عندما انطلقت صحيفة «الوطن» السعودية من منطقة عسير عام 2000، لم تكن مجرد إضافة رقمية إلى خريطة الصحافة المحلية، بل كانت مشروعًا إعلاميًا يحمل رؤية مختلفة، وأسلوبًا متجددًا، وطموحًا يتجاوز الجغرافيا ليصل إلى كل الوطن. ستة وعشرون عامًا مضت، و«الوطن» ما زالت حاضرة بقوة، محافظة على هويتها، ومتجددة في أدواتها، ومؤثرة في خطابها، في زمن تتغير فيه وسائل الإعلام بوتيرة متسارعة. منذ عددها الأول، اختارت «الوطن» أن تكون صحيفة ذات نَفَس مهني عالٍ، تعتمد على التغطية الاحترافية، والطرح العميق، والجرأة المتزنة في تناول القضايا. لم تركن إلى القوالب التقليدية، بل قدمت محتوى جذابًا يعكس نبض المجتمع السعودي، ويبرز ما تزخر به منطقة عسير من ثقافة وأدب وفكر وإبداع، لتصبح الصحيفة مرآة صادقة لواحدة من أكثر مناطق المملكة ثراءً إنسانيًا وثقافيًا. ومع مرور السنوات، تجاوزت صحيفة «الوطن» إطارها المحلي، لتتحول فعليًا إلى صحيفة لكل الوطن. لم تعد تُقرأ فقط في عسير، بل أصبحت مقصدًا للقارئ السعودي والعربي، لما تحمله من مصداقية في الطرح، وتوازن في المعالجة، وتنوع في المحتوى. وهو نجاح لم يأتِ مصادفة، بل كان نتاج عمل مؤسسي تقف خلفه هيئة إدارية وتحريرية واعية، أدركت مبكرًا أن الصحافة ليست نقل خبر فحسب، بل صناعة وعي ومسؤولية وطنية. في زمن الثورة المعلوماتية، حيث تسارعت منصات التواصل الاجتماعي، وتعددت مصادر الخبر، وقلّ زمن القراءة، استطاعت صحيفة «الوطن» أن تحافظ على حضورها وتأثيرها، دون أن تفقد روحها الصحفية. حافظت على رصانتها، وعلى لغتها، وعلى خطها المهني، وفي الوقت ذاته واكبت التحولات الرقمية، وقدمت محتوى متجددًا يتناسب مع متطلبات العصر، دون التفريط في القيم الصحفية الأصيلة. تميزت «الوطن» بتغطياتها السياسية المتوازنة، التي تضع القارئ أمام المشهد بعمق وتحليل، بعيدًا عن الإثارة أو السطحية. وفي الشأن المحلي، كانت قريبة من هموم المواطن، ناقلةً لصوته، وموثقةً لقضاياه، ومسلطة الضوء على النجاحات والتحديات على حد سواء. أما في الجانب الاقتصادي، فقدمت محتوى يشرح ويحلل بلغة مفهومة، تسهم في رفع الوعي الاقتصادي لدى القارئ، في مرحلة تشهد فيها المملكة تحولات كبرى ضمن رؤية السعودية 2030. وفي المجال الرياضي، لم تكن «الوطن» مجرد ناقل للنتائج، بل منصة تحليل ورأي، ترصد المشهد الرياضي بمهنية، وتتابع تفاصيله باهتمام يعكس حجم الشغف الرياضي في المجتمع السعودي. أما المنوعات والثقافة، فقد شكّلت مساحة رحبة للأدب والفكر والفنون، وأسهمت في إبراز أسماء وطاقات ثقافية شابة، جنبًا إلى جنب مع الرموز الأدبية والفكرية المعروفة. ما يميز صحيفة «الوطن» حقًا هو قدرتها على الجمع بين المهنية والإنسانية، بين الخبر والتحليل، وبين المحلية والعالمية. فقد حافظت على ارتباطها بالمكان الذي انطلقت منه، عسير، بكل ما تحمله من عمق ثقافي وجمالي، وفي الوقت نفسه انفتحت على القضايا الوطنية والعربية والدولية، لتكون صحيفة شاملة، تعكس تنوع المجتمع السعودي وتطلعاته. ستة وعشرون عامًا ليست رقمًا عابرًا في عمر الصحافة، بل مسيرة مليئة بالتحديات والنجاحات، أثبتت خلالها صحيفة «الوطن» أنها قادرة على الاستمرار، والتجدد، وصناعة التأثير. ومع كل عام جديد، تؤكد «الوطن» أنها ليست صحيفة عابرة في تاريخ الإعلام السعودي، بل تجربة راسخة، ومنبر وطني، وصوت مهني يثق به القارئ. وفي ذكرى انطلاقتها السادسة والعشرين، تستحق صحيفة «الوطن» أن يُحتفى بها، لا بوصفها صحيفة صدرت من عسير فحسب، بل باعتبارها صحيفة لكل الوطن، حملت اسمه، وعبّرت عن روحه، وأسهمت في تشكيل وعيه، وستظل بإذن الله علامة فارقة في مسيرة الصحافة السعودية.