"ليلة الليالي" للكاتب التونسي حسن بن عثمان، رواية تنبثق من صلب الليالي الخالدة، ليالي ألف ليلة وليلة، وتنبت بمفارقة فادحة لها، إذ يتولى الرجل القص، وتكتفي المرأة بالسماع. شهرزاد هنا تحتفظ باسمها، لكنها قابعة في غرفتها المظلمة العابقة بالانفاس، وبرائحة اللحم البشري، مشلولة الحركة، متكومة على السرير تسندها الوسائد، أمرأة لا ترى ولا تتكلم ولا تشم، تنتظر عودته ليلقى على مسامعها حكاية جديدة تقتات منها كوجبة ليلية ضرورية. منذ أن صارت هامدة لا تبرح سريرها وتتغذى وجودياً بالسماع، ذلك كل ما بقي لها بعد حادث سيارتها الذي أودى بحياة أطفالها الثلاثة وألحق بها دماراً جسدياً كاملاً. لكن المدهش أن هذه الحكايات تتمحور كلها حول الخيانة. إنها قضية الليالي الأثيرة، قديمها وحديثها معاً، فالزوج يحكي على مسامع زوجته مايحتفظ به في ذاكرته من كتاب صاحبه "هلال الاحد" المعنون "بحار الكائن الخائن" وصاحبه يكمل القصة في مجالسه. وما يحكي ليس مجرد سيرة ذاتية لهذا أو ذاك. ولكنه فوق ذلك سيرة لوطنهما تونس، تقدم فيها للقارئ العربي، صورة حيوية ناطقة للمسكوت عنه في مسيرته السياسية والاجتماعية، وتطوراته الحادة في العقود الأخيرة، حيث يلتحم الخاص بالعام، وتجدل الرؤى الفردية للشخوص بتوجهات الناس في روحهم الجماعي، وتبدو فيه تونس وهي تصنع خصوصيتها العربية في تحديث أوضاع المرأة وتقنين اشكال الاسرة في تطويع مفاهيم الدين في عباداته ومعاملاته، في جرح طقوس الصيام وصناعة مجتمع مدني مختلف عن نظائره في بلاد الشمال الافريقي ذاتها. كل هذا تبثه لنا تلك الرواية الصغيرة مقسطاً على مواقف ولحظات محتدمة في نفوس شخوصها واحوالهم، متبعة ما يطلق عليه في السرديات الحديثة بؤرة الرصد المتحركة، والمتنقلة من راو الى آخر لضمان حيويتها. لعل الخيط السياسي في الرواية هو الذي اثار حولها كثيراً من الجدل، إذ اجترأت على تقديم الوجه الآخر - المظلم - لصورة الزعيم الذي تربع على قمة السلطة طيلة العقود الماضية ليتعادل مع الوجه الرائج المضيء لهذه الصورة ذاتها، ويتم تقديم هذه الصورة ملتحمة بالسياق الروائي الذي يبني قوام الشخوص ويرسم تضاريس الاحداث. فهو يحكي قصة عزوز والد يوسف الذي نذر إرجاء ختان ابنه حتى يتم تحرير البلاد. لكنه يُغتال قبل أن يتحقق ذلك فيترك ابنه مشروع رجل وبلده مقدمة دولة متوازنة. يقول الراوي: "حين أعلن الزعيم عن تحقق النصر تطلع عزوز متشوفاً إلى ذلك النصر، فبدا له سراباً خُلّباً وهباء منثوراً، احسّ بالخديعة واشتم روائح مؤامرة كريهة، أعمل نظره ملياً ثم هتف بأبناء قومه هذا النصر ليس حاسماً ولا مقنعاً، إن قبلنا به نخون دماء الشهداء، لنواصل حمل السلاح لاجلاء كل أثر للفرنسيين ولقطع دابر الاستعمار وعملائه المحليين ممن يتنكرون في أزياء وطنية. جاهر بمعاداته للنظام الوليد، واعتبر أن بورقيبة وجماعته خانوا القضية الوطنية، وخذلوا المقاومة المسلحة، فعوض أن يسعى بورقيبة إلى أسلمة البلاد وتعريبها، ها هو يتواطأ مع فرنسا ليحقق بسياسته التغريبية ما عجز المحتل عن تحقيقه بقوة السلاح والاستعمار الطويل، اقتنع عزوز عبدالناصر بضرورة مواصلة الكفاح