السعودية تدين الهجمات الإجرامية للدعم السريع على منشآت مدنية وإغاثية    المملكة وسوريا توقعان عدة اتفاقيات استثمارية    الجزائر تبدأ إلغاء اتفاقية خدمات النقل الجوي مع الإمارات    مانشستر يونايتد يهزم توتنهام ويحقق الانتصار الرابع تواليًا في «البريميرليغ»    برشلونة ينسحب رسميا من مشروع دوري السوبر الأوروبي المحتضر    فريق الأنوار التطوعي يشارك في فعالية «المشي من أجل صحتك» بحديقة الغروب في ضم    ليلة محافظة الحرث تضيء مهرجان جازان بحضور المحافظ وأهالي المحافظة    انطلاق المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع بجدة غدًا    اختتام أعمال المؤتمر الدولي الثاني عشر للجمعية السعودية لأمراض الروماتيزم    ضمن الجهود الإعلامية لوزارة الشؤون الإسلامية بث إعلانات ملتقى القيم الإسلامية عبر شاشات ملاعب دوري روشن يحقق أصداءً واسعة    عبر مؤتمر العلا..المملكة تفتح أبواب حلول مواجهة تحديات اقتصادات الأسواق الناشئة    تجمع جازان الصحي يحقق إنجازًا طبيًا غير مسبوق في عمليات القلب بالمنطقة    ضبط أكثر من 20 ألف مخالف لأنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود خلال أسبوع    مهاجم الهلال يثير الاهتمام مجددًا.. ليوناردو تحت مجهر الأندية البرازيلية    النصر يتحرك للبحث عن خليفة كريستيانو رونالدو    الفريق الفتحاوي يختتم تحضيراته لمواجهة القادسية    الأزمات تكلف ألمانيا قرابة تريليون يورو    زيلينسكي: روسيا أطلقت 400 مسيرة و40 صاروخا على قطاع الطاقة    القادسية يختتم تحضيراته لمواجهة الفتح في دوري روشن    أستراليا تطلق تجربة سريرية رائدة لعلاج أورام الدماغ لدى الأطفال    أمطار رعدية متوسطة إلى غزيرة على معظم مناطق المملكة    احتواء حريق اندلع في ثكنة عسكرية في العاصمة الإيرانية    مصرع ثلاثة أشخاص في حادث تحطم طائرة خفيفة بأستراليا    الاحتلال الإسرائيلي يصيب فلسطينيًا بالرصاص الحي بالضفة الغربية    نادي الاتحاد يصدر بيانا بعد لقاء النصر    ساعة تقدير مع حُماة البيئة في قوز الجعافر    35 وزيرا في الحكومة اليمنية برئاسة شائع الزنداني    محمد بن عبد الرحمن الدريبي… سيرة من ذاكرة جازان    من الصف إلى الحكاية: نادي النَّوَى يراهن على أدب الطفل    الاتفاق يكسب ضمك بثنائية في دوري روشن للمحترفين    افتتاح كونغرس الروماتيزم الخليجي2026 «تطوير رعاية أمراض الروماتيزم من خلال التعاون والابتكار»    قائد قوات الدفاع الجوي يرعى حفل تخرج معهد الدفاع الجوي    ثقافة وفنون الدمام تعلن عن استقبال أعمال معرض ( بدايات 2 )    المهنا: الدعاء لُبّ العبادة وسلاح المؤمن في السراء والضراء    خطباء الجوامع أشد انواع الظلم الشرك في عبادة الله    جمعية سفراء التراث» تطلق ملتقى معسكر «في يدي حِرفة    رابطةُ العالم الإسلامي تُدين الهجوم الإرهابي على بلدة "وورو" في جمهورية نيجيريا الفيدرالية    أخلاق الشعر    مدينة الملك سعود الطبية ضمن أفضل 100 مستشفى أكاديمي عالميًا والرابعة محليًا    8 فبراير: انطلاق النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي 2026    متقاعدو ضمد ينظمون فعالية «المشي من أجل صحتك» برعاية محافظ المحافظة    الشيخ يحتفل بعقد قران يارا    الإعلام الرسمي.. من الإبلاغ إلى صناعة التأثير    لجهوده في