منذ بزوغ نجمه في بداية الثمانينات، احتل الشاعر جان ماري غلايز (ولا يزال) الموقع الأكثر راديكالية أو طليعية في المشهد الشعري الفرنسي. فعمله الإبداعي، مثل عمله النقدي، موجّه كلياً نحو مساءلة ما يُسمّى اليوم «شعر» بهدف تجريده من بدائله وصفاته وتقديمه عارياً. وفي هذا السياق، رفض طوال مساره الغني بالاختبارات والأفكار الجديدة والمواقف الجريئة أن يقول شيئاً آخر سوى الشيء المقصود، كما رفض أن يُكلّل معنى الكلمات بسلطة استحضارها السلفية وأن يُبجّل أسطورة كلام موحى به وكاشف، فمارس شكلاً كتابياً يدين بالقليل لتاريخ الشعر ويُشكّل في الوقت ذاته مخرجاً لهذا الأخير وعملية تجديد ناجعة له. شكل مُسطّح، ملتصق بالواقع، مختزل إلى حدود غرضه وباهت، تنهزم داخله الخُرافة الملازمة للغة لمصلحة منفذ إلى ما هو كائن، إلى ما نعيشه معاً، إلى ما نحن عليه. وبذلك نستشفّ تيقّظاً سياسياً بقدر ما نستشف آنيةً روحية وجماليةً حرْفية كاملة وعارية. بمناسبة تخصيص مجلة Faire Part الشعرية الفرنسية عدداً خاصاً حوله، يتضمّن مقالات كثيرة ثاقبة تتناول مختلف جوانب عمله وبعض الحوارات المباشرة أو غير المباشرة معه، نتوقّف عند هذا الشاعر الذي لا يزال شبه مجهول في العالم العربي للتعريف سريعاً به وبأبرز أفكاره وإنجازاته. وتجدر الإشارة أولاً إلى أن محاولة وصف طريقة كتابة غلايز والحالة التي يضعنا فيها نصّه تشكّل عملية معقّدة جداً. فتقليصه جهد التسمية إلى أبعد حدّ يطرح مسألة مقروئية كتاباته. ولا نشير بذلك إلى صعوبة في فهم ما يقوله بقدر ما نشير إلى ظهور محرّكه السردي على شكل قطع مفكّكة، وحضور غنائيته بحلّتها الأبسط، الأمر الذي يجعلنا نفقد توازننا ونشعر بدوّار داخل جملته التي سقطت كل أقنعتها وتتوق إلى قول الشيء من أقرب مسافة ممكنة منه وبأكثر صدق وصواب. وهذا ما يحوّل عمله الكتابي إلى عمل خيبة أو إلى عمل إدراك خائب. غلايز شاعر موضوعي إذاً؟ لا تصلح هذه الصفة، التي حدّدها رامبو كهدف للكتابة الشعرية، لوصف حالة يبدو الشاعر فيها وكأنه فقد صوابه، بينما الأمر يتعلّق بتجربة صوفية بحتة. وفعلاً، من يتجرّأ اليوم على قول أنه يعرف غلايز جيداً وأنه تمكّن من محاصرته، وهو الهارب والمتورّط أبداً على درب يُلغي أي خطاب؟ شاعر طليعي، لا يمنعه موقعه من قراءة لامارتين من جديد. مؤرّخ حي للشعر المتوفّى، إنه أيضاً نسّاب ماهر حدّد ودرس جميع الشعراء الذين انحدروا من فرانسيس بونج، الشاعر الأقرب إليه، وباحث يعيش حالة حداد على موضوع بحثه (الشعر)، كما أنه مبتكر لأدب جديد، بواسطة مجلته Nioques، وللأدب القديم أيضاً من خلال المحاضرات الثورية التي يلقيها سنوياً حوله. أما كتبه فلا يمكننا قراءتها كما لو أنها دواوين شعرية عادية أو أبحاث نقدية عقلانية لأنها مفرّغة من أي مخطّطات شعرية أو سردية لإغراء القارئ، وبالتالي فإن فضاءها جديد ويصعب ولوجه عند الوهلة الأولى لتوفيره أقل مساحة ممكنة لما هو معروف أو معلوك أو مهضوم. وفيه يتقدم الشاعر ويتراجع داخل التاريخ ويُفصح عن حوار ويكشف باباً للخروج ويستبين نقطة انحلال المعاني ويستخرج نسغها القليل فيصنع نصّاً غايته لا التشييد ولا سد عطش ما ولا التعبير بل منح لغة لما هو كائن. ولفهم غلايز يقسم النقّاد عمله الكتابي إلى