ما هو مستقبل التطرف في العالم العربي؟ وكم عدد آخر من السنين وربما العقود سوف نحتاجها لنرجع الى وعينا ورشدنا؟ والى متى سوف نتطاول على هذا المذهب الإسلامي أو ذلك؟ والى متى سوف نظل نردد الكلمات الفارغة حول الوحدة الإسلامية أمام التحديات الصعبة التي نواجهها ونقوم عملياً بضربها ونحاول العودة مع سبق الاصرار والترصد الى مراحل الصراع السابقة بدلاً من العمل على حسرها وتجاوزها أمام التحديات الرهيبة التي نواجهها كعرب ومسلمين؟ ان منطق الأمور وحقائق العصر تفرض علينا ضمن أشياء عديدة أخرى تأسيس تعايش ناضج، مثمر وفعال بين جميع الفرق والمذاهب الإسلامية، والنظر الى الاختلافات التي نشأت بصفتها اختلافات حصلت أو كان لا بد لها أن تحصل وسط الأحداث الجسام التي كانت تمر بها الخبرة الإسلامية بحيث ننظر الى تلك الاختلافات بموضوعية وحياد وضمن السياق التاريخي للأحداث والأطراف والزمن، وتلك الاختلافات لم تكن تعكس إلاّ الظروف التي كانت سائدة في وقتها والاعتبارات التي ارتقت بالمصالح السياسية والقبلية والاجتماعية والجغرافية، وهي في مجملها أثرت في حركة الأحداث وتكوين الحركات الفقهية والاجتهادية والكلامية المختلفة. التاريخ الإسلامي عبر مراحله المختلفة شهد تعدداً في الاتجاهات والتيارات والفرق والنحل التي قامت للظروف التي أشرنا إليها، وبالتالي فإنه لا يجوز لأي طرف في الساحة الإسلامية أن يتحدث عن مذهب معين ويعتبره "الإسلام الحقيقي"، كما لا يجوز لأي فرقة إسلامية اعتبار نفسها الممثلة الحقيقية للإسلام، أو ترمي غيرها من الفرق الإسلامية بالتفسيق أو التبديع أو التكفير أو الانحراف. في وقت نواجه فيه تحديات هائلة تتعلق بحاضرنا ومستقبلنا ووجودنا، نواجهها ونحن غارقون حتى آذاننا في مآزق الأمس، يبدو غريباً أن نستخدم وسائل النقل السريعة لبث السموم ونشر الأحقاد بين المجتمعات الإسلامية وتأجيج الخلافات التي حدثت في الماضي البعيد، بدلاً من استعمالها كوسائل لنقل رسائل المحبة والوئام وجسوراً لتقريب المسافات ومنبراً لإجراء حوار بناء بين المذاهب والفرق الإسلامية المختلفة والتركيز على القواسم المشتركة التي هي بالتأكيد أكثر من جميع نقاط الاختلاف. نشرة "نداء الإسلام" أقول هذا الكلام وأمام نظري نشرة تطلق على نفسها "نداء الإسلام" ومن الواضح أن هذه النشرة ومن خلال استغلالها لشبكات الإنترنت تحاول جاهدة تأجيج الخلافات بين المذاهب الإسلامية بدلاً من المساعدة على تجاوزها وتسعى لزرع بذور الفتنة بين تلك المذاهب غير مدركة بأن "الفتنة أشد من القتل". تركز النشرة "العدد التاسع عشر" هجومها على مذهب من المذاهب الإسلامية البارزة وهو المذهب الاباضي الذي أضحى جزءاً من عمقنا التاريخي وتراثنا الحضاري ولعب دوراً متميزاً في خدمة الإسلام وكتابة فصول تاريخه وبناء نسيجه والدفاع عن أهم أساسياته. أن نشوء المذهب الإباضي لا يختلف عن نشوء المذاهب الإسلامية الأخرى، وهي كلها ساهمت بأفكارها وأدبياتها وفقهها في بناء ما نسميه اليوم بالتراث الإسلامي. وإذا كان هناك بعض تغاير أو تباين في وجهات النظر بين المذاهب الإسلامية المختلفة، فذلك لا يعني بأن الرعيل الأول