مرة أخرى تقدم العدالة البريطانية دليلاً جديداً يدعم اصرار ليبيا على عدم مثول المتهمين في سقوط طائرة ركاب أميركية فوق لوكربي، في اسكوتلندا، أمام محكمة بريطانية بموجب قوانين بريطانيا، أو اسكوتلندا وحدها. الدليل هذه المرة اسمه بادي نيكولز الذي حكم عليه سنة 1975 بالسجن مدى الحياة بتهمة قتل غلاديس هيث، وهي صديقة لأسرته كانت في الرابعة والسبعين. وقد برأته محكمة الاستئناف نهائياً الاسبوع الماضي من جريمة يرجح أنها لم تقع، فالاتجاه الآن هو أن العجوز توفيت لأسباب طبيعية. نيكولز جنى على نفسه بالكذب، فهو في يوم من نيسان ابريل 1975 قابل جارته في بار واشترى منها بعض حوائجها بعشرة جنيهات استرلينية، ورآهما روّاد البار الآخرون. إلا أنها كانت متعبة ونصحها الجميع بالعودة الى بيتها، وهو تبعها بعد ذلك للاطمئنان عليها، وعندما لم ترد على دق الباب، دخل من باب خلفي ليجدها ممددة على الأرض وتلفظ أنفاسها الأخيرة. واخطأ نيكولز بعدم طلب الاسعاف أو الشرطة، واخطأ أكثر بانكار أنه دخل بيتها. غير أنه جوبه بأدلة على وجوده في البيت، فاعترف وحكى تماماً تفاصيل ذلك اليوم. قال نيكولز انه كذب خوفاً من أن يكون قرب امرأتين ميتتين خلال اسبوعين فقط، فالذي حدث انه رأى قبل ذلك بأسبوع امرأة اسمها كاتلين كلينتون داينز ملقاة على جدار بيته، فاستدعى الشرطة، وخضع لتحقيق اعتبر فيه مشبوهاً في قتل هذه المرأة. إلا أن الفحص الطبي أظهر أنها كانت برئة واحدة، وتعاني من الادمان على الكحول، وقد ماتت مختنقة بقيئها. هذا الحادث جعل نيكولز يخاف عندما ماتت غلاديس هيث بين يديه، فانكر وجوده معها، ثم عاد ليعترف. وأصر الادعاء على ان نيكولز سرق الحاجات التي اشتراها من جارته، وأن هذا سبب قتلها، أي السرقة. كما أن التقرير الطبي رجح أنها قتلت عن طريق الخنق. وهكذا كان وحكم على نيكولز بالسجن مدى الحياة، وهو طرد 11 محامي دفاع عنه، قبل ان تصل قضيته الى لجنة مراجعة القضايا الجنائية، للنظر فيها من جديد. الاسبوع الماضي اعلن القاضي روش براءة نيكلوز بعد 23 سنة قضاها في السجن وأعرب عن "أسفه البالغ" لأنه أضاع أفضل سنوات عمره تكفيراً عن جريمة لم يرتكبها، بل الارجح أنها لم تقع. وكانت المحكمة استمعت الى تقرير طبي جديد السنة الماضية أكد انه لم يجد "أي دليل" يثبت توجه التقرير الطبي الأصلي عن قتل غلاديس هيث، ويقول ان ذلك التقرير احتوى على اخطاء كثيرة. هذه باختصار قصة بادي نيكولز وهي تظهر تقصير القضاء البريطاني وعظمته، فهو يرتكب الأخطاء إلا أنه واثق من نفسه الى درجة أن يصحح اخطاءه. وبما أننا نقيم في لندن فقد تابعنا على مدى السنوات الأخيرة اخطاء كثيرة للقضاء البريطاني، بعضها في قضايا سياسية مهمة جداً، ولا تقل أهمية عن تفجير الطائرة الأميركية. وقد كان تشكيل لجنة مراجعة القضايا الجنائية اعترافاً بفداحة الأخطاء المرتكبة وتكررها. وبما أنه لن يفيد ليبيا ان يحكم على المتهمين الليبيين، ثم يبرآن بعد سنوات، وبما أنها ليست في وضع ان تتحمل الخطأ، كما أنها ستعتبر القضاء البريطاني متحيزاً ضدها وكذلك الرأي العام، لذلك تبدو محاكمة المتهمين في بلد محايد أمام محكمة محايدة أفضل وسيلة للوصول الى الحقيقة، فقد كان اسقاط الطائرة جريمة شنيعة لا يجوز ان يفلت مرتكبوها، ومن خطط وارسلهم، من العقاب. وستفيد ليبيا موقفها إذا ركزت على هذه النقطة سبق أن تحدثت عن وجوب محاكمة المتهمين خارج الولاياتالمتحدة أيضاً فلا أعود اليها، وان تقف جهدها عليها، لأن محاولاتها رفع العقوبات في مجلس الأمن الدولي مصيرها الفشل، طالما ان لبريطانياوالولاياتالمتحدة، حق الفيتو في المجلس، وتمارسانه على طريقة "حاكمك ظالمك".