نائب أمير جازان يستقبل المهنئين بعيد الفطر    أمير منطقة جازان يستقبل منسوبي الإمارة المهنئين بعيد الفطر    أمير نجران يلتقي رئيس محكمة الاستئناف وعددًا من القضاة بالمنطقة    "إفتاء عسير " يهنئ عضو هيئة كبار العلماء بعيد الفطر المبارك    محافظ القطيف يستقبل المهنئين بعيد الفطر ويؤكد على تعزيز التلاحم الوطني    كاسادو يقود صفقة معقدة بين الهلال وبرشلونة    لقاء معايدة لمنسوبي المنظومة الصحية بمنطقة عسير    إنفاذا لتوجيهات القيادة.. الداخلية تباشر معالجة أوضاع حاملي التأشيرات المنتهية اعتبارا من تاريخ 25 / 2 / 2026 م    القيادة تهنئ رئيس الجمهورية الهيلينية بذكرى استقلال بلاده    الدفاع المدني: سقوط شظايا اعتراض صاروخ باليستي على سطح منزلين بالمنطقة الشرقية ولا إصابات    ربط بحري بين المملكة والبحرين ضمن خدمة الشحن gulf shuttle التابعة لشركة msc عبر ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام    ضبط 8 مقيمين مخالفين لنظام البيئة لاستغلالهم الرواسب في عسير    أمانة الشرقية تختتم فعاليات عيد الفطر    مكة تُكرم سدنة النظافة    تراجع أسعار النفط دون 100 دولار للبرميل    استثناء مؤقت للسفن من شرط سريان الوثائق    (إسرائيل) تهدد باحتلال مساحات واسعة في الجنوب    رئيس وزراء باكستان لولي العهد: نجدد دعمنا الكامل للمملكة    عراقجي يبلغ ويتكوف بموافقة خامنئي على التفاوض    القيادة تعزي سلطان عمان في ضحايا الحالة الجوية    في خطوة أثارت مخاوف الأسواق العالمية.. بلومبرغ: مليونا دولار جباية إيرانية على السفن    1.397 مليار تكلفة المشروع.. حواسيب فائقة بأرامكو السعودية للتنقيب والإنتاج    لمواجهة الأخضر ودياً.. بعثة المنتخب المصري تصل جدة    رسمياً.. جدة تستضيف الأدوار الإقصائية لنخبة آسيا    جيسيوس يمنح «الطحان» فرصة العمر    اهتمام القيادة بالرياضة.. دعم متواصل ورؤية طموحة    الملك يتلقى رسالة من سلطان عُمان    بحثا تطورات الأوضاع وتداعياتها على مختلف الأصعدة.. وزير الدفاع ووزيرة القوات المسلحة الفرنسية يستعرضان التعاون الدفاعي    وطن القوة والسلام    ثلاثة لاعبين.. ومسرح واحد يحترق    استمرار هطول الأمطار حتى السبت    الجوف تكتسي بالبياض    أمانة جدة تفعل الخطط الميدانية للأمطار المتوقعة    السفارة السعودية بالقاهرة تحذر المواطنين المقيمين من التقلبات الجوية    أستاذ مناخ يحدد «رقم التحذير» لعشاق الكشتات    فعاليات حائل.. تعزز الموروث وتنشر بهجة العيد    منة شلبي تستعد لتصوير 30 حلقة من «عنبر الموت»    متعة ألا تقرأ    السيكوباتيون.. سلوك عدائي ووجوه جامدة    في اتصالات مع ولي العهد: تضامن دولي مع المملكة ضد الاعتداءات.. ترمب: علاقاتنا مع السعودية عظيمة.. وإيران تبحث عن صفقة    العيش في حي متطور يحمي من السكتة الدماغية    التقنية تتيح استئصال الأورام والرحم دون أثر جراحي.. «الجرح الخفي» ثورة طبية بالسعودية تنهي عصر«الندبات»    خطة عالمية لخفض وفيات السل بحلول 2030.. المنظومة الصحية السعودية تعمل وفق المعايير العالمية    بن نغموش يُحيي "أعياد الشعر" في أبها وسط تفاعل لافت من الجمهور    وكالة الطاقة الذرية تدعو "لأقصى درجات ضبط النفس"    تهديد إيران للسّلم الدولي يتطلب قراراً وفقاً للفصل السابع    الأمثال الشعبية على لسان غير الإنسان «2»    عاد الدفا عقب الشتا والبروده    ترقب دولي لمفاوضات محتملة بين واشنطن وطهران    انطلاق مهرجان "كلنا الخفجي" في نسخته ال11 بفعاليات ترفيهية    أمير نجران يطّلع على تقرير أعمال فرع وزارة الصحة بالمنطقة خلال إجازة عيد الفطر    معايدة الأسر    «الإسلامية»: تقديم 2.3 مليون خدمة دعوية للمعتمرين    وفاة الأميرة نوره بنت عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود    ولي العهد يستعرض مع ماكرون الأوضاع في المنطقة ويعزي أمير قطر    بين قانون الجذب وحسن الظن    أمير نجران يطّلع على تقرير الصحة بالمنطقة    أكثر من 33 مليون وجبة إفطار في الحرمين خلال شهر رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"الجهاديون العرب" وأزمة البلقان
نشر في الحياة يوم 30 - 03 - 1999

تثير المعارك الدائرة في منطقة البلقان، وتحديداً في كوسوفو، أسئلة عن موقف الجماعات الإسلامية المتشددة منها. ولعل مرد السؤال هو عدم وجود مقاتلين عرب ل "الجهاد" مع الكوسوفيين، مثلما كان الوضع في البوسنة قبل سنوات عندما شارك مئات "المجاهدين العرب" في فيلق خاص بهم في المعارك ضد الصرب البوسنيين.
