بما ان رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتانياهو يعمل بهدف واحد هو تقويض العملية السلمية فإن التفاوض معه يبدو دائماً وكأنه عملية قيصرية أو عملية قلع اسنان. وهو استطاع حتى الآن مقاومة الضغوط الأميركية عليه واستخدم اليهود الأميركيين الذين يدينون بالولاء لاسرائيل قبل بلدهم، فحذر هؤلاء الرئيس كلينتون ونائبه آل غور وانذروهما، ثم قال مالكولم هوفلاين نائب الرئيس التنفيذي لمؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الرئيسية في الولاياتالمتحدة، ان الادارة كانت على وشك اعلان مبادرتها "الا اننا أوقفنا ذلك". المبادرة الأميركية معروفة، فهي تنص على انسحاب اسرائيل من 1.13 في المئة ضمن المرحلة الثانية المتفق عليها. وعرض نتانياهو في المقابل الانسحاب من تسعة في المئة مع شروط مكبلة لضمان رفض الفلسطينيين عرضه. غير ان رئيس وزراء اسرائيل عاد بعد ان قبل الأميركيون عدم نشر مقترحاتهم بانتظار مفاوضات نتانياهو مع منسق عملية السلام دنيس روس امس، فأعلن انه سيحسّن "نوعية" الأراضي المنسحب منها، ان لم يكن الكمية، وذلك بالانسحاب من أراضٍ تضمن استمرارية بين المدن الفلسطينية، فقد كانت الشكوى المستمرة من عروض نتانياهو الخداعية انها تشمل أراضي متفرقة يصعب الوصول اليها، أو الانتقال منها الى بقية الأراضي الفلسطينية. وبات مرجحاً الآن ان يعود نتانياهو فيقبل الانسحاب من نسبة من رقمين 10 في المئة فما فوق، مع اصرار الأميركيين على نسبتهم، ومع تشجيع قادة عرب كثيرين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات على المطالبة بانسحاب بحدود 30 في المئة. هذه الثلاثين في المئة قد لا تكون، في الوقت الحالي، أكثر من رقم يطرح للمساومة، فهو غير عملي، وأبو عمار لن يطرحه في اجتماعه مع روس في رام الله الذي سيتبع الاجتماع مع نتانياهو الخميس هذه السطور تكتب بين الاجتماعين وقبل توافر تفاصيل. والمهم ان يحصل الفلسطينيون على شيء في وجه مراوغة نتانياهو ومماطلته وكذبه، فوجود قيادتهم في غزة أفضل من وجودها في تونس، و500 كيلومتر مربع اخرى تضاف الى مناطقهم، أو 600 كيلومتر مربع، أفضل من لا شيء. ونتانياهو، في النهاية، لا يريد التنازل فوراً عن نسبة عالية، ولا يستطيع لأن حكومته تتألف من متطرفين عنصريين مثله، وأركان التحالف يهددونه بالاستقالة أو بحجب الثقة اذا قبلت الحكومة الانسحاب من نسبة عالية من الأراضي الفلسطينية. وكان تحالف "أرض اسرائيل" أبلغ نتانياهو هذا الاسبوع انه سيحجب عنه الثقة اذا قبل الانسحاب كما يريد الأميركيون. وأعلن أركان هذا التحالف عن خشيتهم ان يستغل رئيس الوزراء عطلة الكنيست ليقبل الخطة الأميركية، ثم يحاول ارضاء اعضاء التحالف اليميني بالبناء في جبل أبو غنيم، أو في أي مستوطنة اخرى. واذا كان من تعليق على موقف أركان "أرض اسرائيل" فهو يكشف عدم ثقتهم في رئيس وزرائهم، مع ادراكهم انه محتال بلا اخلاق يكذب عليهم كما يكذب على الأميركيين والفلسطينيين والعالم اجمع. وقد أوصل الكذب نتانياهو الى نهاية الطريق فهو اذا سار في المشروع الأميركي اغضب تحالفه، واذا لم يسر اغضب الادارة الأميركية. وكانت محادثته الهاتفية مع الرئيس كلينتون الاسبوع الماضي من نوع نادر في مثل هذه المكالمات الرسمية، فقد ارتفع صوت كل منهما في وجه الآخر، وكان نتانياهو من الصفاقة ان يتحدث عن الأمن مرة اخرى، كما تتحدث الغانية عن شرفها. ورد كلينتون بحزم ان هذه مصلحة قومية اميركية، وهي في النهاية مصلحة اسرائيلية. ومسيرة السلام هي فعلاً في مصلحة جميع شعوب المنطقة باستثناء المتطرفين من الجانبين الذين يريدون تقويض المسيرة ورد المنطقة الى اجواء الحرب. واذا لم ينجح المتطرفون العرب، فان لهم في نتانياهو حليفاً امتهن الرفض مثلهم، والفرق الوحيد هو انه يجيد التمويه كما لا يجيدونه.