البورصة المصرية تغلق على تراجع    الجيش الليبي: تدمير سفينة تركية محملة بالأسلحة والذخائر في ميناء طرابلس    «سلمان للإغاثة» يوزع 850 سلة غذائية في مديرية حديبو بسقطرى    رئيس الوزراء الباكستاني يرحب بالتقدم في مباحثات السلام الأفغانية    الخرطوم تنفي وجود وفد «الجنائية الدولية»    عون: نعمل للحد من تداعيات الأزمة الاقتصادية في لبنان    قبل مواجهة التعاون.. الدحيل لا يفوز على الفرق السعودية    الهلال: عطيف أجرى أشعة على موضع إصابته وستتضح نتائجها يوم غدٍ    الأخضر يتجاوز فلسطين برباعية في كأس العرب    شاهد.. أول لقاء بين «الخنيزي» وابنه «موسى» المختطَف منذ 20 عاماً    سمو الأمير فيصل بن مشعل يفتتح مؤتمر "جهود المملكة في ترسيخ قيم الاعتدال والتعايش الحضاري" بجامعة القصيم    سوق الأسهم يغلق منخفضًا دون ال8000 نقطة    فعاليات متنوعة بمهرجان الحنيني الرابع بعنيزة    مشعل بن ماجد يدشّن مبادرة وقف لغة القرآن الكريم    أمير جازان يلتقي مشايخ وأهالي أبو عريش    سعود بن نايف يرأس اجتماع مجلس المنطقة الشرقية ال 12    جداريات الخط العربي تزين الأماكن العامة    "سيرة فاطمة بنت محمد " رضي الله عنها .. محاضرة نسائية بتعاوني أبو عريش غداً    نائب أمير منطقة مكة المكرمة يرعى مؤتمر مكة الدولي للتنمية المستدامة وصحة البيئة    وزارة العمل والتنمية الاجتماعية تنفذ أكثر من 50 ألف زيارة رقابية في جميع مناطق المملكة خلال شهر يناير    عبدالعزيز بن تركي يلتقي مدير قسم إفريقيا الشمالية والشرق الأوسط    خادم الحرمين الشريفين يرأس جلسة مجلس الوزراء    مجلس الوزراء يوافق على تنظيم بنك التصدير والاستيراد السعودي    الأرصاد : أمطار ورياح تحد الرؤية غدًا على هذه المناطق    رئيس الأركان يفتتح مؤتمري الطب العسكري والعناية الحرجة    وزير الشؤون الإسلامية المالديفي يستقبل وفد الشؤون الإسلامية    أمير الجوف يستقبل مدير مكتب وكالة الأنباء السعودية    انخفاض سعر برميل النفط بنسبة 1.53 %    وزير الصناعة: إطلاق بنك للصادرات برأس مال 30 مليار ريال خلال أيام    انطلاق فعالية نادي المدينة المنورة للطيران الرياضي الخميس    توضيح من الأحوال المدنية حول غرامة تأخير تجديد الهوية الوطنية    المؤشر رجل لقاء الأهلي أمام استقلال طهران    مدير عام تعليم مكة : دمج التقنية في التعليم وتوظيفها يجعل التعلم أكثر متعة وأبقى أثراً في بيئة تعليمية جاذبة ينعكس إيجاباً على نواتج التعلم لدى أبنائنا الطلاب    رصانة يتيح جميع أعداد مجلة الدراسات الإيرانية على موقعه مجانًا    مكتبة الملك عبدالله الجامعية تثري مرتاديها ب “متحفٍ ومنصة معرفية”    رئيس تونس يلوح بحل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة    أمير القصيم: علينا إبراز وتشجيع كل قدوة حسنة من أجل أن يقتدي بهم شبابنا وفتياتنا    عام / الشؤون الإسلامية تنفذ دورة لتصحيح وتلقين التلاوة بجازان    الملك سلمان وولي العهد يهنئان رئيسة جمهورية نيبال    هدف يدعو منشآت القطاع الخاص لإعلان وظائف التشغيل والصيانة عبر طاقات    إجراء 22 عملية ناجحة لتكميم المعدة بحفر الباطن    محافظ المندق يناقش احتياجات مركز دوس بني فهم    تفاصيل الوظائف الشاغرة في جامعة الإمام عبد الرحمن    التلفزيون الرسمي: وفاة مدير مستشفى مدينة ووهان الصينية بسبب «كورونا»    سمو الأمير فيصل بن مشعل يدشن أيقونة "القصيم" في موقع صحيفة الوطن الإلكتروني    بالصور.. مجهولون يحطمون 8 أجهزة صراف آلي بجازان.. والجهات الأمنية تباشر    7 أشياء يجب ألا تستخدمها أبداً في تنظيف شاشة هاتفك    محمد بن عبدالعزيز: قدموا الأفضل لسكان المناطق الجبلية    تأسيس    من تدشين سموه الحملة الأمنية «أمنكم وسلامتكم هدفنا»        جانب من الاجتماع    عقب مباحثاته مع معالي رئيس مجلس الشورى        في مؤتمر وزاري نظمه مجلس الغرف بمكة المكرمة    طريق القُدس لا يمر في مكة    حصيلة الوفيات الناجمة في الصين عن فيروس كورونا تتخطى 1800    ماليزيا تمنع انتشار فيروس "كورونا" بمنع دخول جميع السفن المغادرة من الموانئ الصينية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





المصريون من خلال معرض القاهرة للكتاب
نشر في الوطن يوم 29 - 01 - 2020

معرض القاهرة الدولي للكتاب تَجَمُّع ثقافي لا يستفيد منه الكِتاب وحسب، بل يمكنك من خلال رصده أو جزء منه اتخاذ قراءة حول شيء ما يُهِمك من المجتمع الذي تتوافد إلى أرض المعرض عينات مختلفة منه، جنسيةً وجِنساً وعمراً وانتماءً ثقافياً واقتصادياً، ويُوجد شيء تعلم يقينا أنه يَجمعُها وهو علاقتها بالكتاب على تفاوت في هذه العلاقة قوة وضعفاً.