من الفقهاء العظام كانوا يهدفون بالضرورة الى ايجاد نتائج مغايرة، وإنما حدث ذلك بسبب الظروف السياسية والاجتماعية والبيئية المختلفة التي مرت بها الدولة الإسلامية والتي أثرت على أفكارهم وآرائهم وردود أفعالهم. وحتى لا يكون للمزايدة مكان في النقاش فلا بد من التوضيح ان كاتب هذه الأسطر لا ينتمي للمذهب الاباضي وانه ينظر الى أحداث التاريخ الإسلامي بنظرة مختلفة عما ينظر اليه "المتمذهبون"، كما أنه لا يقصد بالتطرف مجرد حمل السلاح أو الإرهاب المادي، وإنما يقصد الإرهاب المعنوي أيضاً الذي يمارس من خلال أوراق بعض الصحف والمجلات وشبكات الأنترنيت وبعض الفتاوى ويلعب دوراً مدمراً بالتأثير السلبي على العقل العربي والإسلامي ورشه بمواد سامة خطرة مغطاة بالسكر فتتناولها الفئات البسيطة وتتلذذ بحلاوة السكر التي تزول سريعاً مخلفة وراءها تأثيرات المواد السامة التي تتسرب الى العقل والوجدان وتمارس مفعولها المدمر. ان ظاهرة التهجم على المذاهب الإسلامية وتأجيج نيران الفتنة موجهة ضد التاريخ الإسلامي نفسه الذي شهد ومنذ الصدر الأول للإسلام تعدداً في التيارات وتنوعاً في الفرق وتبايناً في الآراء والمواقف، وبالتالي لا يحق لأية فئة أن تدعي بأن فهمها هو الفهم الصحيح أو أن رؤيتها للأحداث التي جرت هي الرؤية الصحيحة أو أن تدوينها للظواهر هو التدوين الصحيح. ومع الأسف فإن بعض الفئات ومنها نشرة "نداء الإسلام" تحاول تبرير وجهات نظرها بطريقة آحادية وباعتمادها على بعض الكتب القديمة مثل "مقالات الإسلاميين" للأشعري و"الفرق بين الفرق" للبغدادي و"الفصل في الملل والنحل" لإبن حزم و"الملل والنحل" للشهرستاني. وهذه الكتب تمثل جانباً آحادياً من الأحداث الجسيمة التي مرت بها الدولة الإسلامية عبر مراحلها المختلفة كما أن محتوياتها تعكس الأجواء السياسية والاجتماعية والبيئية التي كانت تحيط بهؤلاء المؤلفين أو تؤثر عليهم، تلك الأجواء التي أثرت على الرؤيا المحايدة للأحداث والظروف التي هي ضرورية لأي حوار أو نقد هادف. اضافة الى ذلك فإن هذه الكتب رغم أهميتها باتت قديمة، فكتاب الأشعري على سبيل المثال صدر في الربع الأول من القرن الرابع الهجري، أي أن عمره يتجاوز أكثر من ألف عام! إن الاباضية التي تريد نشرة "نداء الإسلام" تأليب الفرق الإسلامية عليها أو تأليب تلك الفرق ضدها، هي جزء أصيل ومتمم ومكمل للحضارة الإسلامية، ولا يمكن النظر الى تلك الحضارة وتراثها المتنوع دون الأخذ في الاعتبار الأدوار المكملة لبعضها البعض التي لعبتها الفرق الإسلامية المختلفة وان بدا للبعض النقيض من ذلك. ان كل واحدة من تلك الفرق التي تمثل جانباً وتبني من زاوية محددة ذلك البناء الإسلامي. ومثلما يقول الكاتب علي يحيى معمر في كتابه "الإباضية بين الفرق الإسلامية": "كل فرقة إسلامية بذلت في خدمة الإسلام جهداً مشكوراً، سواء كرهنا أم رضينا، وسواء اعترفنا أو لم نعترف وسواء وافق أمزجتنا أم لم يوافق"، وبالتالي لا يحق لأي أحد "سواء كان يقف في الساحة منفرداً أو كان يحمل شعار فرقة أن يحكم أخرى بالخروج من ميدان الإسلام الفسيح أو الحرمان من الاشتراك في أي عمل تقوم به الأمة