إذا كان القرن الماضي بويلات الحربين العالميتين: الأولى والثانية، قد أخرج عشرات الكتاب والأدباء والفلاسفة والفنانين من أوروبا الغربية والأمريكتين، فإن الجزيرة العربية، التي شاركت مشاركة فعالة في «الحرب الأولى»، وحايدت في «الحرب الثانية» إلا من مساعدات فرضت عليها: النفط والخوف من بطش الأقوياء، كان لها نصيب من ذلك، وإن بدا غير محسوس أو غير معترف به من السبّاقين من أدباء وشعراء مصر والشام والعراق، بسبق دولهم إلى المدنية والتقدم والرقي، عندما كانت الجزيرة العربية إجمالًا تتعثر في فقرها وقلتها في كل شيء. إن أول هؤلاء الذين يشرُق بهم تاريخهم وتسطع بهم ذاكرتي، هو هرم الأدباء والكتاب والمترجمين والنقاد والمحللين السياسيين: الأستاذ عزيز ضياء. فقد ولد في مطلع العام الذي شهدت نهايته بدايات الحرب العالمية الأولى (1914م)، ليعيش تلك الحرب وهو لا يدري منها شيئًا في رضاعه وفطامه، ثم ليفيق وهو ابن الخامسة ليجد نفسه طفلًا خائفًا زائغ البصر والنفس، فوق وبين كوام من الأمتعة، وحوله أمه وخالته و«دادته» وجده، ودموعه وهي تسيل على لحيته البيضاء، وشفتاه لا تكفّان عن الصلاة على النبي وترديد الآية الكريمة: «إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد»، ليعلم أن الشيء الذي كان يهتز به هو: «سفر برلك» أو آخر عربة قطار تغادر المدينة المنوّرة إلى دمشق، وهي تحمل رعايا الدولة العثمانية إلى بقايا أراضيها في الشام، بعد أن أصدر «فخري باشا» والي المدينة المنوّرة العثماني أوامره بالرحيل عنها، بعد أن استولى «الشريف الحسين» على مكةوجدة والطائف وينبع، وسقطت القدس وفلسطين في يد البريطانيين، وبيروت ولبنان في يد الفرنسيين، ليرى هناك بعد حين في دمشق وحلب وحماة بقايا الجنود العثمانيين و«الألمان» وخوذاتهم وسياراتهم و«جبخانات» أسلحتهم، ولتروعه من قبل مشاهد الموت جوعًا ومرضًا على أرصفة الشوارع والميادين وفي المساجد والطرقات، ثم ليعود بعد ذلك من القنطرة إلى اللاذقية، ثم عبر البحر إلى (ينبع)، ثم فوق الجمال إلى (المدينة) ثانية، وقد فقدت العائلة جده الشيخ وخالته الحسناء و«الدادة» التي قتلتها مشاهد الحزن والأسى على الأسرة، وما آل إليه مصيرها من تشرد وفقر ومرض وضياع، فلم يبق معه إلا والدته الصابرة المكافحة، التي استوقفت «الجمّال» بعد أن بلغوا محطة «الاستسيون» في المدينة المنوّرة، لتتوضأ وتصلي صلاة الشكر لله لعودتها إلى «المدينة المنوّرة»، وهي تلعق ترابها مرة، وأخرى، وثالثة، ودموعها تسبق ركوعها وسجودها. كانت قراءات الأستاذ عزيز للإنجليزية سببًا لتعرفه على كثير من رموز الأدب والفكر والفن في العالم، والإعجاب بهم وبأعمالهم الأدبية والفكرية والمسرحية والموسيقية، بل وأحسب أن تلك المعرفة والإعجاب كانا سببًا رئيسيًا في كتابة كتابه الجميل: (جسور إلى القمة)، الذي ترجم فيه حياة سبعين من ألمع أدباء ومفكري وفناني العالم من العرب والمسلمين والغربيين. فكان من بينهم اثنان وثلاثون من أدباء ومفكري وفناني أوروبا ك «روسو» و«ديكارت» و«موليير» و«شو» و«شوبان» و«دافينشي». على سبيل المثال، بل وأحسب أن الإعجاب بهم كان أحد دوافعه الأساسية لترجمة الكثير من أعمالهم، وأعمال غيرهم التي بلغت ما يزيد على ستة عشر عملًا، كان في مقدمتها ترجماته لأعمال (سومرست موم) القصصية، ولأعمال «طاغور»، وبعض مسرحيات «أوسكار وايلد»، و«الخادمتان» جان جينيه، و«مدرسة الزوجات» ل «تولستوي»، إلى جانب ترجمته لرواية «عهد الصبا في البادية» التي كتبها مؤلفها «إسحاق الدقس» بالإنجليزية عن الحياة العربية في البادية، إضافة إلى ترجمته الضخمة لرواية «العالم عام 1984» الشهيرة لمؤلفها جورج أرويل. لقد استغرقته التراجم كثيرًا وطويلًا إلى جانب مقالاته اليومية والأسبوعية في الصحافة، وتعليقاته في الإذاعة، ومحاضراته في الأندية والجمعيات، ولكنه التفت في اللحظة المناسبة لكتابة قصة حياته، وكأنه قد أخذ بقول القائلين: إن أجمل قصة في حياة الكاتب هي قصة حياته! ليكتب حياته مع (الجوع والحب والحرب) في ثلاثة أجزاء لا أجمل ولا أمتع منها، وكان طبيعيًا أن يهديها ل «أمه»، وأن يقدمها ل «ولده»، وكان رائعًا أن يصدرها بالمثل الفرنسي الذي يقول: «الحياة كالبصلة.. يقشرها المرء وهو يبكي». 1999* * كاتب وصحافي سعودي «1940 - 2021».