دار وإعمار توقّع شراكة رعاية مع نادي القادسية    وفد المملكة يستعرض أبرز انجازات إكسبو 2030    التجارة تنفذ 120 ألف زيارة تفتيشية وتعالج 182 ألف بلاغ تجاري خلال الربع الأول 2026    الحالة المطرية ترفع منسوب عدد من السدود بالمملكة إلى مستويات المفيض مع تصريف السيول    تطوير المدينة تطلق استديو التصميم العمراني    "رشاقة القصيم" تنطلق لتعزيز نمط الحياة الصحي    أمير جازان يستقبل شيخ شمل محافظة جزر فرسان    نائب أمير حائل يطّلع على مشروع تحديث الخطة الاستراتيجية لجامعة حائل    غرفة بيشة تنظّم لقاءً لبحث تحديات وفرص قطاع الأعمال مع فرع «الموارد البشرية» بعسير    تحت رعاية خادم الحرمين .. جائزة الملك فيصل تكرم الفائزين بها لعام 2026 غدا الأربعاء    رقابة مكثفة تثمر عن ارتفاع امتثال منشآت تبوك ل86% عبر 109 ألف زيارة ميدانية    أكثر من 90 ولادة للحياة الفطرية بمحمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية في الربع الأول 2026م    الرئيس الأمريكي يؤكد خوض مفاوضات دقيقة بشأن الحرب مع إيران    بتوجيه من وزير الداخلية..ترقية 1069 فردا من منسوبي الأمن العام    منسقة أممية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان وتدعو لتحرك دولي عاجل    حسب استطلاع HSBC: الشركات السعودية والإماراتية تُعطي الأولوية للذكاء الاصطناعي وإعادة هيكلة شبكات الإمداد لتحقيق المزيد من المرونة    استشهاد فلسطيني في قصف الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة    رئيس مجلس الشورى يرأس وفد المملكة المشارك في اجتماعات الجمعية العامة ال152 للاتحاد البرلماني الدولي    صالح آل عاطف الحبابي في ذمة الله    هيئة الأدب والنشر والترجمة تدشّن جناح المملكة في معرض بولونيا الدولي للكتاب 2026    معالي رئيس الشؤون الدينية يؤكد: الالتزام بتصريح الحج ضرورة شرعية ونظامية    نائب أمير منطقة مكة يستقبل وزير الحج والعمرة الدكتور توفيق بن فوزان الربيعة    كونسيساو: أنتظر «روح الغرافة» أمام الوحدة    أمطار القصيم تُبرز جمال رامة البدائع    نائب أمير حائل يطلع على تقرير هيئة تطوير محمية تركي بن عبدالله    خالد بن سعود يؤكد أهمية تعزيز ثقافة الالتزام البيئي    ارتفاع الأسهم    فواتير المياه المرتفعة.. معاناة مستمرة    رصد 70 طن مواد فاسدة داخل أحياء جدة    أمير الشرقية يشدد على الاستمرار في تطوير المعالجات المرورية    "إغاثي الملك سلمان" يطلق البرنامج السعودي التطوعي الافتراضي في سوريا    جهود لاحتواء التصعيد.. عرض روسي لاستقبال يورانيوم إيران    بحث تداعيات التصعيد الإقليمي.. البحرين والإمارات: تعزيز الشراكة والتعاون لمواجهة تحديات المنطقة    أدانت الهجمات وتهديد استقرار المنطقة.. المنامة تسلم مذكرة احتجاج للسفير العراقي    مطرب بالذكاء الاصطناعي يحصد نصف مليون مستمع    وزير الثقافة ونظيره الإندونيسي يناقشان رفع مستوى التعاون    مؤسسة البحر الأحمر.. شراكة لدعم صناع الأفلام    «أحمر مكة» يُدرّب 13 ألف مستفيد    قصر خراش في حائل.. شاهد تاريخي وإرث قديم    خسر ب"الركلات الترجيحية" أمام السد.. الهلال يودع دوري أبطال نخبة آسيا    نائب أمير مكة المكرمة يستعرض خطط واستعدادات الحج    استعدادات مُبكرة    «إسلامية الجوف» تنفّذ جولات رقابية على المساجد    الآسيوي يعتمد قائمة النصر    خالد النبوي يتكفل بعلاج الفنان سامي عبد الحليم    توصيات بشأن ارتفاع معدل الولادات القيصرية    التأمل التصويبي    «صحي المدينة».. شهادة «دعم الحياة في التوليد»    وزير الخارجية يجري اتصالا هاتفيا بنائب رئيس مجلس الوزراء وزير خارجية دولة الإمارات    يايسله بعد ترويض الدحيل: فخور ب"قتالية" لاعبي الأهلي رغم لعنة الإصابات    اعتذار ودموع في غرف الملابس.. خيبة أمل كبرى تسود مدرجات الهلال بعد موقعة السد    "سنبقى لنصنع التاريخ".. رياض محرز يوجه رسالة قوية لجماهير الأهلي من ملعب "الإنماء"    برعاية وزير التعليم.. انطلاق بطولة ذوي الإعاقة (كرة الهدف وألعاب القوى) للجامعات بجازان    الشؤون الإسلامية بجازان تُقيم ورشة عمل لشرح آليات تقييم شركات الصيانة والنظافة والتشغيل بمحافظة الحرث    حصار موانىء إيران عبور آمن للسفن وتقدم في المفاوضات    أمير منطقة جازان يستقبل شيخ شمل محافظة جزر فرسان    اللغبي يرأس اجتماعًا تنمويًا ويكرّم الذروي بقوز الجعافرة    أكد أنها امتداد لعناية القيادة بالحرمين.. السديس: صيانة الكعبة المشرفة تجسيد لإجلال البيت العتيق    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نقد لم يستوعب الفكر الاشكالي لإرنست رينان
نشر في الحياة يوم 03 - 02 - 2010

أودّ أن أبدي بعض الملاحظات على المقالة التي كتبتها ديمة الشكر في الصفحة الثقافيّة من جريدة «الحياة» الصادرة في 18 كانون الثاني (يناير) 2010 في نقدها كتابي «رينان ونظريّة الشكّ في الشعر الجاهليّ / ريادة مغيّبة واقتباسات دون مزدوجين».
كنت أتمنّى لو أنّ الكاتبة راعت أصول النقد غير أنّها في الواقع تمسّكت ببعض الأفكار المسبقة، وأساءت فهم الموضوع وبدت بعيدة من المنطق وقامت باستطرادات ميّعت أفكاراً وبترت أخرى. فعنوان مقالتها مثلاً «سمر مجاعص تناقش قضيّة الشعر الجاهليّ / طه حسين لم يسرق نظريّته من المستشرق الفرنسيّ رينان» هو عنوان مضلِّل يوحي بأنّي أنا صاحبة الفكرة الواردة فيه، في حين أنّه يعكس رأي كاتبة المقالة، مع العلم أنّها في مقالتها لم تستخدم أيّ دليل مقنع يسوّغ هذا العنوان المناقض تماماً لفكرة رئيسة في كتابي.
حاولت في كتابي أن أبرهن أنّ إرنست رينان هو رائد نظريّة الشكّ في الشعر الجاهليّ، وأنّ المستشرقَين الألمانيَّين نولدكه وألفرت، والمستشرق الإنكليزيّ مرجوليوث، وكذلك الأديب المصريّ طه حسين، قد أخذوا جميعاً نظريّاتهم في الموضوع نفسه عن رينان، ومن دون أن يعترف أيّ منهم بتأثّره به. فما كان ردّ الكاتبة ديمة الشكر على هذه الفكرة المحوريّة؟ لقد فهمَت من كتابي أنّ المستشرقين عزفوا عن الأخذ ب «نظريّة رينان المتخيّلة» (لم أفهم لمَ وضعت الكاتبة هذه العبارة بين مزدوجين يوحيان خطأً بأنّني ملصقة هذا النعت بالنظريّة!)، وحاولت أن تجد لمنطقها المعكوس مسوّغات فجعلت المستشرقين يهملون نظريّة رينان لعدم ثقتهم به وبلغته العربيّة (وهذا واحد من أمور كثيرة لم تستوقفني بحسب رأيها)! أمّا بالنسبة إلى تأثّر طه حسين برينان، فقد ساءها أمران. الأمر الأوّل يتعلّق بالمضمون، إذ إنّني استنتجت «استنتاجاً غريباً» قصيّاً من الفكرة المعهودة المثبتة في عدّة كتب عربيّة والقائلة بتأثير مرجوليوث ب «طه حسين».