قسمين: من جهة، العمل النقدي الذي يقوم على تحليل الأعمال الشعرية والتيارات والمواقف، وعلى كشف الوسائل والمونتاج و «فضّ» السيل الغنائي من خلال الإدراك الحرْفي، وهو جهد تربوي مرصود لجمهور الطلاب والأساتذة، وجهد حربي لمقاومة الشعر المتعارف عليه وأربابه. ومن جهة أخرى، عمله الإبداعي الذي ابتكر فيه شعراً لم نعهده من قبل، فضاؤه منزّه من أي قدر مُعدّ سلفاً، تتفاعل فيه عناصر ذات سرعة كبيرة وأخرى بطيئة، وبالكاد يتصاعد منه شيء ما، كما يستحيل داخله تمييز الجانب الإبداعي من الجانب النقدي. فالقارئ مدعو إلى تتبّع تعرّجات سفر تأمّلي داخل الذات بلا إكراه أو خطف أو اغتصاب أو تماثُل أو معرفة أو تعليمات. ولذلك عليه أن يكون جاهلاً وحاضراً لأن يفقر ويتعرّى ويتحمّل الموكب السطحي والأبكم لعلامات تتحرّك داخل الفراغ. وعلى خلاف عمل غلايز النقدي الذي فرض احترامه منذ انطلاقته ويشكّل اليوم، لجميع الشعراء والباحثين في مجال الشعر، مرجعاً رئيساً لا يمكن تجاهله لفتحه آفاقاً جديدة أمام الكتابة الشعرية ومنحه منطلقات بحث غير متوقّعة، لم يحظ عمله الإبداعي بالوقع ذاته بل نجد اللغز الذي يُبرّزه هذا العمل مثقّلاً بصمت النقّاد الذين لا يزالون عاجزين عن التعامل مع عملية التسطيح وتخفيف التناقضات وإضعاف الألوان وإنهاك العواطف والانفصال عن الأسلوب التعبيري الفاعلة في نصّه حيث ينعدم أيضاً أي تحليق أو طاقة إضافية أو أداء حركي. وفي الوقت الذي يثير عمله النقدي فينا الفضول والرغبة في المعرفة، يقلقنا عمله الإبداعي ببُعده غير المحدّد ويجرّد اختباراتنا من جدواها بتقليصه التعبيرية إلى حدود العدم. وحتى تقسيم عمله الكتابي إلى نقدي وإبداعي، في معرض استقباله، يعكس عجزنا على قراءة ما لم نقرأه من قبل وعلى التفكير بما لم نفكّر به من قبل. فعمل غلايز الكتابي واحد وإن لم يتم تحديد نوعه بعد؛ عمل متحرّر من لوازم الاستعارة التي تحوّل النظرة إلى رؤية، ومن السلطة المستعبدة للصورة، ومن التشويش النحوي الذي يتراكم داخل فعل الكتابة؛ عمل يلمس الشاعر فيه عمق الأشياء فيمنحنا مادّة نثرية خالية من الأصداء وشبيهة بسلسلة من الاستنتاجات الباردة؛ عمل تشكّل فيه عملية السرد المكشوفة والمفكّكة الرموز والمفصولة عن لعبة التحريضات والانفعالات الزائفة، منفذاً أكيداً ومثيراً على الواقع. لكن بما أن الواقع لا اسم له ويستحيل تسميته أو بلوغه ولا مجال لمقارنته باللغة التي لا يمكنها إلا أن ترسمه أو تقلبه أو تحوّله إلى صورة، يعتقد غلايز أن الشعر هو مهمة مستحيلة يتعذّر التفكير بها أو تحقيقها (قول الواقع)، وأنه بالضرورة دائماً على مسافة قريبة من فشله أو استسلامه، لكنه، في الوقت ذاته، وفي غياب أي شيء آخر، المهمة المفيدة الوحيدة. وهذا الاستنتاج هو الذي قاد الشاعر إلى طرح السؤال التالي: «هل ثمّة شيء آخر بعد الشعر؟» وإلى تحديد الشعر كممارسة لهذا السؤال وإلى التحدّث عمّا سمّاه «ما بعد الشعر» (post-poésie): «يجب التفكير بذلك ضمن مفهوم الخروج من الشعر (أو من الفضاء المغلق للشعر كلغة وشكليات خاصة تتحلى بقيمة ثقافية محدّدة سلفاً). فكل شعر حقيقي «يخرج» أو يتمرّد على الحدود التي تفرضها عليه المؤسسات والوجوه الشعرية الطاغية، وبالتالي، فقط بإنكار نفسه، يصبح الشعر شعراً».