يسدلُ الزمنُ ستارَهُ إيذانًا بانتهاءِ الفترةِ الدراسيةِ الأولى، تلك المرحلة التي لم تكن مجرد أيامٍ تُعد في دفاترِ التقويم، بل رحلةٌ طويلةٌ مثقلةٌ بالجد والاجتهاد، عامرةٌ بالتحديات، نابضةٌ بالمواقف، ومشحونةٌ بالمشاعر المتناقضة التي لا تُختصر في كلمةٍ واحدة. ها هو الفرحُ يطرقُ القلوبَ طرقًا رقيقًا، فرحُ الإنجاز، فرحُ الوصول، فرحُ من حملَ العبءَ طويلًا ثم وضعه أخيرًا على عتبةِ الراحة، فرحُ من سهرَ الليالي، وصارعَ التعب، وواجهَ فتورَ الهمّة، ثم خرجَ من المعركةِ أكثرَ صلابةً ونضجًا، إنّه فرحٌ لا يجيءُ صاخبًا، بل هادئًا عميقًا، يشبهُ ابتسامةَ الرضا التي تسبقُها دمعةُ إرهاق. ومع الفرح، ينسابُ شعورُ الانعتاق؛ إحساسٌ دافئٌ بإزاحةِ الحملِ عن الكتفين، وكأنّ الروحَ تلتقطُ أنفاسَها بعد سباقٍ طويل، تنفرجُ الصدور، وتخفُّ الخطوات، وتستعيدُ الأرواحُ شيئًا من خفّتها التي أثقلتها الواجباتُ، والاختباراتُ، وضغطُ الوقت، وتتابعُ المسؤوليات، إنّها لحظةُ مصالحةٍ مع الذات، لحظةُ اعترافٍ صامتٍ بأنّ ما أُنجزَ لم يكن هيّنًا، وأنّ الصبرَ كان البوّابةَ الأولى للنجاح. غير أنّ هذا الختام لا يخلو من مسحةِ حزنٍ شفيفة؛ حزنٍ جميلٍ لا يوجع، بل يحنّ، حزنُ الوداعِ المؤقّت لأيامٍ ألفناها، ولمقاعدَ شهدت تعبَنا، ووجوهٍ شاركتنا القلقَ والفرح، والانكسارَ والنهوض، حزنُ من أدرك أنّ بعض اللحظات، وإن كانت متعبة، فإنّها حين تمضي تتركُ فراغًا لا يملؤه إلّا الذكرى. لقد كان فصلًا دراسيًّا طويلًا، مكتظًّا بالعملِ والمثابرة، مشبعًا بالتعلّمِ والتجربة، لم تُقَسْ فيه الإنجازاتُ بالأرقامِ وحدها، بل بما تعلّمناه عن أنفسنا: عن قدرتنا على الاحتمال، وعن قوّتنا حين نظنّ أنّنا على وشكِ الانطفاء، وعن أملٍ يتجدّد كلّما ظننّا أنّ التعبَ قد غلبنا. وهكذا، نقفُ عند نهايةِ الفترةِ الدراسيّةِ الأولى بقلوبٍ مزدحمةٍ بالمشاعر؛ فرحٌ بالإنجاز، وارتياحٌ بانقضاءِ العناء، وحنينٌ لما مضى، وتطلّعٌ لما هو آتٍ، نهايةٌ ليست توقّفًا، بل استراحةُ محارب، وبدايةُ وعيٍ جديد، نُغلقُ بها فصلًا من العطاء، ونفتحُ في القلبِ فسحةً للأمل، استعدادًا لما تحمله الفصولُ القادمة من حلمٍ أكبر، وخطوٍ أكثرَ ثباتًا.