حرب في السماء.. والأرض أمان    رئيس جمهورية المالديف يصل إلى المدينة المنورة    موجة تسريحات تعصف بعمالقة التقنية عالميا    3.30 تريليون ريال ائتماناً مصرفياً للأنشطة الاقتصادية    منوهاً بدعم القيادة الرشيدة.. محافظ الأحساء يطلع على استثمارات ومشاريع للطاقة    موجز    تحديث يحمي بيانات iPhone    إنجاز لأبعد رحلة للقمر    الشمس تبتلع مذنبا لامعا    إيران ترفض مقترح باكستان لوقف النار.. وترمب: مهلة أخيرة.. ستدفعون الثمن    الدفاعات الإماراتية تعترض 12 صاروخاً و19 مسيرة    حذرت من مخاطر ضرب محطة بوشهر النووية.. إيران تتهم وكالة الطاقة الذرية ب«التقاعس»    قادري يسطع.. والتحكيم يعكر المشهد    ساديو ماني: والدتي لم تصدق أنني هربت إلى فرنسا    صفقة تبادلية مرتقبة بين الهلال وليفربول.. صلاح ل«الأزرق».. وليوناردو ل«الريدز»    «المدني»: حالة مطرية على معظم المناطق حتى الجمعة المقبل    القيادة فن وذوق    شدد على إنشاء منصة وطنية ذكية لإدارة العقود التجارية.. «الشورى» يطالب بإلغاء المقابل المالي للوافدين بقطاع التشييد    عرض «أسد» محمد رمضان في مايو المقبل    برعاية وزارة الشؤون الإسلامية ومشاركة 26 دولة.. اختتام فعاليات جائزة تنزانيا الدولية للقرآن    7,640 طالباً يشاركون في ختام «مسابقة كاوست»    الدعم المؤذي    طنين الأذن مؤشر نفسي خفي    القتلة يستهدفون ضحايا يشبهون أمهاتهم    مؤثرون ينشرون معلومات طبية مضللة    قطعة معدنية صغيرة تودي بحياة أسرة بأكملها    صيني ينتقم من جارة ب«مكبرات الصوت»    ريادة سعودية عالمية في الاستدامة البيئية    نائب أمير المنطقة الشرقية يطّلع على جهود "طويق" في تأهيل الكوادر الوطنية    6 ملاحظات ومطالبات من الشورى لوزارة التجارة    وزير الخارجية يتلقى اتصالًا هاتفيًا من وزير خارجية البيرو    *أمير منطقة الباحة يتسلّم التقرير السنوي للإدارة العامة للأحوال المدنية بالمنطقة لعام 2025*    الأمير جلوي بن عبدالعزيز يلتقي قائدي قوة نجران وجازان    مشروع "مسام" ينزع (1.231) لغمًا من الأراضي اليمنية خلال أسبوع    نائب أمير تبوك يستقبل الفائزين في معرض جنيف الدولي للاختراعات 2026    أمير جازان يستقبل مدير الدفاع المدني بالمنطقة    فرع وزارة الشؤون الإسلامية في منطقة جازان يُنفّذ عدد من الفعاليات والمنجزات والبرامج الدعوية خلال شهر رمضان المبارك للعام الجاري 1447 هجرية    مساعد وزير الداخلية لشؤون التقنية يزور قيادة القوات الخاصة للأمن البيئي    94 % من مستخدمي الإنترنت في المملكة يتبنون الحلول الرقمية لحفظ بياناتهم الحساسة    سر الاجتماع بين انزاغي ولاعبي الهلال    الدفاع المدني: استمرار هطول الأمطار الرعدية على معظم مناطق المملكة حتى يوم الجمعة المقبل    جولة منتظرة في دوري يلو.. 3 قمم بين أصحاب الصدارة    محافظة صوير تسدل الستار على مهرجان شتاء الجوف الثاني    استقرار أسعار النفط    الاتفاق يتغلب على القادسية بثلاثية    اكسيوس: مفاوضات دولية لبحث هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران    شروط جديدة تعيد تشكيل زواجات جدة    أفلام الأكشن تستهوي محبي السينما    أبو زهرة بالعناية المركزة    أمير الرياض يرعى حفل خريجي جامعة الفيصل ويضع حجر الأساس لمشروعات المنشآت الرياضية بالجامعة    ثماني «أوبك بلس» تقر زيادة الإنتاج 206 آلاف برميل يومياً    «موهبة» والتعليم تطلقان المرحلة الثانية من أولمبياد «نسمو»    بلدية الدمام تحقق نقلة نوعية في تنظيم الأسواق    تقرير «مدني الرياض» على طاولة فيصل بن بندر    الهلال يشعل الإعلام العالمي.. هدف برازيلي وتألق فرنسي وغضب برتغالي    توقيع 5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة والزيارة    ولادة أول وعل بمحمية الوعول في 2026    راحة البال    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الأحدب الذي علَّم نفسه وقاد بلاده للنصر
