يتعجب الكثير من كوني شاعر عامية أكتب بالفصحى ولي ديوان مكتوب بها ومطبوع في عدن وديوانان تحت الطبع اما العامية فقد بدأت تلفت انتباهي من بيتنا ومن أمي بالتحديد والتي كانت تحفظ وتردد الكثير من الامثال والتعبيرات الشعبية وكان في قريتنا شاعر اسمه ابوزيد الهلالي فضلا عن جو الموالد الشعبية بكل طقوسها واهازيجها ومواويلها والتي كانت منتشرة في قريتنا. وعندما انتقلت الى القاهرة كطالب جامعي وسكنت في حي "المطرية" فجأة وجدتني أكتب كلاما أقرب الى شعر العامية مثل القصيدة التي كتبتها عن فتاة كانت تسكن في منزل ملاصق للمنزل الذي كنت أسكن فيه.. ويقول مطلعها "عطشانه للحب مستنية في الشباك" وكان أيامها وبالتحديد عام 1956 قد صدر ديوان لصلاح جاهين عنوانه "كلمة سلام" فوجدنا ان هذا الكلام العامي الذي نكتبه منشور ومطبوع في ديوان فاحتفينا به جدا وكنا نقوم بتوزيعه وبدأت أشعر بأنني يمكن ان افعل مثله، وبالفعل مع الاستمرار في الكتابة والتجريب نشرت أول قصيدة لي بعنوان "اغنيات للايدين السمر" وهي القصيدة التي أصبح عنوانها عنوانا لاول ديوان لي عام 1957.. وهنا لايمكن ان نتجاهل كتاب الاغنية العظام في ذلك الوقت، لان ماقدموه كان تمهيدا للطريق أمام شعراء العامية، وكان منهم احمد رامي وبديع خيري وسمير محجوب وصالح جودت وأبو السعود الابياري، وغيرهم وأذكر انني عندما ذهبت الى القاهرة كانت تضج بالندوات الثقافية والامسيات الشعرية، وكان هناك رجل اسمه عبداللطيف السحرتي يرأس رابطة الادب الحديث، وكان يجتمع فيها الشعراء كل ثلاثاء ويلقون اشعارهم، وكان منهم حامد الاطمس ونجيب سرور وفؤاد قاعود الذي كان مجندا بالجيش. وكنت قد تعرفت على صلاح جاهين في مجلة "صباح الخير" فعرفني بالكاتب الفنان حسن فؤاد الذي ارسلني على الفور الى فؤاد حداد.. وبشكل عام كان شعر العامية قد بدأت الانظار تلتفت اليه بقوة خصوصا بعد ان أصدر احمد رشدي صالح كتابه (فنون الادب الشعبي) واصدر حيرم الغمراوي (أدب الشعب) فبدأت الانظار تلتفت الى جماليات الادب الشعبي الذي لايختلف عن الادب المكتوب بالفصحى وكنا تلقائيين نكتب انفسنا كما نحن وانصهر شعر العامية في اتون المعركة الوطنية والصراع ضد الاستعمار، وخاض معارك الاستقلال الوطني، وعبر عن قضايا العمال والفلاحين وكشف رموز الاستغلال والفساد السياسي، كل هذا جعله يرتبط ارتباطا كبيرا بالناس وتطورت ادواته الفنية، ولعب دورا كبيرا في تحريض الجماهير ولا أعتقد ان أحدا من الذين عملوا بالسياسة في تلك السنوات الا وارتبط بشكل أو بآخر بشعر العامية اما الان وبعد ان تغيرت الامور فقد تم تفريغ الوطن ووجدانه الثقافي، وتم تفريغ الثقافة من السياسة، ووجدنا نقاد الحداثة منذ السبعينيات يروجون لفكرة ان العمل السياسي يفسد الاديب، وان الاديب ينبغي ان يكون بعيدا عن السياسة، وهي كلمة حق يراد بها باطل، وهدفها الا يكون للاديب موقف أو مبدأ، مع تغذية الروح المصلحية فيه، وتم هذا بخطط محكمة ومن خلال جمعيات ثقافية ونقاد وأفراد ومؤسسات لتفريغ المبدعين من السياسة وابعادهم عن هموم الوطن وقضاياه.. هذا هو ماتم تحت مسميات الحداثة حينا وتحت مسميات عصرية احيانا أخرى، وانا اعتقد ان هذا الاتجاه قد نجح في مصر الى حد كبير خصوصا عندما تبنته السلطة الثقافية وفي نفس الوقت طردت الاحزاب مثقفيها ومبدعيها فتلقفتهم تلك المؤسسة وأصبح طريقها هو الطريق الوحيد المفتوح امام المبدعين لنشر اعمالهم، وهكذا أصبحنا نعيش فترة رغاوي الهزيمة بما في ذلك هزيمة الشعر.