الإسلامية ككل". الحذر الضروري ويقول الدكتور عوض خليفات، أستاذ التاريخ في الجامعة الأردنية في كتابه نشأة الحركة الاباضية ما يلي: "أما كتب المقالات والملل والنحل فتتحدث - كما هو معروف - عن الفرق الإسلامية المختلفة وتتعرض للحديث عن الديانات الأخرى غير الإسلامية ويجب أن تستخدم هذه المؤلفات بحذر شديد لأن أصحابها تنقصهم الموضوعية ويعوزهم الحياد عندما يتكلمون عن فرقة مخالفة لمعتقداتهم". ويضيف: "وباستثناء بعض المعلومات عن عبدالله بن اباض فإن كتب المقالات لا تورد أية معلومات عن أئمة الإباضية ومشايخها مثل جابر بن زيد الأزدي وأبي عبيده مسلم بن أبي كريمة التميمي والربيع بن حبيب وغيرهم، ولعل السبب في ذلك يعود الى جهل مؤلفي هذه الكتب بدور هؤلاء العلماء البارزين في الفرقة الإباضية، وحتى عبدالله بن أباض فإن المعلومات عنه مشوشة ومضطربة ولا يمكن الركون اليها". ويرد الشيخ علي يحيى معمر في كتابه "الاباضية بين الفرق الإسلامية" على الاتهامات الموجهة للمذهب الإباضي في كتب المقالات والفرق والنحل والملل ويفندها مشيراً ان ما ذهب اليه الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين تفتقر الى المعلومات الصحيحة، لأن أسماء الفقهاء الواردة في كتاب الأشعري "لا وجود لهم على الإطلاق" في تاريخ الإباضية ويذكر بأن الأشعري "لا يعرف عن الإباضية شيئاً وأن أكثر ما كتبه لا علاقة لهم به ولا علاقة له بهم" وفي موقع آخر من كتابه يرد الكاتب على بعض التهم الموجهة الى الإباضية قائلاً: "ان الإباضية لا يريدون أن ينتسبوا الى الخوارج، ولا يحسبون أنفسهم كذلك ولا يعتزون بالخارجية لسبب بسيط هو: انهم لا يحكمون على غيرهم من المسلمين بأحكام المشركين ولا ينفذون فيهم تلك الأحكام". ويقول الإمام الكبير أبو إسحاق أطفيش بأن اتهام الإباضية بالخوارج: "يعد من الدعايات الفاجرة التي نشأت عن التعصب السياسي أولاً ثم عن التعصب المذهبي ثانياً لمّا ظهر غلاة الخوارج". ويتحدث الدكتور فرحات بن علي الجعبيري في بحثه المقدم الى مؤتمر الفقه الإسلامي الذي انعقد في رحاب جامعة السلطان قابوس بمسقط خلال الفترة 9-13 نيسان/ابريل 1998، على التهم الموجهة للإباضية وعن موقفهم من "كفر النعمة وكفر الشرك" وكذلك عن موقفهم من الحركات المتطرفة التي ظهرت خلال تلك الفترة فيقول "أما في شأن مرتكب الكبيرة فقد اتضح موقف الإباضية من يوم اجتماع صومعة البصرة، إذ اعتبروه كافراً كفر نعمة لا كفر شرك، وشتان بين الكفريين، بينما جنح الأزارقة الى تكفيره كفر شرك" ملحوظة: الأزارقة نسبة الى نافع ابن أزرق. ثم يضيف: "ولو فهم الناس ان ذلك هو موقف الاباضية لما حشروهم ضمن الخوارج، وإنما هي كتب الفرق أبت إلاّ أن تعتبر ان الاباضية يكفّرون غيرهم من المسلمين، وتلك هي السياسة عندما تشن حربها النفسية على من يخالف أصحابها في المبدأ، ونسي الكل ان القول بكفر النعم عند الإباضية ينسحب على المسلمين جميعاً بما فيهم الإباضية، بل لعلهم يكونون معهم أشد". ويذكر الدكتور الجعبيري بأنه بعد اجتماع صومعة جامع البصرة سنة 64ه المصادف 644، وعندما "بدا للإمامين جابر بن زيد وعبدالله بن أباض تحولاً