نشر في الرياض يوم 15 - 12 - 2013

إن الحياة الإنسانية محكومة بالقيادة والإنقياد.. وبالإبداع والاتباع.. وبالريادة الفردية الخارقة والاستجابة الاجتماعية الإيجابية الكافية فالقلة المبدعة تقود في مجالات الفكر والفعل إنها تبدع وترتاد وتكتشف وتتحقق وتقف مضادة للتيار السائد في محاولة لتغيير اتجاهه وقيادته نحو الأفضل أما طوفان الكثرة فهو لا يزيد عن أن يبقى معارضًا بشكل جماعي للريادة من دون تفكير أو تمحيص أو في أحسن الأحوال يكون طوفان الكثرة مرددًا ومستخدمًا منجزات القلة المبدعة وحتى قبول الاستخدام لا يحصل إلا بعد أن تنتهي الممانعة التلقائية البليدة لهذه المنجزات وتصبح جزءًا تلقائيًّا من حياة الناس. إن مئات الملايين من المتعلمين في كل بلاد العالم هم من جملة طوفان الكثرة فهم ليسوا أكثر من مستخدمين ومستهلكين ومرددين وناقلين أما الريادة فهي نتاجُ ذاتها وهي ليست محكومة بمعايير التعلُّم الاضطراري ولا بألقابه الخادعة إنها خارج النسق السائد وضد قوالبه المهيمنة التي تكرس عقلية القطيع وتطمس قابليات النزوع الفردي...
إن التميز الفردي الخارق عجيبٌ ومدهش ويستحق التوقف الطويل والتأمل العميق وهو يأتي فريدًا ومفاجئًا من حيث لا يتوقعه أحد فحين قامت الثورة الفرنسية كان نابليون حديث التخرج وكان برتبة ملازم وهي أصغر رتبة عسكرية ولكنه بالإنجاز الباهر الذي حققه قفز فجأة وهو مايزال صغير السن إلى رتبة جنرال ثم صار القائد الذي زلزل أوروبا...
وحين اتفق قادة أوروبا على إزهاق الثورة الفرنسية وحشدوا جيوشًا هائلة لتحقيق هذا الهدف كانت المعايير العسكرية السائدة تؤكد أن الثوار غير قادرين على مواجهة هذه القوة الحاشدة الضخمة ولكنها كلها انهزمت في معركة (فالمي) أمام حماس الثوار فقال الفيلسوف الفرنسي جوته عبارته الشهيرة:((إن فجر عهد جديد قد أطَلَّ على العالم)) لقد أدرك جوته أن نوعًا جديدًا من الفكر الخلاق والحركة الحرة قد خلقتا عصرًا جديدًا وأن على التصورات الهرمة المتصلبة الكليلة أن تُفسح المجال لتصورات فتيَّة تتدفق بالحيوية والمرونة والفاعلية...
إن حالة جياب وغيره من قادة الفكر والفعل تؤكد أنه لا حدود لقابليات الإنسان ولكنها لا تتفتح وتنمو وتزدهر إلا إذا هي استثيرت مبكرًا وأنه بمقدار درجة الإثارة تكون قوة الاستجابة فالأحداث الضاغطة قد استثارتْ قابليات جياب وشحنت مكامن طاقته وفجرت ينابيع الابتكار والتميُّز من أعماقه
إن الأحداث الكبرى الفاصلة بقدر ماهي نتاجُ الفكر الخلاق فإنها أيضا تفتح آفاقًا جديدة للتفكير الاستثنائي فمعركة (فالمي) التي أدهشت جوته قد شهدها كارل فون كلاوزفيتز وكان مايزال مراهقاً في الرابعة عشرة من عمره ورغم صغر سنه فإنه قد انفعل بالنتائج الباهرة التي لم تكن متوقعة وهزَّتْه هزيمة جيوش أوروبا مجتمعهً فشرع في تأليف كتابه(عن الحرب) الذي صار مرجعًا يجري تدريسه في جميع الكليات العسكرية في كل العالم وبات معْترفًا بالمؤلِّف بوصفه: ((أكبر مفكر حربي في التاريخ)) وأضحت أقواله نصوصًا يجري تداولها في كتب الحرب والأدب والصحافة والفلسفة والتاريخ والسياسة...