الإجابة عن هذا التساؤل، بحسب قيادي إسلامي ينتمي الى التيار الجهادي، هي باختصار: الحرب الحالية في البلقان هي حرب استخباراتية بحتة، مرتبطة بوجود أجهزة أمنية أميركية في المنطقة.
ويشرح هذا القيادي موقف التيار الجهادي من الوضع في البلقان بالقول ان أعضاء هذا التيار يشعرون بأن من واجبهم نصرة المسلمين في أنحاء المعمورة، ولو تطلّب ذلك المشاركة في جهاد مسلّح. ويضيف ان هذا ما حصل بالضبط في البوسنة، عقب تفكك الاتحاد اليوغوسلافي، واستقلال جمهوريات سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة عنها. ويضيف ان رفض الصرب استقلال البوسنة وقبل ذلك رفضهم استقلال كرواتيا وضعَ المسلمين في هذه الجمهورية في موقف ضعيف، إذ كانوا أمام أقلية صربية بوسنية مدعومة بجيش يوغوسلافيا الذي كان يمدهم بأسلحة حديثة يفتقدها المسلمون. ويوضح ان أعداداً قليلة من العرب الذين قاتلوا في أفغانستان ومن العرب المنتمين الى التيار الجهادي عموماً، قرروا الانتقال الى البوسنة والمشاركة الى جانب أبنائها في رد "العدوان الصربي". ويضيف ان البوسنيين رحّبوا بالوجود العربي، وهو وجود كانوا في أمسّ الحاجة اليه، وساهم مساهمة فعّالة في المعارك، خصوصاً في إطار "فيلق المجاهدين العرب" الذي كان يُعتبر أحد فيالق الجيش البوسني.
ويوضح المصدر نفسه ان هذا الوجود الإسلامي المسلّح في قلب أوروبا لم يرق للولايات المتحدة، التي اعتبرت ان ما يحصل في البوسنة هو تكرار لما حصل سابقاً في أفغانستان. ومثلما هو معروف، فإن التجربة الأميركية مع "العرب الأفغان" ليست بالتجربة المثالية. إذ وجد الأميركيون، بعد سنوات من الدعم المادي والمعنوي ل "العرب الأفغان" في حربهم ضد الروس، في صدام مع هؤلاء أنفسهم في مناطق عديدة من العالم. ولذلك، أخذ الأميركيون قراراً بأن لا مجال لتكرار "أفغانستان أخرى في قلب أوروبا".
وتجلّى هذا القرار عملياً في مفاوضات دايتون لحل الأزمة البوسنية. إذ أقنع الأميركيون الرئيس البوسني المسلم عزّت بيغوفيتش بقدرتهم على حل الأزمة، لمصلحة قيام دولة بوسنية مستقلة باتحاد بين المسلمين والكروات فيها، في مقابل تعهده بانهاء الوجود الإسلامي المتشدد في أراضي دولته.
ويقول القيادي نفسه ان بيغوفيتش لم يخن "المجاهدين العرب" في دولته، ولم ينس تضحياتهم تجاه شعبه. إذ طلب منهم مغادرة أراضي البوسنة إذا شاؤوا، أو البقاء فيها شرط ان يبقوا منزوعي السلاح وينخرطوا في الحياة العامة في البوسنة ويعيشوا كأهلها في ظل القوانين السارية في الدولة. وبالفعل قرر جزء من المجاهدين العرب البقاء، ومنهم من تزوّج بوسنيات، ويعيش حالياً حياة عادية بعد اكتسابهم الجنسية البوسنية. أما الجزء الأكبر من المجاهدين العرب، فقد تفرّق بين دول عدة. إذ وجد جزء منهم طريقه الى دول في اوروبا الغربية طلب فيها اللجوء السياسي. ووجد جزء آخر ان دولاً أخرى تصلح ل "الجهاد"، فذهب اليها، مثل الشيشان والجزائر. وانتقل جزء آخر كذلك الى البانيا، وهي دولة مسلمة فقيرة خارجة من تحت سنوات من الحكم الشيوعي. وكان بعض الذين ذهبوا الى البانيا يعرفون ان دور كوسفو، وربما مقدونيا، آتٍ حتماً بعد البوسنة. فانخرط هؤلاء في البدء في نشاطات دينية، تمثّلت أساساً في توعية الألبان بالدين الإسلامي.