في مواقف بعض رؤوس المحكمة خاصة منهم نافع بن الأزرق، ثم الانفصال بينهم". الأثر العراقي والمدرسة الإباضية تنتسب بأفكارها الأولى للإمام جابر بن زيد الأزدي الذي عاش في مدينة البصرةجنوبالعراق وهو يعتبر من كبار التابعين، وانتشرت أفكاره مبكراً في عمان وحضرموت وشمال أفريقيا، وفي عصره عاش عدد من التابعين أمثال الحسن البصري وعلقمة بن قيس وابراهيم النخعي وسعيد بن المسيب، ويعتقد الكثيرون بأن الإمام أبو حنيفة النعمان رضي تأثر كثيراً بأفكار ابراهيم النخعي كما تنسب أفكار الإمام مالك بن أنس رضي الى مدرسة سعيد بن المسيب. وإذا كان العراق يعتبر الموطن الأول لأغلب المذاهب الإسلامية، فذلك يرجع الى بيئة العراق وموقعه الجغرافي ومرور واختلاط أقوام عديدة على أرضه وتأثره بالأديان الأخرى والحضارات المختلفة التي وضعت بصمات ظاهرة على كثير من الحركات الدينية والاجتهادية. في هذه البيئة ووسط وبجوار احداث كبيرة كانت تحصل هناك، عاش الإمام جابر بن زيد الأزدي رضي وتأثر بمدرسة الرأي والاجتهاد والاستنباط في الفقه الإسلامي، واقتبس من علوم الحديث شيئاً كبيراً حتى وثقه جميع نقاد الحديث وأشاروا الى عدالته ووسع أفقه وغزارة معلوماته، بل واعتبر عند الكثيرين من رجال أصح الأسانيد. وينقل الدكتور الجعبيري في بحثه المقدم الى ندوة الفقه الإسلامي، جامعة السلطان قابوس نقلاً عن كتاب الطبقات للدرجيني رأي حبر الأمة عبدالله بن عباس عن الإمام جابر بن زيد، حيث قال عندما سئل عنه "جابر بن زيد أعلم الناس"، وقال أيضاً "عجباً لأهل العراق كيف يحتاجون الينا وعندهم جابر بن زيد لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه". ويذكر الدكتور ابراهيم عبدالعزيز البدوي أستاذ الشريعة في جامعة الأزهر في بحثه المقدم عن المدرسة الإباضية والتي ألقاها في ندوة الفقه الإسلامي "بأن الطريقة التي قامت عليها لا تختلف كثيراً عن بقية الطرق التي قامت عليها المدارس الإسلامية الأخرى"، ثم يضيف "وهم يعتقدون أن كل من نطق بالشهادتين فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم"، ويضيف أيضاً: "يرى الإباضية أن المصدر الأول للشريعة الإسلامية وعقائدها وعباداتها ومعاملاتها وأخلاقها وتنظيمها هو الكتاب الكريم" وان "المصدر الثاني هو سنة الرسول"، أما الدكتور الجعبيري فيعتبر في بحثه المقدم لنفس الندوة ان المدرسة الإباضية "اعتبرت مصادر الشريعة الأساسية متمثلة في القرآن والسنة والرأي" ثم يضيف بأن "المذهب الرباضي أسبق المذاهب الى اعتماد السنة اعتماداً كلياً في تأصيل الشريعة". وخلاصة القول أن نتائج توزيع الإدانات وخيمة جداً مثلما رأينا من خلال الصفحات الدامية لتاريخنا القديم والحديث. ان عملية اللعب بالنار التي تريد بعض الأطراف لعبها بوعي أو من دونه، عملية خطيرة للغاية، ومن السذاجة أن تتصور أية فئة بأنها سوف تكون بمنأى عن الحريق إذا شب في أي مكان أو بدأ لهيبه في أي مكان، ولقد آن الآوان الى الرجوع الى منطق العقل والحكمة والاعتدال، وان نرفع الأيدي عن هذا المذهب أو ذاك ولندع المذاهب الإسلامية تتعايش وتتفاهم وتتحاور ولا تتنازع. * كاتب من سلطنة عمان