الأخلاقيات الطبية.. حلمي يكرم كشميري    كاتس: سنفكك حماس ونقضي على قدراتها.. إسرائيل تربط إعمار غزة باستكمال أهداف الحرب    أكد متابعة التحقيقات لمحاسبتهم.. «الرئاسي الليبي»: قتلة نجل القذافي لن يفلتوا من العقاب    أمير الرياض يستقبل سفير الكويت    16 مليار ريال مبيعات أسبوع    الأمن البيئي يضبط ناقل الحطب المحلي    أكد المضي في تطبيق العدالة الوقائية.. وزير العدل: 43% نمواً بمنظومة تنفيذ أحكام التحكيم    الاحتياط للسلامة    أمير منطقة جازان وسمو نائبه يعزّيان عريفة قبيلة السادة النعامية بالعالية في وفاة والدته    الحُمدي يشكر القيادة بمناسبة ترقيته للمرتبة الرابعة عشرة بالرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء    تحت رعاية الأمير عبدالعزيز بن سعود.. مدير الأمن العام يشهد تخريج الدورة التأهيلية للفرد الأساسي للمجندات الدفعة ال (8) بمعهد التدريب النسوي    اللواء الركن ساهر الحربي يرأس الاجتماع السنوي الخامس لقيادات القوات الخاصة للأمن البيئي بمنطقة حائل    البصيلي مفوضًا للإفتاء بمنطقتي عسير وجازان    نائب أمير جازان يعزي شيخ شمل السادة الخلاوية وتوابعها في وفاة والده    المملكة تعزي شعب الكونغو جراء انهيار منجم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ارتو الشاعر الحالم بلا رحمة
نشر في الحياة يوم 07 - 02 - 2011

باتريس تريغانو ليس مجرّد تاجر فن معروف مثل كثيرين سواه في باريس، فنشاطات الغاليري العريقة التي تحمل اسمه وتقع على مسافة بضعة أمتار من أكاديمية الفنون الجميلة رصدها كلياً للتعريف بأبرز وجوه التمرد في القرن العشرين. وكذلك الأمر بالنسبة إلى نشاطه الفكري والكتابي. فبعد البحث المهم الذي وضعه تحت عنوان «حياةٌ من أجل الفن» (دار «لا ديفيرانس» – 2006) وروى فيه مغامرته المثيرة كهاو وجامع قطع فنية، أصدر لدى دار النشر ذاتها حوارَين طويلين مع وجهَين متمردَين بامتياز: الشاعر والناقد الفني الفرنسي ألان جوفروا (2009) والشاعر والكاتب المسرحي الأسباني فرناندو أرّابال (2010). وها هو اليوم يطلّ علينا بروايةٍ مثيرة عنوانها «عصا القديس باتريك» (دار Leo Scheer) ويقصّ فيها السنوات العشرين الأخيرة من حياة أحد المع وجوه التمرد وأكثرهم خصوبة، الشاعر أنتونان أرتو.
منذ المشهد الأول في هذه الرواية، يتراءى أرتو في حالة ثورةٍ على المجتمع وقرفٍ من الوجود ومواجهةٍ عنيفة مع الحياة؛ حالةٌ يتبلور على أثرها شعوره العميق بمهمةٍ ماورائية تقع على عاتقه وهدفها إنقاذ العالم من خلال مفهومه الخيميائي للمسرح كمكانٍ سحري لتطهير الأهواء وإفراغ الدُمل. وفي هذا السياق نراه ناشطاً في دعوته إلى إعادة تحديد علاقة الممثِّل بجمهوره وإلى تقليص ديكور المسرح إلى بضعة أشياءٍ لها وظيفة رمزية، وإلى تكريس أولوية الإخراج وأداء الممثلّين على النص المكتوب، وإلى إثارة الأهواء المكبوتة للجمهور من أجل إطلاق الثورة وتحرير الإنسان. باختصار، مسرحٌ بلا كلام، ينبثق المعنى فيه من حدة الإخراج فقط ومن الروابط المدروسة بين الصوت والموسيقى وحركة الشخصيات التي تتحول إلى علاماتٍ روحية أو إلى أبجديةٍ حية، تماماً كالرقص التقليدي الكمبودجي الذي يصف تريغانو مشاهدة أرتو بعض حفلاته في إطار «المعرض الاستعماري الدولي» عام 1931 لإظهار أثر هذا الفن في مفهومه للمسرح.
