صور ولقطات للإرهاب الحوثي في خميس مشيط وأحد رفيدة    النفط يصل أعلى مستوياته منذ نحو 14 شهرا    90 دقيقة فقط.. طائرة مذهلة تستعد لعبور الأطلنطي    المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف: قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي اعترضت ودمرت (6) طائرات بدون طيار مفخخة أطلقتها المليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران    رقصة شعبية عراقية في استقبال بابا الفاتيكان أثناء وصوله بغداد    الأهداف تغيب عن الشوط الأول بين الهلال والرائد بدوري محمد بن سلمان    الإيسيسكو: السعودية رمز لقيم الاعتدال والتعايش بين شعوب العالم    "الصحة": تسجيل 384 حالة إصابة بكورونا    محافظ "منشآت" يؤكد: "يعيش قطاع ريادة الأعمال السعودي فترة ذهبية"    شرطة الرياض: القبض على تشكيل عصابي امتهن سرقة المارة ونشل الحقائب النسائية    صحة مكة تغلق مستشفى خاص 60 يوما    مخالفة أكثر من 400 منشأة في 5 أيام بتبوك    الجيش اليمني: مقتل 25 مسلحًا حوثيًا في مأرب وإسقاط درون مفخخة في تعز    إدانة أممية لإيران بسبب استخدام القوة الفتاكة في التصدي لاحتجاجات أقلية البلوش    أبها يفوز على الفتح بثنائية ويبتعد عن شبح الهبوط    السبب الحقيقي وراء استقالة عبدالله الدخيل من العمل ب النصر    التعادل الايجابي يخيم على مباراة الفيصلي والعين    ضبط قائد مركبة تعمد السير على أكتاف الطريق في عسير.. وإحالته ل«الهيئة المرورية»    جدة: كورنيش الألوان على واجهة البحرية يشهد تفاعلا من السكان والزائرين    نجران.. «حرس الحدود» يُحبط تهريب طن ونصف من الحشيش المخدر    الدوري الإنجليزي: سيتي يواجه يونايتد في المرحلة ال 27    أساطين المسجد النبوي.. معالم البناء الأول    رامي جمال يطرح "بتتجاوز" أول أغنية خليجية    «الحذيفي» في خطبة الجمعة بالمسجد النبوي: الأمن نعمة من الله يغفل عنها أكثر الناس (فيديو)    "الأرصاد": تنبيهات برياح نشطة وأتربة مثارة بعدد من المناطق وسحب رعدية ممطرة بالشرقية    "المواصفات" تدعو تجار وملاك محلات الذهب إلى التحقق من دقة الموازين.. وتحذر المُخالفين    نائبة بايدن في أول اتصال مع نتنياهو: سلوك إيران خطير    السفارة في نيوزيلندا تحذر من تسونامي بعد زلزال عنيف    تعاون بين الشركة السعودية للخدمات الأرضية و"منشآت" في مجال خدمات الطيران    "الشؤون الإسلامية" تغلق 10 مساجد مؤقتا في 5 مناطق بسبب كورونا    بالصور.. شابة سعودية تُشارك بكأس العالم للراليات الصحراوية.. وتروي قصتها    الصحة تفعل اليوم الوطني للمشي بجميع المناطق    هل تؤجل «الرشوة» التصويت على الحكومة الليبية الجديدة ؟    طريقة الحصول على لقاح كورونا في السعودية    وادي الدواسر: "البيئة" تنفذ حملة لمكافحة نواقل الأمراض الحيوانية    القيادة تهنئ رئيس غانا بمناسبة ذكرى اليوم الوطني لبلاده    المملكة: قلقون من تنامي وتيرة خطاب الكراهية ضد المسلمين    الصحف السعودية    "المركز الوطني للأرصاد" : رياح نشطة وأتربة مثارة على منطقة المدينة المنورة    السديس يوجه بتوفير لقاحات كورونا لمنسوبي شؤون الحرمين    الخدمات الطبية بوزارة الداخلية تطلق المرحلة الثانية لتقديم لقاحات فيروس كورونا    تدشين مركز لقاحات كورونا في إمارة الرياض    التويجري: ولي العهد أحدث تغييرا إيجابيا على خطط التنمية    مهرجان برلين السينمائي.. من وراء الشاشة        أحمد فتحي ل عكاظ: الكلمة أهم من اللحن            الناطق باسم قائد القوات العراقية