في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، تتسابق المملكة العربية السعودية مع الزمن لتحويل رؤيتها الطموحة إلى واقع ملموس، ليس داخل حدودها فحسب، بل كمحرك إقليمي يعد بنهضة شاملة قد تجعل من الشرق الأوسط «أوروبا الجديدة». عندما أطلق ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مقولته الشهيرة إن «الشرق الأوسط سيصبح أوروبا الجديدة»، لم يكن يتحدث عن مجرد مشروع تنموي وطني. كان يرسم ملامح إعادة تشكيل جيوسياسي واقتصادي لمنطقة بأكملها، منطقة طالما عانت من الصراعات والانقسامات، لكنها تملك من الموارد والإمكانات ما يؤهلها لتكون في مصاف القوى العالمية. إنجازات تتجاوز الحدود بعد ما يقرب من تسع سنوات على إطلاق رؤية 2030، تقف المملكة اليوم عند عتبة تحقيق 93% من أهدافها المرحلية، وفق التقارير الرسمية. لكن الأهم من هذه الأرقام هو الدور الإقليمي المتصاعد الذي باتت تلعبه الرياض كوسيط وصانع استقرار. من السودان إلى سوريا، تظهر البصمة السعودية واضحة. في السودان، تقود المملكة جهودًا دبلوماسية مكثفة لإنهاء الحرب الأهلية المدمرة. أما في سوريا، فقد كان للرياض الدور المحوري في إعادة دمشق إلى المنظومة العربية والدولية، مع دفع ملف رفع العقوبات وإعادة الإعمار، في خطوة أكسبتها تقديرًا شعبيًا واسعًا في بلد مزقته سنوات من الصراع. هذا الدور لا يقتصر على الدبلوماسية الناعمة. فالمملكة تسير بخطى حثيثة نحو توطين الصناعات العسكرية، وتطوير برنامج نووي سلمي، وتوقيع اتفاقيات دفاعية استراتيجية، في مسعى لبناء قدرات ذاتية تجعلها أقل اعتمادًا على الخارج وأكثر تأثيرًا في محيطها الإقليمي. اقتصاد ما بعد النفط: التنويع كضرورة وجود كان التحول الاقتصادي هو الرهان الأكبر. كيف يمكن لدولة بنت ثروتها على النفط أن تتحول إلى اقتصاد متنوع؟ الإجابة تتجلى اليوم في مشاريع ضخمة تمتد من نيوم إلى القدية، ومن تطوير البنية التحتية للسياحة إلى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، وصولًا إلى الاستعداد لاستضافة كأس العالم 2034. لكن الأهم من ذلك هو الفلسفة التي تحرك هذا التحول: الإرادة الصلبة التي «لا تعرف المستحيل ولا يرضيها إلا الريادة»، كما يصفها المقربون من دوائر صنع القرار. هذه الإرادة لا تنظر إلى التنمية كمشروع بنية تحتية فحسب، بل كمعركة شخصية يخوضها ولي العهد لإعادة تشكيل مستقبل بلاده ومنطقتها. الرؤية العابرة للحدود: فرصة إقليمية الأكثر إثارة للاهتمام في المشروع السعودي هو امتداده الإقليمي. فالرؤية لا تكتفي بتطوير المملكة، بل تسعى لأن تكون محركًا لنهضة جماعية في المنطقة. من خلال ربط الأسواق، وتبادل الموارد، وفتح آفاق التكامل الاقتصادي، يمكن لدول الجوار أن تستفيد من التوسع السعودي، خاصة في معالجة مشكلات مزمنة كالبطالة وضعف البنية التحتية. هذا النهج يحمل في طياته بعدًا استراتيجيًا وأمنيًا يتجاوز المنافع الاقتصادية المباشرة. فالاستقرار الاقتصادي في دول الجوار يعني استقرارًا أمنيًا للمملكة ذاتها، ويخلق منظومة إقليمية متماسكة قادرة على مواجهة التحديات الخارجية. جدل نقل الجامعة العربية: رمزية أم ضرورة؟ في أروقة الدبلوماسية العربية، بدأ يتردد حديث عن ضرورة نقل مقر جامعة الدول العربية من القاهرة إلى الرياض. المبرر، وفق المؤيدين، ليس انتقاصًا من مكانة مصر التاريخية، بل هو اعتراف بالواقع الجديد: السعودية باتت اللاعب الأكثر تأثيرًا ونفوذًا في المنطقة، والأقدر على قيادة العمل العربي المشترك دون ضغوط أو مساومات خارجية. هذا الطرح، رغم حساسيته، يعكس تحولاً عميقًا في موازين القوى الإقليمية. فالرياض لم تعد مجرد ممول للمشاريع العربية، بل أصبحت صانع قرار ووسيطًا مقبولًا من القوى الكبرى، وهو ما يمنحها ثقلًا سياسيًا غير مسبوق. التحديات على الطريق لكن هذا المسار الطموح لا يخلو من تحديات. فالتحول الاقتصادي الكبير يتطلب وقتًا واستثمارات ضخمة، والمنافسة الإقليمية لا تزال قائمة، والتوترات الجيوسياسية في المنطقة لم تنته. كما أن نجاح الرؤية العابرة للحدود يتطلب استجابة إيجابية من دول الجوار، وهو ما يعني ضرورة تجاوز الحساسيات السياسية والتاريخية. نحو شرق أوسط جديد في نهاية المطاف، ما تقوم به السعودية اليوم هو رهان على المستقبل. رهان على أن المنطقة قادرة على تجاوز عقود من الفوضى والصراعات، وعلى أن الموارد الطبيعية والبشرية والموقع الاستراتيجي، إذا ما أُحسن استغلالها، يمكن أن تصنع نهضة حقيقية. السؤال الآن ليس عما إذا كانت السعودية قادرة على تحقيق رؤيتها، فالإنجازات على الأرض تجيب عن ذلك، بل عما إذا كانت دول المنطقة ستمتلك الجرأة والحكمة للاندماج في هذا المشروع التحويلي. فالقطار، كما يبدو، قد تحرك. والسؤال المفتوح هو: من سيصعد على متنه؟