مع تكثيف التحركات الدولية لإعادة إحياء المسار التفاوضي بين إيرانوالولاياتالمتحدة، أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أن تحديد مدة وقف تخصيب اليورانيوم داخل إيران ليس مسألة تقنية أو فنية، بل قرار سياسي بامتياز، يخضع لتوازنات تفاوضية بين الأطراف المعنية أكثر من كونه إجراءً رقابياً صرفاً. وأوضح غروسي، في تصريحات نقلتها وكالات دولية، أن اللجوء إلى الخيارات العسكرية لا يمثل حلاً فعالاً للتعامل مع الأنشطة النووية الإيرانية، في إشارة إلى تعقيد الملف وتشابك أبعاده السياسية والأمنية، مؤكداً أن أي تقدم حقيقي في هذا الملف مرهون بتفاهم سياسي شامل بين طهرانوواشنطن. تأتي هذه التصريحات في ظل استمرار حالة الجمود التي أعقبت جولة المحادثات الأخيرة التي عقدت في إسلام آباد، والتي لم تنجح في تحقيق اختراق في القضايا الخلافية الأساسية، وعلى رأسها مدة تعليق أو تجميد تخصيب اليورانيوم، وهي النقطة التي لا تزال تشكل محور الانقسام الأكبر بين الجانبين. فبينما طرحت الولاياتالمتحدة مقترحاً يقضي بوقف التخصيب لمدة تصل إلى 20 عاماً ضمن أي اتفاق نهائي، عرض الجانب الإيراني تجميداً لا يتجاوز 5 سنوات، ما يعكس فجوة واسعة في التصورات حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني وحدود التنازلات الممكنة. ولا تقتصر الخلافات على مدة التجميد فقط، بل تمتد إلى ملفات أكثر حساسية، من بينها مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وآلية نقله أو تخفيض مستواه، إضافة إلى الجدل حول ما إذا كان سيتم إخراجه بالكامل من الأراضي الإيرانية أو الإبقاء عليه تحت رقابة دولية مشددة. وتشير تقارير فنية ودبلوماسية إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بكميات معتبرة من اليورانيوم عالي التخصيب، يُعتقد أن جزءاً منها مخزن في منشآت تحت الأرض في أصفهان، بينما يُرجح أن جزءاً آخر لا يزال في مواقع متضررة أو مدفونة مثل منشأة فوردو، ما يزيد من صعوبة التحقق الكامل من حجم المخزون ومصيره. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن هذا المخزون يمثل "العقدة الأشد حساسية" في أي تسوية مقبلة، إذ إنه يرتبط مباشرة بمسألة القدرة التقنية على إنتاج مواد قريبة من درجة الاستخدام العسكري، حتى وإن بقيت ضمن نطاق الاستخدام المدني المعلن. كما أن استمرار رفض طهران السماح بوصول كامل لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى بعض المواقع المتضررة يضيف طبقة أخرى من التعقيد، ويعزز حالة عدم اليقين بشأن الوضع الحقيقي للبرنامج النووي الإيراني بعد الضربات التي استهدفته خلال الفترة الماضية. وفي المقابل، تتمسك إيران بحقها في تخصيب اليورانيوم ضمن ما تصفه بالاستخدامات السلمية، رافضة أي صيغة تُفهم على أنها حرمان كامل أو طويل الأمد من هذا الحق، ما يجعل أي اتفاق مستقبلي مرهوناً بإيجاد صيغة وسط بين مطلب "الضمانات المشددة" الذي تدفع به واشنطن، و"الحق السيادي" الذي تؤكد عليه طهران.