أمّا الأدلّة التي استخدمتُها لتأكيد أخذ طه حسين عن رينان مباشرة، فقد أغفلت كاتبة المقالة ذكر بعضها، مثل الفكرة المشتركة بينهما في تعظيم شأن النبيّ محمّد، وقفزت عن بعضها الآخر، لا سيّما بحثيهما في مكانة قريش المصطنعة، ثمّ قامت بتسخيف ما تبقّى بخفّة مدهشة، كفكرة البحث في الفرق بين لغة القحطانيّين ولغة العدنانيّين أو لهجتيهما (ويؤسفني أنّ اللفظتين في هذا السياق مترادفتان على رغم استياء الكاتبة التي شكت «خلطي الفاضح» بين اختلاف اللهجات واختلاف اللغات). وبدلاً من مناقشة هذه الأفكار الجديّة، ولا سيّما فكرة غياب الفرق بين اللغتين في الشعر الجاهليّ التي كان رينان أوّل مفكّر حديث يبحث فيها، لا ك «وقائع» في المطلق، كما أسمتها الكاتبة، بل كحقيقة أثار غيابها في الشعر الجاهليّ الشكّ عند رينان.
أمّا فكرة التشكيك في وجود إبراهيم وإسماعيل وفي تحدّر العرب من إسماعيل، وهي فكرة خطيرة مشتركة بينهما، فبدلاً من مناقشتها شطّت لتتحدّث بالتفصيل عن تراجع طه حسين في شكّه هذا وعمّا جرى له مع رئيس نيابة مصر، وهذا ما لا يحتمله موضوعي الأساسيّ ولا هو يمنح نقدها أيّ غناء. أمّا الأمر الثاني فيتعلّق شكليّاً بالأسلوب، إذ إنّها تلومني على أنّ استعمالي لفظة «سرق» اقتصر على طه حسين دون غيره من الباحثين. والواقع أنّني لجأت إلى هذه اللفظة لأسباب عدة. فهي في معرض الحديث عن طه حسين تحديداً صارت مألوفة إذ تداولها من قبلي نفياً أو إثباتاً باحثون كثر. فعبدالرشيد الصادق محمودي قال إنّ طه حسين «لم يسرق» من أيّ من المستشرقين، وإنّما هو أفاد منهم جميعاً. فردّ عليه ابراهيم عوض مؤكّداً أنّ طه حسين «سرق» نظريّته من مرجوليوث، وذلك في مقالته المعنونة: «نظريّة طه حسين في الشعر الجاهليّ: سرقة أم ملكيّة صحيحة؟» (كتابي، ص. 114).
ومن ناحية أخرى، فإنّ معظم الباحثين الغربيّين في الموضوع قد أتوا على ذكر باحث سبقهم إليه، أمّا طه حسين الذي تفرّد بتخصيصه كتاباً كاملاً للبحث فيه، فلم يذكر أيًّا من سابقيه، وهذا ما أوردته في كتابي (ص. 107). لذا فليس ثمّة من غضاضة في استخدام هذه اللفظة في معرض الكلام على طه حسين.
أمّا قول الكاتبة إنّ «الأصل في البحث العلميّ طرح إشكاليّة ما، ثمّ البحث فيها وصولاً إلى نتيجة علميّة، على نحو تكون فيه النتيجة التي يخلص إليها البحث بمثابة الجواب العلميّ على التساؤل المطروح» وإضافتها «بيد أنّ التساؤل عن ريادة رينان المغيّبة أفضى إلى نتيجة خارج السياق: سرقة طه حسين من رينان مباشرة»! فيسمحان لي بأن أقول لها إنّ تساؤلها والنتيجة التي خلصت إليها غير دقيقين على الإطلاق. ويبدو أنّها لم تتبع بدقّة الإشكاليّة التي طرحها كتابي، وهي مناقشة الفرضيّتين السائدتين القائلتين إنّ نولدكه هو أوّل باحث حديث يتناول نظريّة الشكّ في الشعر الجاهليّ، وإنّ طه حسين استقى نظريّته من مرجوليوث. والنتيجة العلميّة التي أفضى إليها كتابي بعد دراسة عميقة هي أنّ رينان لا نولدكه هو رائد النظريّة في العصر الحديث، وأنّ رينان نفسه هو «ملهم» كلّ الباحثين اللاحقين في الموضوع، ومن بينهم طه حسين. وهكذا تكون نتيجة البحث في قلب السياق لا في خارجه.
