ترتكز حياة وجهود الشيخ المُربِّي صالح الجعفري- داعية الأزهر الشريف (1911-1979م) في خدمة الإسلام روحياً وعلمياً، في جَمعه المنهجي بين العناية بالترقي الروحي للناس، وبين الأخذ بأسبابه ودواعيه. فلقد ابتعد الجعفري في إصلاحه للفرد والمجتمع عن الخرافات، والدجل والبِدَع؛ مُتخذاً التصوف الصحيح طريقاً ومُنعرجاً، نحو الكمال الإنساني، والتقدم العمراني، والنهضة الحضارية، بالاعتماد على العلم والأخلاق. ومرور مئة عام أخيراً على ميلاد الإمام صالح الجعفري، مناسبة مُهِمة لمُطارحة فكره، ومُدارسة إصلاحه وتصوفه، وتبيان مدى أهميته في حياة الناس. وفي أطروحته للدكتوراه، التي نالها مع مرتبة الشرف من كلية الدعوة في جامعة الأزهر أخيراً، والتي عنوانها «الشيخ صالح الجعفري.. حياته وجهوده في الحياة الروحية الإسلامية» يؤكد الدكتور محمد عبدالدايم الجندي- أن الأخلاق والسلوك كانا الأساس الذي اعتمد عليه الإمام الجعفري في التربية الروحية، وأن صلاحية التصوف الإسلامي هي المنهج القويم ضمن مناهج التربية الحديثة، وذلك بالسير على درب علمائه، لرسم أفضل صورة للواقع المعيش، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة العصر، والمواءمة بين ضرورات الحياة، وما يتفق مع جوهر الدين ومقتضياته. وإعمال مقاصد الشريعة، وتفعيل ما يحتاجه المرء والمجتمع من أساسيات التقدم، والترقِّي الأخلاقي، بلا إفراط أو تفريط! واتخاذ الكتاب الكريم والسُّنَّة الشريفة العِماد والطريق نحو السعادة الدنيوية والأخروية، بعيداً من التعصب والتنطع! حتى استطاع «الجعفري» أن يكون صاحب مدرسة صوفية وسلوكية رادها الكثيرون - وما يزالون- في مصر وعلى امتداد العالم الإسلامي، وسارت على درب الحارث المُحاسبي، بفهمه الشامل الوسطي لرسالة الإسلام وأهميته. قسّم الباحث رسالته إلى تمهيد عرَّف فيه بمفهوم الحياة الروحية في الإسلام. وثلاثة أبواب: تحدث في «الباب الأول» عن حياة ونشأة الشيخ صالح الجعفري، ودراسته في الأزهر الشريف، وسلوكه الروحي، وتكوينه العلمي على أيدي الرواد: الإمام محمد بخيت المطيعي، ويوسف الدجوي، والإمام حسنين مخلوف، والشيخ الزرقاني، والشيخ حبيب الشنقيطي، وإبراهيم السمالوطي، والإمام محمود خطاب السبكي، وغيرهم. وعرض الباحث في «الباب الثاني» لِما أثرى به الجعفري التصوف والحياة الروحية، من مقامات وسلوك، وتنظير وتطبيق، وما أقامه من قواعد تربوية واجتماعية، لبناء شخصية الفرد السالك، بعيداً من الخرافة والبدعة! وفي «الباب الأخير» تناول الدكتور الجندي رأي الإسلام في جهود الجعفري وسلوكه وإصلاحه، مُبيِّناً اعتدال الشيخ ووسطيته، ومرونة فكره وطريقته، وسمات الطريقة الجعفرية وجذورها، ومجالسها العلمية والروحية المنتشرة في أقطار البلاد الإسلامية. ولقد ترك الشيخ صالح الجعفري ثروة علمية، وذخيرة تربوية وسلوكية لا تنفد، فله: درس الجمعة بالأزهر الشريف في عشرة أجزاء، وله ديوان شعري صوفي في(12) جزءاً، يضم أكثر من ستمئة قصيدة، في ثلاثة أغراض: مناجاة الذات العليا، ومدح رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتوجيه أهل السلوك، ونُصح المُريد، وتربيته التربية الصوفية المعتدلة. فمثلاً، ينصح المُريد قائلاً له: «فجرّد قلبك عن حبك لنفسك ومالك، ولا تعتمد على إقبال الناس عليك، فإنما الإقبال هو إقبال الحق عليه، وإقبالك عليك. والدنيا هي أكبر منافس للأرواح، فهي تدعو النفس للإقبال عليها، والروح داعية إلى الإقبال على الله». وعن فلسفة الحب يقول الجعفري: «اعلم أنَّ الحب معقول المعنى، وإنْ كان لا يُحدّ فهو مُدرَك بالذوق غير مجهول، ولكنه عزيز التصور، فلا حدّ للحب يُعرَف به ذاتياً، ولكن يُحدّ بالحدود الرسمية واللفظية، فمن حدّ الحب ما عرفه، ومن لم يذقه ما عرفه، ومن قال رويتُ منه ما عرفه، فالحب شرب بلا رِي». وعن الذات العليّة يقول: «البحث عن كُنه ذات الله إشراك، والعجز عن درك الإدراك إدراك». للجعفري مؤلفات كثيرة، منها: «كتاب المعاني الرقيقة على الدرر الدقيقة» وهو يقوم على شرح أبيات الجُنَيد، وفق السلوك والطريق، والأحوال والمقامات، والشيخ والمُريد. وللجعفري كتابه المشهور في علم التوحيد، وهو «فتح وفيض وفضل من الله في شرح لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله». وله كتاب «الإلهام النافع لكل قاصد على رسالة القواعد» وهو شرح لمنهج أستاذه الإمام أحمد بن إدريس - مؤسس المدرسة الشاذلية. وكتاب «الذخيرة المُعجِّلة للأرواح المُعطِّلة» وكتاب «الفوائد الجعفرية من أنوار الأحاديث النبوية» وكتاب «السيرة النبوية المحمدية المُسمّاة بالأقمار النورانية» وهو ثراء روحي يأخذ بالأرواح إلى مراقي الطُّهر والأُنس، بمؤانسة رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وللجعفري «النفحات الكبرى» و «الفيوضات الربانية بتفسير بعض الآيات القرآنية» و «أسرار الصيام للخواص والعوام» و «حقوق المُصطفى بين القاضي عِياض وصالح الجعفري» و «الغيث الثري من حِكَم الجعفري المُسمَّى بالحِكَم الجعفرية»، و «الألطاف الجعفرية في الاستغاثة برب البرية» و «زاد الوصول إلى حضرة الرسول» وغير ذلك من المؤلفات.