وضرب الاستعمار وأذنابه في الداخل والخارج. طنق يعمل بتصميم في كل اجتماع شعبة دستورية على إحداث البلبلة في أذهان الناس وزرع بذور الشك والشقاق لدى أعضاء هيئة التسيير، بل وصل به الأمر قبل مقتله بأسبوع إلى الامتناع عن تسليم ما تجمع لديه من أموال الشعبة الحزبية بصفته أمين مالها. كان يرى أن مال الشعب لابد من إنفاقه في تخليص الشعب من العناصر الموالية لفرنسا. وباغتيال عزوز تخلص أعضاء الشعبة من مشاغب كبير، متطرف، شديد المراس وعنيد...". هنا يعمد الفن إلى تصويب التاريخ، يحكي ما سكت عنه وأخفاه الاعلام الموجه، وإذا كان هذا المشهد لا يضيف كثيراً الى ما يعرفه اهل البلاد، بل ربما يخفي الاسماء والوقائع التاريخية فإنه يمثل مفاجأة للقارئ العربي العادي الذي لا تحتفظ ذاكرته بشيء وعن هذا الصراع المكتوم بين الفصائل المختلفة وتظل ذبذبات الحركة الوطنية وتضاعيف التوجهات الاجتماعية مبتسرة من دون هذه الاضاءة الفنية للوجه المسكوت عنه من الصورة. ومن الطريف أن تتسع الرواية ذاتها، في فصل آخر، لتقديم الوجه الإيجابي لصورة الزعيم، من منظور صالح والد هلال الاحد المناظر للبطل والذي يتناوب معه عملية السرد، فصالح يعتبر أن مثله الأعلى هو "فخامة المجاهد الاكبر، فهو زعيمه الشخصي ومعلمه وملهمه في الحياة، كان يقول إن الزعيم حوّل البلاد كلها إلى مدرسة كبيرة لمحو أمية الشعب وتمدنه. كان المجاهد الأكبر - في نظر سي صالح - يتولى ميدانيا مهمة التدريس من خلال حديثه الاسبوعي في التلفزة الذي يبسط فيه للناس القضايا والمهمات المطروحة على المجتمع الفني، كان الزعيم يشخص الامراض والعوائق ويقترح الحلول على الناس، له اسلوب في التدريس لا يضاهي، أسلوب فتى بمسرح الكلام، ويتحرك بين المرافقة والمحاضرة والبوح الذاتي، إلى حد أن لا يستنكف عن التطرق الى خصوصياته الحميمة في سبيل إقناع الشعب، أعلن للعموم من خلال خطابه التلفزي أن له خصية واحدة فقط. وعلى رغم ذلك تمكن من إنجاب ابنه الوحيد، قال ذلك من أجل حث الناس على الاقتصاد في ممارسة الجنس وانجاب الاطفال. ومع أن أمثال هذه الوقائع متداولة ومعروفة لدى عامة الناس في تونس، غير أن نقلها إلى مجال الرؤية الروائية لهذه المرحلة التاريخية، باعتبارها جزءاً حميماً من مشاعر الشخوص وهواجسهم وخواصهم النفسية، تلتحم بمجريات حياتهم وتبرر سلوكهم يجعلها مادة فنية فعالة، فصالح هذا هو الذي تبنى بقانون الزعيم ابنه هلال الذي عثر عليه والتقطه، وكانوا يطلقون على اللقطاء اسم "ابناء بورقيبة" وسوف تظل كلمات الزعيم تدوي في اعماق الابن المتمرد الذي جعل مهمته بعد ذلك تنظير الخيانة وتبرير التمرد وكتابة الوجه الصريح للحياة الاجتماعية المشروعة. انماط وأسماء إذا كانت الرواية بنت المدينة المعاصرة وسجل تطورها اللاهب، فإن أنماط الحياة لا تدخل ضمير اللغة ولا تصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية المتداولة ما لم تكتب تفاصيلها روائياً. إنها تظل قبل ذلك سديماً في عماء الافراد يتآكل بمرور الحقب والازمان من دون تثبيت فني يضمن لها تنامي التجربة. وإذا كانت المشاهد السابقة قدمت لنا جديلة الرؤية السياسية الحوارية