النقص طبيعة بشرية، لازمة في جميع البشر إلا من عصم الله من الأنبياء عليهم السلام، والنقص نوعان خاص، ذاتي أو شخصي، ونقص عام، اجتماعي أو حضاري والنقص الذاتي هو النواة أو البذرة التي يتولد منها النقص الاجتماعي. ومن الواضح أن كل إنسان يسعى جاهدا لإتمام نقصه ( الذاتي )، وقد تختلف الوسائل التي يتم من خلالها معالجة النقص، فإما أن تكون مخبرية جوهرية وهي التي يكون مردودها إيجابيا، وإما أن تكون مظهرية شكلية وهي التي بلي بها كثيرون من الناس فزادوا نقصهم نقصا. ساعة يد يتجاوز سعرها ربع مليون ريال يحملها شاب في يده، إن الذي جعله يحمل هذه الثروة في ساعده هو إصراره على أن يكون مميزا بين أقرانه. وآخر خلع ملابس مجتمعه ولبس ملابس غربية دخيلة ليس لشيء إلا أنه أراد أن تسلط الأنظار عليه فلم يجد غير هذه الوسيلة. وآخر يستحي أن يركب السيارة القديمة، حتى لا يراه الناس فهو يجد نقصا في ذاته ويعتقد أن ركوب السيارة الفارهة هو الوسيلة لإتمام نقصه. وآخر في طريقة حلق لحيته، وآخر في تقليعة شعره. وفتاة تلبس كل جديد في عالم الموضات وجعلت من نفسها عارضة لهذه الموضة في الأسواق وأماكن الأفراح وتظن أنها قد تفوقت على بنات جنسها لأنها دائما السباقة إلى كل جديد. فهذه وسائل مظهرية وشكلية يسعى أصحابها من خلالها إلى إتمام ما يجدونه في أنفسهم من نقص يتخلف بهم عن مجاراة أقرانهم فحاولوا ولكن في الاتجاه المعاكس. إذن تبقى الوسائل المخبرية الجوهرية هي الحل الوحيد لإتمام هذا النقص، ومن هذه الوسائل رفع الجهل، والتزود بالعلوم الشرعية وكذلك العلوم الدنيوية التي نحتاجها لبناء حضاراتنا، حسن الخلق ومعاملة الناس بالحسنى، والهمم العالية والترفع عن الدناءة وأصحابها، والصدق ولين الجانب وبذل المعروف، وتحمل أذى الناس، وغيرها من الوسائل التي تجعل صاحبها مميزا في مجتمعه ومحبوبا ومقبولا عند جميع فئات المجتمع. ولو أمعنا النظر في مجتمعنا الذي نعيش فيه لوجدنا أنه يعاني من النقص في بعض جوانبه، وعلى نفس النسق الذي اتخذت فيه وسائل الإصلاح في النقص الذاتي، نجد ذلك متمثلا أمامنا في السبل التي تتم بها المعالجة في النقص الاجتماعي، وعلى ذلك فقد نحا المصلحون الاجتماعيون منحيين: منحى يقوم على إصلاح المجتمع ومعالجة النقص الذي يعاني منه من خلال إصلاح الباطن والظاهر وذلك من خلال التمسك بتعاليم الدين القويم والتخلق بأخلاقه وحمل رايته عاليا ومجاراة الدول المتقدمة. المنحى الآخر يبنى على نظرية تحرير المجتمع من القيود التي كبلت انطلاقته وأرجعته القهقرى كما يقولون على حد زعمهم ويرون أن الدين لا يكون محكما إلا في المساجد، فهم أرادوا أن يسدوا النقص الذي تعاني منه الأمة ولكنهم بتوجههم هذا أصابوا الأمة في مقتل بقصد أو بغير قصد وذلك بعد أن جوفوها من الداخل ونصبوها دمية تحركها الأيدي العابثة كيفما شاءت. ولا يخفى على المتأمل لحال المجتمع والمتابع للحركات الإصلاحية فيه أن هؤلاء الشكلانيين لا يهتمون بأمر الأخلاق في الإصلاح بل إن الأخلاق تعتبر عائقا أمامهم يحول بينهم وبين تنفيذ مشروعهم، ومن البروتوكولات المتعارف عليها بينهم تنحية الأخلاق جانبا حتى ولو ادعوها لكي تسير الدفة ويتحقق ما يصبون إليه من مشروعهم المستعار.. وإنه لمن المقرر عند العقلاء المنصفين على اختلاف أجناسهم وأطيافهم ومعتقداتهم، أن القاعدة التي تبنى عليها المجتمعات، والتربة التي تتعمق فيها جذور الحضارات هي الأخلاق، فبوجودها يكون البقاء والاستمرار والترابط والاستقرار، ومتى ما تخلت عنها أمة واستبدلتها واستعاضت عنها بغيرها فإن زوالها أمر محتوم ولو امتد بها الزمن وطالت بها الأيام فإن لها يوما معلوما. وهذه سنة الله في الحياة . علي بن طالب الهمامي