كان يُهِمني كثيرا قياس الالتزام الديني والانتماء العقدي داخل دائرة أهل السنة والجماعة، فحاولت أن أقرأ كل ما يحيط بي في هذا الموضوع من خلال ساعات طويلة جدا قضيتها في مختلف أروقة المعرض وأفنيته لا أزعم أنها أوصلتني إلى يقين، لكنها حتما أحدثت لدي انطباعات لا يُمكنني الإعراض عنها.
المصريون رغم كل موجات التغريب والعولمة التي عصفت وتعصف بهم كسائر الشعوب الإسلامية لا تزال مساحة التدين بينهم تتسع، بالرغم من أشياء كثيرة قيل إنها كفيلة بأن توقف ظاهرة اتساع رقعة المتدينين.
المؤشر الأول الذي بدا لي أنه يدل على ذلك: الصلاة، فبالرغم من أن إدارة المعرض لم تهيئ داخل قاعاته الأربع مساحات كبيرة لهذه الشعيرة الأعظم في الإسلام، بل اقتصرت على تهيئة مسجد ليس قريبا من داخل المعرض وهو مسجد المشير طنطاوي، أقول رغم ذلك وجدنا الناس يُصَلُّون جماعات ووحدانا داخل الممرات الكبرى والصغرى، وداخل مساحات البيع كي يدركوا الصلاة في وقتها، ورأينا كثيرا من السيدات السافرات يحملن داخل حقائبهن أردية ويتنحين في جوانب المعرض ليُصَلّين، فضلا عن السيدات اللواتي عليهن أرديتهن طوال الوقت.
وهذا يُحَتِّم علينا الاقتراح على القائمين على المعرض أن يُرَاعوا في ترتيبه لاحقا تأمين زوايا واسعة في كل قاعة لأداء الصلاة، أو يصنعوا على غرار ما نراه في معرض الرياض للكتاب في كل عام من اتخاذ وسط القاعة الكبير مكانا فارغا مهيأً لاستيعاب جميع المصلين مع دعوتنا إلى منظمي معرض الرياض بالتمسك بهذا الترتيب الرائد مع زيادة مهمة وهي تخصيص صفوف للنساء.
فالعناية بالصلاة في مثل هذه المناسبات المزدحمة مؤشر عظيم على نجاح المجتمع المصري في إيقاف مد العولمة عند الحد الذي وصل إليه في ثمانينات القرن الماضي، وأن ما يقال عن تراجع أخير في التدين إنما هو نظر إلى بعض المظاهر دون بعض، أو نظر إلى التقدم العظيم في وسائل تغريب المجتمعات وعولمتها، وليس نظرا إلى تقدم نتائج تلك الوسائل ونجاحها.
مؤشر ثانٍ: رقي الأخلاق، وهو من أعظم مظاهر التدين، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول (إن المرء ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم)، والمصريون -كما عهدتهم- يحبون الحديث بصوت مسموع ولا يحبون التخافت، فتجد الرجل وصديقه والفتاة وصديقاتها، بل ربما الرجل وزوجته يتحدثون بأريحية وبصوت يسمعه جميع من يحيط بهم، وهذه السجية -وإن كنت لا أستسيغها- تُمَكِّن المتأمل في خصال الشعوب من الوصول إلى فهمٍ أكبر لسجاياها.
