المقابل المالي    المملكة تدعم مقترح تخصيص صندوق النقد الدولي لحقوق سحب جديدة ب(650) مليار دولار    مجموعة ابها عطاء ووفاء تكرم محمد الرميح    جدة..القبض على طبيب مزيف يبيع أدوية للإجهاض    المسحل يعقد اجتماعاً مع نظيره الإسباني في مدريد لمناقشة اتفاقية التعاون بين الاتحادين    رسمياً .. تزكية أحمد غدران رئيساً للقادسية    للمرة الأولى بعد الأزمة.. العاهل الأردني والأمير حمزة معا    أوستن يعلن دعمه لإسرائيل.. واشنطن: إيران مصدر الإرهاب    مستشفى الجموم.. العد التنازلي للافتتاح توقف هنا    جاهزون للانطلاقة    العراق يتحضر لاستضافة خليجي 25    ارتفاع أسعار الذهب في السعودية.. وعيار 21 عند* 184.18 ريال    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





صفات العالم ... وسيرتا أحمد بن حنبل وابن تيمية
نشر في الحياة يوم 31 - 12 - 2000

اهتم الاسلام بالعلم والعلماء، فحثّ المسلم على التعلم، وأجزل مثوبة طالب العلم، وأعلى مكانة العلماء فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهّل الله له طريقاً الى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما صنع. وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء. وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. وإن العلماء ورثة الانبياء، وان الانبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وانما ورثوا العلم، فمن أخذه، أخذ بحظ وافر" رواه أبو داود والترمذي.
وبيّن القرآن الكريم ارتفاع أهل العلم فقال تعالى: ]يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات[ المجادلة، 11.
وقرن القرآن الكريم شهادة العلماء بشهادة الملائكة فقال تعالى: ]شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط[ آل عمرن، 18.
لذلك احتفل التراث الإسلامي بالعالم وبيّن أوصافه، وميّز بينه وبين رجالات آخرين لهم مكانة أقل مثل الحافظ، والمحدّث، والقارئ، والمجتهد، والفقيه إلخ... لكننا نلحظ ان هناك اضطراباً في تحديد مضمون مصطلح العالم وصفاته في العصر الحاضر، وهذا الاضطراب أدى الى إطلاق هذا اللقب على أناس لا يستحقونه، وأدى الى اعتماد معايير خاطئة في إطلاق لقب العالم منها كثرة الانتاج من دون الاهتمام بالنوعية، وتكرار مقولات التراث وليس الابتكار، والتنظير من دون ارتباطٍ بالعمل، ومعرفة التراث مع الجهل بعلوم العصر إلخ...
على ضوء هذا الاضطراب في تحديد مضمون مصطلح العالم، ما هي الصفات التي يمكن أن نعتبرها لازمة للقب العالم والتي يمكن ان نستنتجها من سيرة علماء الأمة على مدار العصور الماضية، ومن دراسة المصادر الاسلامية؟ يمكن أن نعدد خمس صفات، هي:
1- الربانية: العالم يجب ان يكون ربانياً بمعنى ان المنهجية الإسلامية هي التي تحركه، فتكون نفسه خالصة لله وحده، ويكون قلبه مملوءاً بحب الله وتعظيمه والخضوع له، وحياته مملوءة بالحرص على العبادة وتمتين الصلة بالله، ويكون سلوكه قائماً على الأخذ بالحلال والابتعاد عن الحرام والشبهات في كل ما يتعلق بذاته وأسرته، وتكون أخلاقه مبنية على الالتزام بكل ما ورد في القرآن الكريم والسنة المشرفة.
2- الإحاطة بالعلوم الإسلامية: العالم يجب ان يكون محيطاً بالعلوم الاسلامية كعلوم القرآن والحديث واللغة العربية، والفقه ومدارسه والسيرة، والتاريخ الإسلامي.
3- التخصص في علم أو أكثر والإبداع في مجال من مجالات العلوم الاسلامية: العالم يجب ألا يكون مستوعباً فقط للعلوم الإسلامية، فهذا هو الحد الأدنى المطلوب منه. عليه كي يستحق لقب العالم أن يكون متخصصاً في علم من العلوم الاسلامية. ومطلوب منه أيضاً ان يبدع في مجال أو أكثر من مجالات العلوم الاسلامية.
4- الارتباط بقضايا الأمة: العالم يجب أن يكون مدركاً أوضاع أمته، متفاعلاً معها، مستشرفاً لمستقبلها، مرتبطاً بقضاياها، مدافعاً عنها.
