القيم السامية والمبادئ الراسخة لا تتجزأ ولا تتغير ولا تتعارض، فهي منسجمة ومتسقة ومنتظمة، تُظل الأفق كله، وتخترق العمق جميعه، وإن من منظومة القيم الإسلامية العالية، والمبادئ الأخلاقية الرفيعة؛ خلق السماحة، التي دخلت في التعامل كل مسلك، وطرقت في التواصل كل فج، في اتساق عجيب وأمر مدهش، الذي وصل بها إلى التقاضي؛ حين يطلب المرء حقه، ويقصد نواله كله، فيأتي الإرشاد النبوي الكريم كما في صحيح ابن ماجه قال صلى الله عليه وسلم: (من طالبَ حقًّا فليطلبْهُ في عفافٍ وافٍ أو غيرِ وافٍ)كلماتٌ ومعانٍ وقواعد؛ تعزز بناء السماحة في سويداء القلوب وتجذرها في أعماق النفوس، إذا كان هذا في التقاضي المليء بالتشاحن والخصومة والعداوة والبغضاء وحب التشفي والانتقام والغلبة والانتصار، فحدثوني بعد ذلك عن السماحة في السعة، واليسر وجميل الخلق، وحسن التصرف في القربى والأقربين، إنها قاعدة في الإسلام أساسية، وركيزة أخلاقية عظيمة، شملت كل جوانب الحياة وتفاصيلها، وجاء هذا الأمر معززًا في كلام المصطفى – صلى الله عليه وسلم – كما عند البخاري في صحيحه : (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إذا باعَ، وإذا اشْتَرَى، وإذا اقْتَضَى)، سماحة تفيض جوانبها، وتمتلئ أركانها؛ ليعم التعاون والإخاء في المجتمع، ولتزهر الأخلاق حبًا وتكافلًا ورحمة، فيه المحافظة على العلاقات الطيبة مع مراعاة الحقوق وحفظها، ومن هنا كان حقًا له أن يُطالب به؛ ولكن بعفاف ولطف، يثمر حقًا من غير حقد، ويورث صفاءً من غير غبن، فتهنأ الحياة ويطيب العيش. د. حسين العنقري