في عصرنا الرقمي الخصب، تبدو مجتمعاتنا منساقةً نحو ثورة تكنولوجية أحدثت في بدايتها صدمة معرفية هائلة. لذا، لم يعد غريباً مشهد انتظار الملايين من الناس في طوابير أمام متاجر عالمية للحصول على أحدث تصاميم «الآي فون». وإذا كان «هوس الآبل» مبرّراً في زمنٍ باتت فيه الهواتف النقّالة جزءاً من ثقافتنا، إن لم نقل فكرنا وأجسادنا أحياناً، فإنّ تهافت آلاف القرّاء فجر اول من امس (الجمعة) على شراء النسخ الأولى من رواية الياباني الأشهر عالمياً هاروكي موراكامي الجديدة «مقتل قائد الفروسية» يُثير تساؤلات كثيرة، لعلّ ابرزها: كيف يمكن أن يغدو الأدب صناعةً رابحة؟ قبل البحث عن جواب، لا بدّ من التوقّف عند تجربة موراكامي، الروائي الذي اختار العزلة نمطاً لحياته الخاصة، بينما تجاوزت أعماله القارّات عبر ترجمات وصلت الى نحو خمسين لغة، بينها العربية، علماً أنّ صاحب «كافكا على الشاطئ» من أكثر الكتّاب المترجَمين قراءةً في اللغة العربية، وأعماله تروج في معارضنا، مشرقاً ومغرباً. عرفت طوكيو- المدينة الأكثر حداثة- ليلةً بيضاء تغلّب فيها شغف القراءة على سلطان النوم، بحيث أُسدلت الستائر عند منتصف الليل، عن الطبعة الأولى من روايةٍ سبق أن تحدّد موعد توزيعها في الأسواق، من دون كشف معلومات عنها. فاتسمت الضجة الليلية في المكتبات اليابانية بأجواء «سوريالية» تشبه الى حد ما أجواء كتاباته. وما زال احتشاد القرّاء بأعداد غفيرة وأصداء المبيعات تشغل الصحف اليابانية والعالمية. «مقتل قائد الفروسية» عنوان الرواية الضخمة (2000 صفحة)، الطبعة الأولى 700 ألف نسخة، بيع منها حتى الآن أكثر من مئة ألف نسخة في يومين، على أن تتبعها طبعة ثانية من 600 ألف نسخة أيضاً. موراكامي (من مواليد 1949) من الأسماء المرشحة سنوياً لجائزة نوبل، لكنّ شهرته جعلت منه «ظاهرة» عالمية تفوقت بتأثيرها الثقافي على كثيرين من الكتّاب النوبليين. فما حقّقه مُبدع «84 Q1» في اليابان وخارجها يُضاهي جماهيرية البريطانية ج. ك رولينغ التي كانت تُحدث زوبعة كلّما نشرت إحدى رواياتها الجديدة في سلسلة «هاري بوتر». ظاهرة «موراكامانيا»، كما يُطلق عليها النقّاد- والمقصود بها «هوس موراكامي»- تحمل أبعاداً دالّة في عصرٍ باتت فيه الثقافة الورقية مهددة بخطر الامحاء أمام هيمنة الأرقام. الموراكاميون المولعون بقراءة روايات كاتبهم المفضل علّلوا سهرهم أمام المكتبات بأنّهم يتسابقون على امتياز وضع «اقتباسات» من الرواية الجديدة على «تويتر» و «فايسبوك»، لكنّ مشهدهم بأعداد غفيرة وضعنا أمام حقيقة العلاقة الهشة بين القرّاء العرب وكتّابهم. فلا شكّ في أنّ بيننا كتّاب «بيست سيلر»، لكنّ «نجوميتهم» لم تساهم يوماً في جعل الأدب صناعةً عربية كما في دول غربية أخرى. واللافت أنّ معظم الكتّاب «الجماهيريين» هنا لا ينجحون في الجمع بين معادلة «الجمهور» والنقّاد. وإذا أتينا على ذكر نجيب محفوظ، الروائي الأشهر عربياً، نكتشف أنّ مبيعاته قبل «نوبل» لم تكن تتجاوز خمسة آلاف نسخة للكتاب. ولولا الجائزة العالمية لانتهى به المطاف روائياً ناجحاً بعيداً من متناول القرّاء العاديين.