5- فهم الواقع المحيط به فهماً تفصيلياً: العامل يجب أن يكون فاهماً لعصره فهماً تفصيلياً، فيكون مدركاً لعلوم عصره والتيارات التي تحكم هذا العصر، ويكون عارفاً بالفرق والمذاهب السائدة في زمانه، وملماً بالفلسفات الموجودة في وقته إلخ...
ولو استعرضنا سيرة العلماء السابقين لوجدنا هذه الصفات تنطبق عليهم، ومن أجل تحقيق ذلك سنتناول سيرة عالمين هما: أحمد بن حنبل وابن تيمية.
كان أحمد بن حنبل ربانياً اشتهر بين أقرانه منذ الصغر بالتقوى والصبر والجلد، وفي شبابه اتجه الى جمع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم والى تطبيق السنة المشرفة. كان لا يترك سنة إلا واجتهد في تطبيقها.
عارض القول بخلق القرآن الكريم، وتعرض نتيجة الى ذلك العذاب والتنكيل والسجن والإيذاء ومع ذلك ثبت على قوله أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق لأنه الحق الذي يؤمن به، ولأنه رباني يخشى عذاب الخالق ولا يخشى عذاب المخلوقين، ويتطلع الى رضوان الله ولا يتطلع الى رضا البشر الفانين.
وفي شيخوخته أقبلت الدنيا عليه وذاع صيته وسعى اليه الخليفة والولاة، وربما كان هذا امتحاناً لربانيته أقسى من الامتحان السابق. لكنه صمد للإغراء ولم يرض أن يأخذ شيئاً مما عرض عليه. وقاطع ابنه لأنه رضي أن يأخذ أموالاً من الخليفة آنذاك، فالخلافة حاولت مع الابن بعد ان يئست من الأب، لكن الأب عاقب ابنه بأن امتنع من الأكل عنده لأن الشبهة طاولت أمواله، فأحمد بن حنبل كان ربانياً في شيخوخته كما كان ربانياً في كهولته وشبابه.
ونجد ارتباط أحمد بن حنبل بقضايا الأمة واضحاً في مختلف مراحل حياته، وأبرز شاهد على ذلك ما رأيناه من تصديه للخليفة المأمون في إلزامه الأمة القول بخلق القرآن الكريم، وتصديه كذلك لفرق الزنادقة والجهمية والمتصوفة والرد عليها.
وتجلّى فهم أحمد بن حنبل لعصره في معرفته لفرق الزنادقة والجهمية وعلم الكلام والمعتزلة، ومعرفته لمدرسة الرأي، ومعرفته للتصوف، واتخاذه الموقف المناسب من كل هذه القضايا.
أما الشخصية الثانية التي استحقت لقب العالم فهي شخصية ابن تيمية الذي كان ربانياً، وتجلّت ربّانيته بالمواقف التي صدع فيها بالحق، فأصر على القول بعدم تأويل صفات الله، وأن هذا هو الحق الذي يقول به الله سبحانه وتعالى ويقول به الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول به السلف الصالح، وتحدى خصومه وأعطاهم فرصة طويلة من الزمن كي يأتوا بما هو مخالف لما يقوله، ثم دخل السجن نتيجة لصدعه بالحق. وعرضوا عليه أن يخرج من السجن شريطة تراجعه عن بعض ما يعتقده فرفض ذلك.
كذلك أعلن رأيه في ما يتعلق بحكم الحلف بالطلاق وأنه لا يوقع الطلاق، ورجاه الأصدقاء ألا يفتي بذلك، ولكنه أبى لأنه رأى عدم الإفتاء بذلك كتماناً للعلم. وكان الثمن السجن الذي مات فيه ليخرج من هناك الى قبره. وهناك مجالات أخرى صدع فيها ابن تيمية بالحق منها مواجهة التتار والصوفية والباطنية إلخ...
أحاط ابن تيمية بالعلوم الإسلامية وتعمق فيها، ودلت على ذلك كتاباته في علوم القرآن الكريم والحديث والفقه والسيرة والتاريخ واللغة العربية... كما أبدع في أكثر من مجال علمي، فدعم القياس الأصولي في وجه القياس المنطقي الذي استشرت فتنته بين المسلمين مقرراً أن القياس الأصولي أقرب الى الموضوعية والمنهجية وإفادة العلم من القياس المنطقي.
* كاتب فلسطيني.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.