بعض الكتّاب تحتار في فهم ما يقصدون، كأنما هم يكتبون لأنفسهم دون تفكير في دور القارئ في فهم أو عدم فهم ما يكتبون، وكأن الكتابة لديهم جهد سريالي، لا هدف له سوى ملء المساحة المخصصة للكاتب في الجريدة، وإن كان ذلك بكلام لا يفهمه غير كاتبه، وقد يسأل ذلك الكاتب، ولماذا لا يفهم القارئ ما أكتب؟، ويمكن الإجابة عن هذا السؤال بسؤال في الاتجاه المعاكس، ولماذا لا تكتب ما يفهمه القارئ؟، وفي مثل هذه الإشكالية تتفرع أسئلة منها: هل من المفروض في الكاتب أن يكون صدى لقرائه يكتب ما يريدون وبأي أسلوب يتقنون، أم أن عليه الارتقاء بمستوى قرائه من خلال الطروحات التي يجدها مجدية في تأصيل الوعي لدى القارئ؛ ليكون على مستوى فهم ما يريد الكاتب الوصول إليه من أهداف حين طرح أفكاره، وبأسلوبه الخاص الذي قد يستعصي فهمه على بعض القراء؟. بعض الكتابات قد تفهم ولا تفهم، والكاتب ليس ملزما بالتخلي عن شخصيته وأفكاره من أجل القارئ، لكنه في الوقت نفسه ملزم بإيصال رسالته إلى القارئ، وهذا يعني أن يكتب وبأسلوبه الخاص ما لا يستعصي على فهم القارئ؛ لأن الكتابة وخاصة الصحفية منها تقتضي الوضوح بقدر ما تقتضي من جمال الأسلوب وليس تعقيده، لأن الكتابة الصحفية ليست ألغازا على القارئ حلها، ولكنها وسيلة للوصول إلى القارئ، ونقل رسائل الكاتب إلى قرائه دون حذلقة كلامية، أو تعال على القارئ، ففي هذه الحالة تكون الكتابة ترفا واستعراضا، وليست هدفا للإصلاح، وتقويم ما تعثر من أساليب الممارسة الحياتية العامة. وقد ولى عهد الكتابة من البرج العاجي الذي كان يتحصن به الكاتب في الماضي باعتبار الكتاب فئة نخبوية مترفعة عن كل من حولها وما حولها، وقد عفا الزمن على هذا السلوك في الكتابة، لتصبح الكتابة أكثر التصاقا بالناس، وأكثر تعبيرا عن حياتهم ومشاكلهم الخاصة والعامة. ثمة فرق بين الكتابة الصحفية والكتابة الأدبية التي قد تحتاج في بعض الحالات إلى عدم الوضوح طبقا للنظرية النقدية الداعية لمشاركة المتلقي في كتابة النص من خلال تفسيره وفق خلفيته الثقافية، وقدرته التحليلية في فك رموز النص؛ لكن الكتابة الصحفية أبعد ما تكون عن هذه الأجواء، لأنها تعتمد على الوضوح غير المخل بوسائل الكتابة الخالية من العيوب الأسلوبية، لأن الهدف هو الوصول إلى القارئ سواء في طرح الأفكار أو نقل المعلومات، حول ما يراد إصلاحه أو تقويم مساره في مختلف المجالات التنموية أو الحياتية ذات العلاقة بهموم المواطنين في حياتهم الخاصة والعامة. الكتابة الصحفية ذات هدف إصلاحي مباشر، دون أن يلغي ذلك أساليب الكتابة الأخرى، وخاصة الإبداعية منها والتي قد يفسدها الأسلوب الصحفي، لأنها تتجنب المباشرة التي هي من مقتضيات الكتابة الصحفية، فهي تنقل الفكرة من الكاتب إلى القارئ مباشرة، دون معوقات بيانية أو أسلوبية، أو محاولات الترفع من الكاتب على قارئه، ومثل هذ الترفع هو في الحقيقة مقبرة الكاتب الصحفي، لأنه لا يستطيع أن يمارس أسلوب الكتابة الإبداعية على أسلوب الكتابة الصحفية، التي تقتضي الوضوح مع المحافظة على حسن الكتابة بلغة سليمة خالية من التعقيد والتشفير واللعب على وتر فهم القارئ أو تضليله. مع أن القارئ في هذا الزمن أصبح على درجة من الوعي تتيح له معرفة اتجاه أي كاتب وأهدافه، حتى أصبحت مقولة: الكاتب الذكي هو الذي يعتبر القارئ أذكى منه، حقيقة لا مفر من الاعتراف بها. الغموض لن يؤدي إلى كسب القارئ، بل إلى نفوره، فما الجدوى من أن يقرأ القارئ كلاما لا يفهمه، بل لا يسعى إلى فهمه بعد أن شغلته ظروف الحياة عن التفكير حتى في نفسه، وليس فقط في تفسير كتابات أي كاتب.