كانت الجيوش الأوروبية تلتزم بقواعد ومعايير وتقاليد لا تحيد عنها وبذلك فَقَدَتْ الفاعلية أمام مرونة وحركيَّة وحماسة الجيش الفرنسي الفتي فأدرك كلاوزفيتز كما أدرك جوته أنه يجب التخلي عن التقاليد المعيقة والانفتاح على التجارب في كل ماتحمله من مفاجآت وما تفتحه من آفاق مؤكِّدًا أنه: ((ما من شك في أن المعرفة الأساسية لفن الحرب هي معرفة تجريبية)) فمثلما أن تجارب جاليلو قد أطاحت بتصورات من قبله فكذلك الحرب ليست تقاليد راسخة ثابتة وإنما هي شأنٌ مفتوحٌ على التجربة ومحكومٌ بنتائجها المتغيرة...
إن نابليون وكلاوزفيتز هما في التاريخ الإنساني من أبرز نماذج التميُّز المبكر الباهر. إن الإشراق الفردي وسط الجموع البليدة المنطفئة نادرٌ في الناس ليس لأنهم لا يملكون القابليات الكافية وإنما لأن قابلياتهم قد أُغلقتْ بنمط ثقافي مقفَل فهم يتبرمجون بثقافة البيئة ويغتبطون بها ولا يفطنون لحماقاتها ولا ينتبهون بأن انغلاقها وتصلُّبها وفقدانها للمرونة هي أسبابُ عجزها كما أنها سبب غفلتهم المستحكمة وبسبب هذه الغفلة المطْبقة الخانقة للانتباه لا تؤثر بهم الأحداث ولا تستفزهم المفارقات إنهم منتظمون تلقائيًّا بالسائد فالرفض أو القبول يفيض فيضانًا تلقائيًّا مما تبرمجوا به فيبقون مستلَبين بالتنويم الاجتماعي ...
إن العقل التلقائي في أي مجتمع هو عقلٌ مستلَب أما العقل الفردي النافر المتميز فلا يتكوَّن إلا بالمثيرات التي تزلزل الانتظام التلقائي لزائف الوعي. إن العقل لا يتحقق إلا بوصفه فاعلية نقدية فاحصة فإذا لم يتعوَّد على فحص ذاته ونقد ما تبرمج به فإنه يبقى مصاباً بالعمى المطْبق والغفلة المستحكمة فلا يبصر أوضح الحقائق ولا يستفيد من أقوى المثيرات...
إن التميز هو نتاج الإفاقة من الغبطة التلقائية بما هو سائد إنه ثمرةُ الاستجابة الإيجابية الكافية للمثيرات الحادَّة وهو يكون في العلم والعمل وفي الفهم والأداء وفي الأدب والفن وفي السِّلم والحرب وفي الجد والهزل وفي الواقع والتمثيل إنه الضوء الساطع وسط الظلام الغامر لذلك يشدني التميز أينما حصل وأبحث عنه في كل المواقع وألتمس نماذجه في جميع المجالات...
إن التميُّز نباتٌ استثنائي شديد الندرة إنه يأتي مغايرًا للتصورات السائدة فليس له علامات في الشكل ولا هو مشروطٌ بمنبت محدَّد وإنما هو أشبه باخضرار بازغ فريد وسط صحراء قاحلة تلفح الوجوه بجفافها المحرق...
إنني لا أكتب عن المتميزين للتعريف بهم وإنما أكتب عنهم لإبراز الدلالات المهمة التي تتمخض عنها تجاربهم الاستثنائية إنهم شهود ونماذج وأمثلة وشواهد لنظرية (عبقرية الاهتمام التلقائي) ونظرية (الريادة والاستجابة) إن خروج المجتمعات من قواقع الانتظام مشروطٌ بإدراك هذه الحقيقة البشرية الأساسية فالمجتمعات كما يشهد التاريخ والواقع لا تستجيب للمبدعين وللرواد إلا بعد ممانعة خانقة ورفْض طويل فالغالب على الناس أنهم أتْباعٌ مقلدون ولكن الأسبق إلى ذواتهم هو الذي يتحكم بهم فالملايين عبر كل الأجيال يمرون في الحياة مرور العابرين الذين لايضيفون جديدًا وإنما يستهلكون ويستخدمون ويرددون ما أنجزه المبدعون فهم لا يتجاوزون المحاكاة ومع ذلك فإن الرواد خلال التاريخ قد عانوا الإهمال أو الرفض أو الإزهاق فالاستجابة إنْ جاءت تأتي متأخرة من أجيال تالية أما المعاصرون لهم فإنهم في الغالب يواجهونهم بالاستخفاف أو الاستنكار أو بما هو أشد وأعنف...