التي تعلو على الاختزال والقصور فإن هناك مشاهد اخرى تجسد بعض مظاهر الحياة بعد انطلاقة تونس السياحية. ها هو عباس غريم هلال الذي يختطف منه صديقته الشابة على الرغم من سنواته الخمسين، ويغويها بكلماته عن الشعر والادب حتى تخون صاحبها على مرأى منه. يحكي عن حياته الراهنة بتلقائية عجيبة قائلاً: "أنا من هواة "تستك". كل نهاية اسبوع أروح الى مدينة الحمامات وأمارس التستك، اشتغلت اربع سنوات نادلا في فنادق الحمامات خلال فصل الصيف، في العطل المدرسية، إنه عمل ممتع، ينتهي كل ليلة في المراقص بصحبة الحسان من الشقراوات من أهل أوروبا، اعتقد أن جمالهن ورشاقتهن يعود إلى ممارستهن الرقص منذ مولدهن، إنهن من أحسن خلق الله، مرحات ومنطلقات، ومن دون عقد...". ما لم يقله عباس في هذا المشهد الذي يسربه إلى صديقته كي يحرضها على الانطلاق معه هو أن كثيراً من أبناء جيله قد احترف هذه الصحبة للعجائز الاوروبيات، وتركوا لهن امتصاص طاقتهم الحيوية، وأن هذا الداء الناجم عن التفاوت في المستوى الاقتصادي اصبح جسر عبور الشباب الى الغرب بعلاقات غير متكافئة، مما يعد ظاهرة مرضية تشوه النمو الحقيقي لاجيال الشباب. وربما كانت ارهف تقنية يوظفها السارد لتنميط اشكال الحياة والاحياء هي ولعه الشديد بتحفيز الاسماء، أي اختراق طابعها العشوائي وبث شحنة كبيرة من الدلالة فيها كي تصبح رموزاً دالة على نوعيات خاصة من الشخوص، إلى حد أنه يفرد ليلة من لياليه للحديث عن الاسماء. ويبالغ المؤلف في ربط مصير الشخوص باسمائهم . ثم لا يلبث هذا الولع أن يتجسد لدى الصوت الثاني للرد وهو هلال الاحد الذي يهاجر في أواخر السبعينات إلى بيروت لينضم الى حركة المقاومة الفلسطينية، ويتعرف هناك على "علقمة" النموذج العجيب للفلسطيني المهجن بدماء اسرائيلية. ويتخذ التونسي اسماً حركياً له هو "بوجمعة" بعد شرح مطول لكراهيته ليوم الاحد الذي ينتسب إليه. ويستطرد الراوي في مفارقات الاشخاص والاسماء. فزميله "فرج" ينطق اسمه في اللهجة التونسية بتسكين الراء مما يجعله لوطيا. وحتى بعض المشاهير عانوا في تقديره عقده أسمائهم. فبدر شاكر السياب عاش أسير دمامته وهو يغني للقمر الذي يتسمى به. وأدونيس حاول أن يجعل من اسمه اسطورة هروباً من اسمه الاصلي الموسوم. وأبو يعرب الموزوتي المفكر التونسي اضطر للدفاع عن العروبة، وشهر زاد التي ولدت لأب تركي مغرم بالخيول تنتهي حياتها بفاجعة درامية توازي مقتلها الذي تعيش كل ليلة مهددة به في ليالي ألف ليلة وليلة، مما يجعل الاسماء أنماطاً للبشر واشارات للقدر ومجالا للتنقيب في مفارقات الحياة. يتحرك الراوي في ليلة الليالي بحرية واسعة في المكان والزمان، فيدفع بأحد شخوصه إلى بيروت كي يستوعب في منظوره رؤية المشرق للمغرب، وينتقل من التسعينات التي تمثل نقطة الرصد الزمني الضمني الى العقود السابقة، فيمتد هامش الحرية في تناول المسكوت عنه من السياسة الى الجنس والدين، بما يشف عن درجة التحرر التي يمارسها الكتاب المغاربيون قياساً إلى نظرائهم المشارقة في هذه الآونة. على أن هذا الراوي يتبرع في احيان كثيرة بكمية وفيرة من المعلومات التي تأتي عرضاً ومن دون أن يقوم