ل"البلاد": المملكة حريصة على دعم أمن واستقرار بلادنا    هورفات يستعين بالشهري ومران    محمد بن سلمان يا عز المملكة وفخرها    مواجهة تحديات المستقبل وتحقيق التنمية ب«تمكين الموهوبين»    المعجب يوجه بالتنسيق بين النيابة وجهات الاختصاص لإنجاز القضايا    أمير جازان يدشن مشروعات تنموية في صامطة بأكثر من 720 مليون ريال    كلية القيادة والأركان تستضيف وزير الدولة للشؤون الخارجية    سمو أمير منطقة جازان يعزي في وفاة مدير هيئة تطوير المناطق الجبلية ورئيس بلدية مركز القفل السابقين    نائب أمير الشرقية يستقبل المدير الإقليمي لمكتب جريدة «الرياض»    حصول ولي العهد على جائزة الجامعة العربية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





«أغنية لهذا المأتم»: الحب والصداقة وجهان لدافع واحد
نشر في عكاظ يوم 22 - 01 - 2021


(1)
جاسم عساكر شاعر من فئة الشعراء الذين يطورون من تجربتهم الشعرية، حيث يمنح نفسه الرغبة الجامحة للوصول إلى آخر القلاع التي تتحصن فيها قصيدته، أعرف شغفه المتعلق بهذه الرغبة مذ خبرته وهو يهيئ نفسه للصعود على سلم القصيدة: يجوس داخل ذاته، يجلب عمالا يعبّدون الطرق لقوافل أحاسيسه ومشاعره المتجهة إلى كلماته، يفتح شريانا هنا، ويوسع شريانا هناك كي تعبر أفكار قصائده إلى رأسه دون عناء أو تعب، يفتح قناة للري تضخ من قلبه حتى تثمر أشجار الذين غرسوا بذور الحب في حقوله، ثم يطلق العصافير المعشعشة على أغصانها في فضاء قصائده وكأنها روحه وقد تحولت نجوما ساطعة.
وحين يضع قدمه على أول السلم، لا يخشى الانزلاق ولا السقوط، خطواته لا تترك أثرا من فرط خفتها. لكنها أيضا لا تغادر إلى أختها قبل أن تختنق من ثقل القدم عليها، وخفة الروح هي التي تجمع المتناقضين في شخصه.
وعندما يصل إلى أعلى ما يصل إليه، لا يعير الالتفات انتباها، ولا يصغي لصراخ الصدى الذي خلفته خطوات صعوده. بل يجلب سلما آخر من خياله، ويضعه أمام قصائده ثم يتركها تصعد وإشارات يديه تومئ للبعيد الذي لن يأتي أبدا.
قصائده في ديوانه الأخير «أغنية لهذا المأتم» من فئة تلك القصائد التي تصعد ولا تصل، وأيضا تصعد ولا تلتفت. أنها تحاول الانفلات من روابط الصعود لأجل الصعود أكثر، ومن روابط الالتفات لأجل شد الإصغاء إلى نفسه وعدم تشتيته خارج حدود القصيدة.
لذلك موضوعة الحب عنده تعكس تلك المحاولة في الانفلات، وقد تتوزع معانيها في فضاء قصائده بما يشبه الهاجس الذي لا ينفك يلقي بظلاله على كل قصيدة في ديوانه، سواء بدلالته القريبة، أو البعيدة الموحية.
ناهيك أيضا عن التصورات الأخرى التي تحايث موضوعة الحب كالعشق والغرام والفن أو كالتي تتقاطع معها كالمرأة الحبيبة أو الشعر أو الأصدقاء.
(2)
في قصيدته «مرايا الحلم» ص33 يتوسل الحلم ذريعة كي يحلق عاليا بحيث يعطي للحب معنى كونيا صوفيا:
سأسقط عني الأكفان حتى
أعود لجوهري في الحب عاري
فلي في الحب منقلبي وحشري
ولي في الحب فردوسي وناري
لكن في قصيدة أخرى «الفن معراج النفوس» ص77 التي يقول فيها:
ولنحتفل بالحب في أعراسه
ما الحب غير مباهج وأغاني
يضع الحب هنا كنتيجة تفضي إليها من خلال الدور الفاعل الذي يلعبه الفن في حياة الناس باعتبار هذا الأخير يساهم مساهمة كبيرة في رفع الضغائن والأحقاد التاريخية والكراهية.
هنا رؤيتان للحب الأولى رحبة تعانق الكون في سعتها كما هي رؤية المتصوفة بينما الأخرى رؤية للحب ضيقة بسبب حمولتها الأخلاقية التي تحد من الممكنات التي توفرها رؤية الحب مجازا حتى لو كانت هذه الحمولة تتوسل الفن كشرط للوصول إلى هذه الرؤية.