ومن الدلالات المهمة التي تستحق الإظهار أن المتميز قد يكون معاقًا جسديًّا ولكنه مدهشٌ بعقله وبتفكيره وتدبيره وإبداعه كما هي حالة الزعيم الهزيل الأحدب الذي أكتب عنه هنا أو حالة ستيفن هوكنج أو هيلين كيلر أو بتهوفن أو دستويفسكي أو غيرهم من المبدعين الباهرين إن هذه النماذج وأمثالها كثير تقدِّم تفنيدًا كافيًا لخرافة (العقل السليم في الجسم السليم) إن تقويض التصورات الخاطئة يتطلب طَرْقًا متكررًا بل يتطلب زلزالاً فكريًّا لأن الأفكار الخاطئة المستقرة أشد صلابة من الفولاذ وأمنع من الجبال فاجتثاثها يكاد يكون محالاً ومنها مقولة: العقل السليم في الجسم السليم رغم أنها تتناقض مع تاريخ الإبداع...
إن الفيلسوف الألماني الأكبر كانط كان عليل الجسد وأحدب الظهر ولكنه كان بعقل جبَّار وفولتير وُلد عليلاً ولكن أوروبا كلَّها وقَفَتْ احترامًا له وارتعد ساسةُ أوروبا خوفًا من تأثير أفكاره ومع ضعف جسده فقد امتدتْ سنوات عمره حتى قارب المائة.. ورولكا كان واهن الجسد وأحدب الظهر ولكن الفاشيين في أسبانيا في عهد فرانكو كانوا يخشون لهيب أشعاره فسجنوه ثم كتموا أنفاسه.. وغرامشي بجسده المريض وظهره الأحدب كان بأفكاره يقض مضاجع الفاشيين في إيطاليا أيام موسيليني فسجنوه ثم قضوا عليه...
إن الإنسان ليس بجسده ولكنه بعظمة قابلياته وبانفتاحها وبما ينضاف إلى هذه القابليات من فاعلية واهتمامات واتجاهات وقيم وأفكار ومفاهيم وتصورات فليس أسخف ولا أكذب من مقولة: العقل السليم في الجسم السليم لأن تاريخ الإبداع يفنِّد هذه المقولة تفنيدًا لامزيد عليه...
لست أُنكر أن صحة الجسد تساعد العقل المتوقد المضيء فيكون أقدر على مواصلة العمل وعلى تحمُّل مشاق الاستقصاء لكن ما أكثر الأجسام التي تتفجر بالقوة والعافية ولكنها: خاوية العقول .. ساذجة التفكير.. خرافية التصورات.. فعلينا أن نركز بشكل كثيف ودائم على تغذية وحشد العقول لا حشد الأجسام ولست أنفي أهمية الصحة الجسدية لكني أنفي نفيًا قاطعًا مزاعم دلالتها على صحة العقل فمن هنا أكرر دائمًا القول: بأن العقول السليمة في الأجسام العليلة لأن تاريخ الإبداع يؤكد ذلك...
أما الأحدب الذي يتحدث عنه عنوان هذا المقال فهو القائد الفيتنامي (جياب) الذي مات قبل أسابيع فهو في شبابه قد أذهل أعداءه مثلما أدهش شعبه فوقف العالم إعجابًا به واندهاشًا بإنجازاته الاستثنائية العظيمة على المستويات الفكرية والاستراتيجية والميدانية إنه المثقف الذي علَّم نفسه ثقافة السِّلم وثقافة الحرب فتفوَّق بهما معاً إنه لم يتلق تعليمًا في أية مدرسة عسكرية ولكنه أثبت بشهادة أعتى المؤسسات العسكرية والسياسية أنه مخطِّطٌ استراتيجي عظيم وقائدٌ ميدانيٌ مذهل ومفاوضٌ سياسي متفوِّق...