السياق بتقطيرها حتى تذوب فيه، فيقترب به من منطقة السرد المعلوماتي في أكثر الاحيان، باستثناء بعض اللحظات العارمة مثل مصرع أم شهر زاد وأختيها تحت سنابك الخيل التي يربيها والدها، وانتشالها بعد ذلك من هوة الانسحاق والاحباط والذبول الجسدي بفضل شهوة التمثيل لديها وتعليمات مدربها الايطالي عن كيفية التحكم في الجسد ليتلاءم مع الادوار. لكنه عندما يعرض مثلاً لتجربة يوسف عبدالناصر الجنسية الاولى، وكان والده أجل ختانه حتى يستكمل تحرير الوطن، فترفض الغانية معاشرته وترد له نقوده ظناً منها أنه غير مسلم، عندئذ يستعرض الراوي في المناسبة نوادر الختان بين الساسة والمثقفين ودلالاته في العصر الحديث، بحجة انها متضمنة في كتاب صديقه هلال عن "بحار الكائن الخائن". ومنها حكاية الشاعر السنغالي "ليبولد سينعور" الذي ولد في عائلة مسلمة قامت بختانه "ولكن هذا الشاعر عندما أم المدارس التبشيرية المسيحية تم تنصيره وظل يعيش مسيحياً مختونا بسلام مع عائلته المسلمة، وتولى رئاسة بلده لفترة طويلة حتى سئم من الحكم فقرر التخلي عن السلطة لغيره، وكان صديقا لبورقيبة، كتب عنه قصيدة. عندما تخلي سنغور عن السلطة بمحض ارادته استاء بورقبيه وقال "هذا سلوك لا يقترفه سوى زنجي" هذه الاستطرادات وامثالها بقدر ما تنمي محصلة الرواية ثقافياً تفقرها فنياً، إذ يؤثر هذا على كفاءتها في خلق عالمها التخييلي المتميز. على أن السمة الحاسمة في تشكيل بنية الرواية هي طابعها السينمائي الواضح الذي تقدم فيه رؤية الحياة باعتبارها أحداثاً في فيلم، وليس مرد ذلك إلى أن الصوتين اللذين يتناوبان السرد - يوسف عبدالناصر وهلال الاحد - يقومان بدور الكاميرا في التجسيد وفي رواية وتصوير ما يتصل بالفضاء الآخر حتى ينتهيا الى قدر من التماهي والتداخل كأنهما شخص واحد، يقوم في مخيلة الراوي المحيط علماً بكل شيء، ولا يعود ايضاً الى أن أهم مواقف الرواية الحرجة يحل عن طريق التمثيل وتقمص الادوار، فعجز يوسف الجنسي مثلاً لم يتم التغلب عليه سوى بعد أن وضعت زوجته الممثلة "شهر زاد" برنامجاً متقناً له للقيام بادوار البطولة أمامها في البيت شهوراً عدة حتى استطاعت أن تورطه في دور الضابط الفرنسي الذي يغتصب فتاة وطنية تونسية، وقامت هي بدور الفتاة ورضيت باغتصابها حتى تفك عقدة زوجها، المختوم - أي غير المختون - ولكن النهاية الفاجعة للرواية ذاتها جاءت عقب دعوتها للتمثيل في فيلم تفقد فيه أطفالها الثلاثة وتبقى خطأ ما بشرياً لا يصلح إلا لسماع الحكايات. وعندما تصحب أولادها مبتهجة لتوقيع عقد الفيلم تفاجئها نوبة صرع في الطريق السريع فتتحقق الوقائع قبل التمثيل. هل تريد لنا الرواية أن نعتبر الحياة مجرد مشروع لا نعرف من الذي يكتب له السيناريو ولا من الذي يخرجه فكل ما نعيه هو أننا نقوم بأدوار مقدرة لنا يستوي في الاحاطة بها الواقع والخيال؟ إن التماهي بين الحياة والسينما والأدب يصل إلى ذروته في هذه الرواية التي توظف تقنيات القطع والاسترجاع والاستباق والمونتاج، وتتضمن قدرا كبيراً من البوح السياسي والكشف الثقافي والاجتماعي، وتعمد الى العزف على تنويعات الليالي باقتدار. * كاتب واكاديمي مصري