وأنت هناك في المعرض تستمتع كثيرا بالاستماع إلى عبارات التغافر ودعاء الناس لبعضهم، ومحادثة من يعرفون ومن لا يعرفون بأطيب ما تحب أن تسمعه من التسليم والشكر والامتنان والترحيب، ولا ينقطع عن سمعك التسبيح والتحميد، هذا مضاف إلى الطرفة الجميلة المعتمدة على مفارقات الألفاظ، والتي لا تنقطع عن سمعك من هنا ومن هناك، مما يجعلك وأنت تتجول بين الأغلفة والعناوين دائم التبسم وربما الضحك، إن استحضار هذه الروح في مثل هذه التجمعات يدلك على مجتمع صبور متوكل على الله، راض بقسمته يعيش النعم والنقم بطريقة واحدة من الاعتصام بالله والاعتماد عليه، وعدم الاستسلام للهموم أو الاستسلام لإغراءات التعالي والتعالم، واصطناع الوقار الممل أو تكلف السمت، وكل ذلك من أثر الدين وأعمال القلوب على النفس، حتى وإن كان صاحبه لا يعلم ذلك .
ومن المؤشرات الإقبال الكبير على الكتب الدينية، وهو أمر نسمع كثيرا أنه تغير، أما الذي شَهِدت في القاهرة فغير ذلك، فقد رأيت المكتبات التي تعتني بالعلم الشرعي والتي تعتني بالمواعظ والرقائق والسِّيَر وتدبر القرآن من أكثر الأركان زوارا، بل من أكثر الأركان وجودا وحضورا، ورأيت كثيرا من المكتبات التي تعتني بالفكر الغربي وفلاسفته والفكر التغريبي أو اليساري والقومي أقل روادا، ورأيت بعضها تتعمد التوزيع داخل المعرض لبعض دور نشر الكتاب الديني من أجل جلب المشترين إلى رفوفها.
ولا يعني هذا أن كل دُور الكتاب الديني مرتادة، وكل دور الكتب الثقافية والعلمية مقفرة، لكن يعني أن الكتب الدينية لها في السوق جاذبيتها القوية التي لم تنقطع، بالرغم من أن عكس هذا الكلام أصبح يتردد كثيرا.
ومن المؤشرات التي كنت أسمع عن تلاشيها وظهر من خلال المعرض غير ذلك: الحجاب، فهو ظاهر بجميع درجاته، ولعلي أقول إنه هو السمة الأغلب على السيدات الحاضرات، فهناك الحجاب الصحيح الكامل الموافق للسنة النبوية المطهرة، والذي ترتدي فيه المرأة ما لا يَشِفُ ولا يصف مغطية وجهها، وهناك ما هو مثله مع كشف الوجه، كما يوجد كثيرات ممن أخذن بآراء مفتين أخطؤوا جادة الفتوى الصحيحة، ولا ريب وأقنعوهن بأن الحجاب لفافة مزركشة تدار على الرأس والحنك ثم تلبس المرأة بعدها ما شاءت، وهؤلاء إثمهن -والله أعلم- على من أفتاهن لقوله صلى الله عليه وسلم، «من أُفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه»، أما هن فحرصهن على هذا الحجاب رغم خطئه مؤشر على شعور ديني، لأنهن في بلد يشهد عودة للحجاب بعد ظروف قاسية من الاستعمار والتغريب، لذلك نرجو أن يكون هذا اللباس محطة في الطريق نحو اللباس الإسلامي الصحيح.
وهناك أمر يكسو ذلك كله، وهو انعتاق عامة النخب المصرية من البدع والخرافات التي جثمت على المصريين قرونا من حكم الفاطميين الباطنيين حتى نهاية حكم الإنجليز النصارى، مرورا بالعهود المملوكية والتركية، فتشعر من المصريين تحركا نحو الانصراف عن البدع والخرافات المحدثات في دين الله تعالى، ولست هنا أخص الجماعات السلفية كأنصار السنة المحمدية والدعوة السلفية، بل أكثرية النخب وربما أكثرية العامة أيضا، تلمس ذلك في أمور كثيرة منها الإقبال على كتب المعروفين بالانتماء للمنهج السلفي من علماء وكتاب مصريين وسعوديين وغيرهم، والانصراف عن كتب دعاة البدعة والخرافة وهي كثيرة في المعرض، وهناك عناية بها من قِبَل مؤسسات بعضها رسمي وبعضها خاص، ورغم ذلك نشاهد عزوفا عنها وقلة سؤال، لذا تجد ناشريها يبرزونها بشكل ملفت وبطبعات أنيقة، لكن كل ذلك لم يشفع لها لترتقي إلى عقول النخب المصرية التي أصبحت تتشوف الآن إلى الإسلام الغض كما جاء به رسولنا، صلى الله عليه وسلم، وكما فهمه السلف الصالح.
نعم مشاهداتي تلك لا تعني أنني وجدت مجتمعا ملائكيا خاليا من العيوب، لكنني وجدت مجتمعا تتسع فيه رقعة التدين بالرغم من كل شيء، وهذا على العكس مما يتم الترويج له من انحسار التدين في المجتمعات المسلمة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.