ولو قرأنا قصيدته «صوتك سرب من الأطفال» ص99 فإنها تسير على نفس المنوال. لكن بإيقاع داخلي حميم، فالصوت الجميل الذي يصدح بالغناء يزلزل كيان الشاعر ويهز وجدانه، ويستدعي من خلالها ذكرياته في تدفق منسجم مع صوت الغناء. لكن القصيدة تقطع هذا التناغم فجأة:
وسألتني ما الحب؟ قلت: تأملي
كبدا بها منه اشتعال جحيم
من ليس يسهر في انتظار حبيبة
مهما يُحمّ فليس بالمحموم
تكوى حشاه إذا أحب فصدقه
صدق اللهيب بدعوة المظلوم
إلى أن يقول:
من أين يأتي الحب ؟؟ من زنزانة
من وجه فجر.. من دجى مأثوم
أنهيت في كنف الحياة إقامتي
إن كان فيها الحب غير مقيم
وهذا بدوره يضع الحب في مرمى العشق بما يشبه تبادل المواقع. لكنه في نهاية القصيدة يعود ليعطي للحب رؤيته الطهرانية الكونية.
هذا الانتقال السريع في تعدد الدلالات والمعاني للمفردة الواحدة وهنا الحب، هي من المعضلات الكبرى للشكل العمودي في الكتابة الشعرية.
أما رؤية الحب الأكثر ثراء في الدلالة والمعنى وزاوية النظر في مجموع قصائده نجدها في قصيدة «ترنيمة الحب» ص53
التي تأسطر الحب تارة، وتتأمله بخبرة الحواس اليومية تارة أخرى، وتناجيه روحيا تارة ثالثة وكأنه هنا سعي حثيث في توسيع دلالة الحب بدءا من «جنان آدم» مرورا بانتباه الماء حين يحط عصفور الحب على غصن بأقصى الحديقة، وليس انتهاء برحلة هذا الحب في الفؤاد وما يحدثه من تحولات تتعرف فيها الروح على صفاتها ومشاعرها العميقة.
إنها صور متلاحقة من الدلالات التي تصب جميعها في توسيع معنى الحب وإثرائه إنسانيا بالدرجة الأولى.
لكن استدعاء أسطورة العشق بين عروة بن حزام وعفراء العذرية يضع دلالة العشق في ارتباط وثيق بالحب، والذي أعطى هذا الارتباط عمقا خلاف ما رأيناه في القصائد السابقة هو التوظيف الأسطوري في القصيدة الذي جاء مكثفا ودالا.
(3) للوهلة الأولى يكاد الدافع العميق الذي تتحرك في أفقه قصائد الديوان هو الحب، وإذا كان الحب يستدعي في جوانب منه صورة الحبيبة، فإن هذه الصورة أصبحت الوسيط المجازي الذي يستدعي من خلالها الشاعر مواضيعه الشعرية التي لا تخلو منها قصيدة، فمثلا حينما يقارب اللغة العربية فإنه يقاربها بقصيدة تحت عنوان «فتاة يعرب» ص41 تلك الجميلة العذراء المدللة بينما فتاة الأوتار في قصيدته «تعهدي هذه الأوتار» ص153 لا تعدو كونها فتاة متخيلة يخاطب من خلالها النغم الذي يصقل روح الإنسان ويعيده عنصرا من عناصر الكون.
لكنّ الدافع العميق الذي يكمن وراء الحب هو أيضا الدافع في كتابة الشعر، فالرابط وثيق عند جاسم فالروح التي تشف في جوانبه تشي بهذه العلاقة. لذلك الصداقة عنده هي الوجه الآخر للحب، فلا غرابة إذا ما أهدى ديوانه «لشجرة الأصدقاء الوارفة» وليست الأغنية المعنون بها الديوان سوى هذه الشجرة في وجهها الأول والحب في وجهها الآخر بينما المأتم هو ما يليه حين تؤدي الأغنية طقوسها لإماتته.
هناك قصائد في الديوان يرتفع فيها منسوب العاطفة المتكئة على التفات الذاكرة، بالخصوص القصائد التي تتحدث عن الأم أو الأب بوصفهما الرابط الأكثر استفزازا للمشاعر وتحريكا لدافع الكتابة الشعرية. لكن قصائد المناسبات الأخرى لا تقع في دائرة الشعر عندي. دائما ما تكون القصيدة محدودة المخيلة حين تحد بقصديتها.
وعلى الرغم من المناخ الرومانسي الذي يطغى على الديوان، بمفرداته القريبة من الطبيعة والمستلهمة للأرض البكر، إلا أن قصيدة جاسم بالنهاية تنطوي على ميزة نادرا ما نجد لها نظيرا عند مجايليه، هي سرعة تطورها من التراكيب البسيطة إلى الأكثر تطورا وتعقيدا، وذلك منذ ديوانه الأول «شرفة ورد» إلى «أطواق الشوك».


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.