لا يردُّ محللون ظاهرة اعتناق آلاف التونسيين أفكاراً متطرفة إلى الفقر وحده، إذ يشيرون إلى قمع النظام السابق للإسلاميين والفراغ الذي أعقب سقوطه في مطلع عام 2011 فضلاً عن ترامي الحدود مع ليبيا، التي تنتشر فيها شبكات تجنيدٍ وتدريبٍ تابعةٍ لتنظيم «داعش» الإرهابي. وأفاد تقريرٌ صدر عن فريق عمل الأممالمتحدة حول «استخدام المرتزقة» بانضمام أكثر من خمسة آلاف و500 تونسي تتراوح أعمار معظمهم بين 18 و35 عاماً إلى التنظيمات الإرهابية في سورياوالعراق وليبيا. ونظر التقرير إلى عدد هؤلاء بأنه «من بين الأعلى ضمن الأجانب الذين يسافرون للالتحاق بمناطق النزاع». وأرجع مركز «كارنيغي» الأمريكي للأبحاث، في دراسةٍ نشرها أخيراً، انتشار الفكر المتطرف في تونس إلى «تضييق الخناق على الفاعلين الدينيِّين» في عهد النظام السابق، «خصوصاً بعد الأداء الانتخابي القوي نسبياً للحركة الإسلامية في عام 1989». وربط المركز بين سقوط النظام جرَّاء الثورة الشبابية وإيجاد فراغٍ سمح للمجموعات الراديكالية بنشر أفكارها وتجنيد أعضاء جدد في صفوف الشباب المحرومين. واعتبر مسؤول أمني تونسي كبير أن «الفراغ الذي نتج عن محاصرة النظام السابق للشأن الديني ملأته مواقع الإنترنت والفضائيات الدينية الأجنبية التكفيرية، خصوصاً منذ منتصف التسعينيات» ما أدى إلى انتشار الفكر المتطرف في دولة مالكية أشعرية. وخلُص إلى القول «نحن اليوم ندفع ضريبة السياسة الخاطئة في التعاطي مع الدين». والظاهرة الجهادية ليست جديدة في هذا البلد، إذ سبق لأعدادٍ من مواطنيه الانخراط في قتالٍ في البوسنة والشيشان في التسعينيات وفي العراق وأفغانستان في مطلع العقد الفائت. «لكن لم يسبق أن بلغ العدد ما هو عليه اليوم»، وفق ما يقول فريق عمل الأممالمتحدة. ومنعت السلطات التونسية 15 ألف شاب من الالتحاق بتنظيمات جهادية في الخارج في الفترة الممتدة بين مارس 2013 ويوليو 2015، بحسب وزارة الداخلية. ويلحظ تقرير مركز «كارنيغي» تمكن المتطرفين من «تجنيد المتشددين في ضواحي العاصمة والمناطق الداخلية». ويلفت المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية، في دراسة حول «السلفية الجهادية» نُشِرَت في عام 2014، إلى «الارتباط الواضح بين خريطة انتشار التيار السلفي الجهادي وخريطة التهميش الاقتصادي والاجتماعي في البلاد». وذكر أميَّة نوفل الصديق، من «مركز الحوار الإنساني» المعني بالوساطة في مجال النزاعات، أن تونسيين التحقوا بتنظيم «داعش» لأنهم يعتقدون أنه يوفِّر لمقاتليه «مستوى عيش أفضل». وأورد تقرير فريق عمل الأممالمتحدة أن العاملين في شبكات تجنيد المقاتلين التونسيين يحصلون على مبالغ تتراوح بين نحو 2700 و9000 يورو على المجند الجديد بحسب «مؤهلاته». وأدَّى تفاقم الوضع الاقتصادي والاجتماعي بعد الثورة وفشل الحكومة في معالجة المطالب المعيشية إلى «إذكاء تطرّف شباب مهمش»، بحسب «كارنيغي». وشهدت تونس في 2015 ثلاث هجمات دموية تبناها «داعش» واستهدفت متحفاً في باردو (شمالاً) وفندقاً في سوسة (وسطاً) وحافلة للأمن الرئاسي في العاصمة. وأسفرت الهجمات الثلاث عن مقتل 59 سائحاً أجنبياً و13 عنصر أمن. كما قُتِلَ منذ نهاية 2012 عشرات عناصر الأمن والجيش في هجماتٍ نفذتها كتيبة «عقبة بن نافع» الإرهابية المرتبطة بتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي». وفي 2013؛ اغتال جهاديون المحامي شكري بلعيد والنائب في البرلمان، محمد البراهمي، وكلاهما معارض للإسلاميين. ووصل عديد من المقاتلين التونسيين إلى سورياوالعراق بعدما مرّوا ب»معسكرات تدريب» في ليبيا التي ترتبط مع بلادهم بحدود برية طولها نحو 500 كلم. ثم «أقلعوا في رحلات جوية من العاصمة الليبية نحو اسطنبول في تركيا قبل أخذ طريق الجبهة»، وفق تقرير لمجموعة الأزمات الدولية. وبين هؤلاء منفذو الهجومين على متحف باردو وفندق سوسة. وقررت الحكومة إثر الهجوم على حافلة الأمن الرئاسي وضع مواطنيها «العائدين من بؤر التوتر» مثل سورياوالعراق وليبيا قيد الإقامة الجبرية. ودافع وزير الداخلية السابق، ناجم الغرسلي، عن القرار، وصرَّح قائلاً «ليس انتقاماً ولكنه يُسهِّل علينا تحديد تحركات هذه العناصر، التي يمكن أن تُشكِّل خطراً على الأمن العام». في السياق نفسه؛ لاحظ رضا صفر، كاتب الدولة المكلف بالأمن في حكومة مهدي جمعة التي قادت تونس من بداية 2014 وحتى مطلع 2015، أن «انهيار الدولة في ليبيا أسهم في تنامي الظاهرة الجهادية في بلادنا». ونبَّه إلى «وجود كل مقومات تنامي الحركات الجهادية في ليبيا: الرجال والأيديولوجيا والأسلحة والمال».