ويقول هذا القيادي ان الألبان رحّبوا أولاً بالوجود العربي على أرضهم. إذ جلب هذا الوجود معه منافع مالية عديدة، كان السكّان في أمسّ الحاجة اليها. وشارك العرب في افتتاح العديد من المساجد في هذه الدولة، وشارك مسؤولون كبار، على رأسهم رئيس الحكومة آنذاك صالح بريشا، في افتتاح بعضها.
ويبدو ان الأميركيين الذين كانوا يتابعون عن كثب ما يحصل في البوسنة خصوصاً، والبلقان عموماً، لم يخف عليهم ما يحصل في البانيا. فانتقلت جهودهم فور تسوية قضية البوسنة، الى البانيا. وتمثّل أول ما حصل في إطاحة بريشا الذي كان يُنظر اليه على أنه يشكّل غطاء لوجود الإسلاميين على أراضيه، على رغم عدم انتمائه الى تيار إسلامي متشدد، بل كان ينظر الى وجود الإسلاميين في البانيا من منظور المنفعة التي كان يجلبها لمواطني بلاده الفقراء.
ولا شك أن إطاحة بريشا، الذي تتركّز قاعدة تأييده في جنوب البانيا، تمت بأيادٍ البانية، ربما شجّعها الأميركيون على ذلك. لكن هناك من يقول ان العكس هو الصحيح، وان جزءاً من قاعدة الحكم الألباني هو الذي استنجد بالأميركيين تحت ذريعة الخوف من انتشار الأصولية والتشدد الإسلامي في البلد.
وبعد إطاحة بريشا، بدا ان الحكم الألباني، وتحديداً جهاز الاستخبارات بقيادة فاتوس نانو، باشر سياسة تعاون وثيقة مع الأجهزة الأمنية الأميركية.
وظلّت هذه الأجهزة تتابع نشاط الإسلاميين العرب في البانيا، وامتداداتهم في كوسفو التي تُعتبر غالبية مواطنيها من أصل الباني.
ويبدو ان الأميركيين استطاعوا، عبر اتصالاتهم بالمقاتلين الكوسوفيين المنضوين تحت لواء "جيش تحرير كوسفو"، اقناع هؤلاء بعدم الاستعانة ب "المجاهدين العرب"، إذا ما عرض هؤلاء المساعدة.
وتؤكد مصادر إسلامية ان مجاهدين عرباً اتصلوا بالفعل ب "جيش تحرير كوسوفو"، وعرضوا على قادته فتح باب الجهاد للعرب والمسلمين للقتال الى جانبهم. وتضيف هذه المصادر ان الكوسوفيين ردوا بأن حربهم ليست دينية، بل هي حرب ل "تحقيق العدالة" لشعب كوسوفو الذين تتكوّن غالبيته الساحقة من مسلمين. وتوضح ان رفض الكوسوفيين عرض المساعدة طرح تساؤلات في صفوف العرب "الجهاديين" الذين كانوا يرون الحرب في البلقان حرباً دينية تستهدف أقليّة مسلمة وسط بحر من الأرثوذكس. وتضيف ان بعض "الجهاديين" اعتبروا ان القتال مع الكوسوفيين لا يجوز بسبب "عدم وضوح الراية"، وهو أمر حصل في السابق في الجزائر عند خلاف "الجماعة الإسلامية المسلحة" و"الجيش الإسلامي للإنقاذ". إذ اعتبر مؤيدو "الجماعة" ان القتال لا يجوز تحت "راية الإنقاذ" لأنها راية "عميّة" تُقاتل من أجل العودة الى الديموقراطية والانتخابات. ويبدو ان جزءاً من أتباع "التيار الجهادي" اعتبر ان الأمر نفسه يتكرر في كوسوفو وان القتال لا يجوز فيها بسبب "الراية العمية" ل "جيش تحرير كوسوفو". ويرى أتباع هذا التيار ان القصف الأميركي للصرب حالياً ليس هدفه الدفاع عن المسلمين في كوسوفو، بل هو لتلقين الصرب درساً بسبب تحديهم السياسة الأميركية في المنطقة.
لكن "طي صفحة الجهاد في البلقان" لم يكن فقط بسبب رفض الكوسوفيين استضافة العرب، بل ان عاملاً آخر لعب دوراً مباشراً في ذلك، وتمثّل بانتقال التنسيق الاستخباراتي بين الأجهزة الأمنية في البانيا والأجهزة الأمنية الأميركية الى تعاون عملي لا يكتفي بمراقبة "العرب"، بل تحوّل الى القبض عليهم. وليس سراً ان العديد من الإسلاميين الذين تسلمتهم مصر أخيراً والذين يُحاكمون حالياً في قضية "العائدون من ألبانيا"، اعتُقلوا في شوارع تيرانا نفسها والمناطق القريبة منها على أيدي أعضاء في أجهزة أمنية أميركية وسُلّموا الى القاهرة.
وهكذا، طوت أميركا، ولو الى حين، ملف "الجهاد في البلقان".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.