ومن مآخذ الكاتبة عليّ أنّني وقعت، في جملة ما وقعت فيه، في شرك الخلط بين سياقين مختلفين، لأنّ السياق الذي انطلق منه رينان هو سياق لغويّ بحت يتعلّق بدراسة اللغة العربيّة، في حين أنّ السياق الذي انطلق منه نولدكه وألفرت ومرجوليوث وطه حسين هو سياق أدبيّ. ولست أنكر أنّ هذا الكلام قد يلقى صدى مقبولاً من الناحية النظريّة، غير أنّه سرعان ما يتهافت من الناحية الواقعيّة إذ إنّ التداخل بين السياقين اللغويّ والأدبيّ عند رينان واضح كلّ الوضوح لأنّ المادّة التي درس بواسطتها اللغة العربيّة في هذا القسم من كتابه، كانت القصائد الجاهليّة نفسها. ووجود هذين السياقين المختلفين لا يسوّغ بحال من الأحوال الموقف السلبيّ الذي اتخذته الكاتبة من نظريّة رينان، كما أنّ اعتبارها أنّ «تساؤلات» رينان لم ترقَ إلى مستوى الفرضيّة أو النظريّة العلميّة أمر يشتمل على الكثير من التبسيط والسذاجة.
وفي مفهومها أنّ نولدكه وألفرت قد توسّعا في بحثيهما وفقاً لما أملاه عليهما المنهج الفيلولوجيّ، من دون أن يستندا إلى ما كتبه رينان أيّ استناد. والصحيح أنّ عدم عودة رينان إلى مصادر عربيّة قديمة وعدم استشهاده بأمثلة شعريّة جاهليّة لا يمكن أن يحجبا ريادته في التنظير للشكّ في الشعر الجاهليّ، وتطبيقه الرائد للمنهج الفيلولوجيّ على هذا الشعر كما على الديانات السماويّة الثلاث، ولا سيّما المسيحيّة واليهوديّة. ولو كانت الكاتبة تعرف رينان جيّداً لأدركت تماماً أنّ أفكاره هذه لا يمكن أن تنحصر في سياق البحث في اللغة العربيّة نفسها وحسب. فالسياقات اللغويّة والأدبيّة والدينيّة متداخلة في أبحاث رينان.
وهذا ما ظهر في كتابي عند كلامي على فكرة الشكّ في القرآن (ص ص. 85 - 93). وقد ذكرت أنّ رينان انتظر ثماني سنوات قبل أن ينشر كتابه هذا لأنّه، كما قال في رسالة بعثها لأخته، يفضّل أن يحصل على وظيفة لائقة قبل أن ينشر هذا البحث الجريء الذي لطّفه بمهاراته في الأسلوب (ص. 14). كما تستطيع الكاتبة أن تعود إلى مقالتي عن «إرنست رينان وبدايات الصراعات الكبرى» التي بيّنت فيها الدور الذي أدّاه رينان في الترويج لفكرة الصراع بين الحضارات، وكذلك بين الشرق والغرب، بين الإسلام وأوروبا. وقد نُشرت هذه المقالة في مجلّة «الأبحاث» الصادرة عن كليّة الآداب والعلوم بالجامعة الأميركيّة في بيروت (عام 55 - 56، 2007 - 2008).
وثمّة أفكار في مقالة ديمة الشكر بدت بالنسبة إليّ عصيّة على الفهم، مثل قولها إنّ «إثبات العلم لصدقيّة المؤرّخين العرب في ما يخصّ اختلاف اللهجات، يدفع رينان إلى عدم الثقة بما دوّنوه ببساطة»، أو عصيّة على المنطق، مثل اعتبارها عودة طه حسين عن التشكيك بحقيقة وجود إبراهيم وإسماعيل بعد الضغوط التي مورست عليه دليلاً على عدم صحّة نظريّة أخذه عن رينان!!! كما أنّ ثمّة أفكاراً أخرى طرحتها من دون أن توصلها إلى خواتيمها مثل كلامها على أخذ رينان عن مرجوليوث، أو هي بسّطتها تبسيطاً مخيفاً مثل إنهائها مقالتها بقولها إنّه لم يكن ثمّة تغييب لجهود رينان، بل إنّ «كلّ ما في الأمر أنّ الفرضيّة غير صحيحة ولا أساس علميّاً يسندها».
كنت أتمنى لو كانت ديمة الشكر موضوعيّة في نقدها ومنطقيّة في أفكارها، لأنّ النقد البنّاء هو الغرض المرتجى. أمّا التهجّم على مؤلّفة الكتاب التي «لا تتورّع» و «فاتها» مرّات عدّة و«تجهد» و «لم يستوقفها» ووقعت في «خلط فاضح» فلقد جعلني أحار لكاتبة المقالة التي دفعت نفسها إلى استخدام هذا الأسلوب. وأمّا العبث بالأفكار الواردة في الكتاب فضرب من العبث يصعب السكوت عنه بقدر ما صعب الارتماء فيه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.