وفعلاً، اقتنع الشاعر منذ تلك الفترة بأن «الارتجاف أو الصراخ أو التنهد أو الحضور المرئي لأشباح صامتة أو وقع خطى تتمتّع بقيمةٍ أكبر من أي خطاب»، فعمل من أجل «مسرحٍ يتوجه إلى الأعصاب ويُدخل التساؤل الميتافيزيقي من مسام جلدنا وليس من طريق الذهن»؛ مسرحٌ يقوم على العنف والإرهاب لإخراج النفوس من غيبوبتها. وحدّده أرتو على النحو الآتي :»مع مسرح القسوة، أريد أن أتخلص من وخم اللغة وعفونة السيكولوجيا. كفانا مسرحٌ شبه فكري لا يتوجه إلا إلى الذهن. عليه أن يتوجه إلى القلب والأعصاب. عليه أن يعيد إلينا كل ما هو مخبأ في أعماق كينونتنا. يجب تحريك الخوف وإخراج العنف والتوقف عن اعتبار المسرح كمكان تأملٍ وتسلية. أريد مسرحاً دموياً يحوِّل الممثّل وجمهوره. يجب إثارة الحواس وكشف الحب والجريمة والحرب وخصوصاً الجنون في جوانبها الأكثر بشاعة وفظاعة».
ونعرف داخل الرواية أن أرتو كان مدركاً صعوبة مهمته وعليماً بأن نضال الشعراء لا رحمة فيه وبأنه نضالٌ فاشل سلفاً. ولذلك نجده، بعد فشل مسرحياته الأربع على مسرح ألفرد جاري (باريس)، جاهزاً لتقيؤ مجتمعه والرحيل إلى المكسيك عام 1936 للقاء هنود تاراهوماراس ومجتمعهم النقي من ضرر الثقافة الغربية. والغاية؟ عيش انغماسٍ مساري في قلب الفكر السحري واستيعاب الميثات البدائية والدخول من الباب الكبير إلى العالم الطوطمي والتصالح مع معنى الخارق، إلى جانب نقلِ شهاداتٍ عن هذه الرحلة التي حلم بها منذ الطفولة.
ومن المكسيك، ننتقل داخل الرواية إلى قصة العصا التي وقعت في يد أرتو مصادفةً عام 1937 وتحولت إلى علّة حياته لاعتقاده، في حالته النفسية المريضة، أنها عصا القديس باتريك، مؤسس الكنيسة الإرلندية، وأن إرجاعها إلى أرض إرلندا سيُمكّنه من تحقيق نبوءة هذا القديس ومن تجنيب العالم كارثة محتمة ورد حقيقته إليه. وفي هذا السياق، نتعرّف على تفاصيل سفره إلى هذا البلد حيث عاش أزمةٍ صوفية حادة انتهت بفقدانه هذه العصا، ومعها، اتصاله بالواقع، كما نتعرّف إلى ظروف إدخاله إلى مصح «فيل إيفرار» للأمراض العقلية وإلى الظروف المخيفة لإقامته في هذا المصح على مدى خمس سنوات ثم في مصح «روديز» على مدى أربع سنوات حيث تلقّى 58 صدمة كهربائية.
وفي الصفحات الأخيرة من الرواية يتناول تريغانو المرحلة الأخيرة من حياة أرتو التي نشط خلالها أكثر من أي وقتٍ مضى فمنحنا نصوصاً تُعتبر من أجمل النصوص الشعرية وأكثرها ثورةً واحتداماً، كنص «وجهاً لوجه» الذي صفى فيه حساباته مع أطباء الأمراض العقلية ومع المجتمع المتواطئ في سَجنه...
لا تكمن أهمية هذه الرواية فقط في الشكل الذي وضعه تريغانو لها، أي كمجموعة مشاهد تشكل في تسلسلها بورتريه دقيقاً ومؤثراً لأرتو وهواجسه، بل تكمن أيضاً في عدم سعي تريغانو فيها إلى خط سيرةٍ إضافية للشاعر بقدر ما سعى ونجح في اختراق المسار المأسوي لحياته وفي إنارة بعض جوانبه المعتمة بواسطة كتابةٍ عصبية وانفعالية تتناغم وطبيعة أرتو نفسها فتكشفه لنا من أقرب مسافة منه، بحماسته واندفاعه الصوفي ثم الهرطوقي، ولكن أيضاً بشكوكه وهذيانه وآلامه وبلبلة ذهنه. باختصار، سعى أرتو بين جنونٍ وبصيرةٍ وكمتشرّدٍ طوال حياته خلف المُطلق.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.