وليس أصدق من شهادة الخصوم فهذا القائد الفرنسي غبريال بونه الذي عرف(جياب) معرفة تامة وعايش فترة سطوعه الباهر وكفاحه الظافر إن ولاء هذا القائد الفرنسي لبلاده لم يمنعه من الاعتراف للخصم المظفَّر بتميزه وعظمة إنجازاته تخطيطًا وتنفيذًا .. يقول عنه في كتابه(حروب العصيان والثورة: من فجر التاريخ إلى اليوم): ((إذا كانت الوراثة أو التقاليد العائلية هي التي توجِّه مجرى الحياة لدى كثير من الناس فثمة رجال يشذُّون عن هذه القاعدة وينطلقون من قلب الطبيعة على أرض بكر لم تتهيأ لهم وكأن قوةً خارقةً تحركهم.. إن جياب هو واحدٌ من هؤلاء الرجال))
ثم يقول غبريال بونه بدهشة: ((من كان يستطيع أن يتنبأ بأن هذا الشاب الهزيل.. هذا الصعلوك الضعيف المحدودب.. بجسده الضامر النحيل سيكون يومًا أحد الوجوه العسكرية الأوسع شهرةً والأعظم مجدًا وأن التاريخ سيسجِّل اسمه في فترة عصيبة من مراحله؟!)) فصارت خططه وأفكاره وإجراءاته في التنظيم والعمل تدرَّس في المدارس والمعاهد والكليات العسكرية...
لقد فوجئ جنرلات فرنسا بعمليات هجومية خاطفة وكاسحة لم يتدرَّبوا على مواجهتها فأصابهم الارتباك ومُنوا بالهزيمة وكما يقول الجنرال الفرنسي نافار: ((لقد خسرنا المعركة لأن رجال (الفيت منه) هاجموا بأسلوب لم نكن نتوقعه)) هنا يتساءل مؤلِّفا كتاب(الحروب والأزمات): ((هل قُدِّر على الفكر العسكري الغربي دائمًا التعرض للمفاجآت؟!)) إن الحضارة لا تتقدم إلا بالمفاجآت التي تهز الثوابت المعيقة فينشط الفكر الخلاق ويبتكر الجديد من الاستراتيجيات والخطط والآليات والأساليب فيرتقي بذلك الفكر والفعل وتتطور التقنيات في سلسلة من العمليات الجدلية بين السائد والطارئ وهكذا تتقدم الحضارة...
إن القائد الفرنسي غبريال بونه الذي درس العلوم العسكرية وكان أستاذًا في كلية الحرب في باريس يعترف بعظمة الاستراتيجية التي ابتكرها جيَّاب وغيره من قادة الثورات فيقول: ((استراتيجية جديدة مبتكرة ذات عبقرية أقوى من الاستراتيجية التقليدية إذ أنها تجتاح الأمصار وتبسط سيطرتها على الشعوب دون أن تملك مقدارًا كبيرًا من القوة المادية)) إنه يكتب بوصفه أستاذًا للعلوم العسكرية وضابطًا ممارسًا فهو يجمع بين العمق النظري والنضج العملي فشهادته تأتي في الصميم خصوصًا أنه يتحدث عن إنجازات خصمٍ هَزَمَ بلاده وهذه موضوعية علمية رائعة وأمانة أخلاقية رفيعة...
ثم يؤكد أن الاستراتيجية التي ابتكرها جياب وأمثاله من الثوار المبدعين: ((هي ولا ريب قوام التقدم الأكبر الذي تحقق في الفنون العسكرية)) ثم يستنكر التشبث التلقائي بالتقاليد العتيقة ويؤكد بأن هذا التشبث يعوق التقدم ويشلُّ التفكير ويحول دون تفهُّم التغيرات إنه يستهجن موقف الذين يبقون سجناء لتصورات ومعايير ومفاهيم ومعارف قد تجاوزتها التطورات ويطالب المؤسسات بأن تبقى يقظة ومرنة ومستعدة للتغيُّر لكي تتحرك مع أية تطورات جديدة في الاستراتيجيات والخطط والرؤى والمعارف والأساليب والإجراءات والممارسات ثم يقول: (( إن الحرب الثورية غدت أشد مضاءً وأبقى أثرًا من الحرب التقليدية لأنها تتسلل إلى كل مكان وتتمركز في كل ناحية وتستخدم كل وسيلة وتبث عدواها في كل شيء)).
ثم يصف جياب أثناء المباحثات مع الحكومة الفرنسية: ((إذا رآه من لا يعرفه حسبه من طلاب المدراس إلا أنه كان واسع الثقافة يتقن اللغة الفرنسية إتقانًا تاماً وقد فرض نفسه أثناء المباحثات بهيبة نفوذه وبقوة السلطة التي كانت تنبعث من آرائه ومن لهجته الحادَّة القاطعة حتى أصبح الشخصية الرئيسية والزعيم الذي لا اعتراض عليه بين أعضاء الوفد الفيتنامي)).
إن حالة جياب من النماذج القوية التي تؤكد أن الاندفاع التلقائي إلى التعلُّم هو المصدر الحقيقي للمعرفة فقد ثقَّف نفسه ثقافة شاملة وعميقة مكَّنته من التصرف بفاعلية وحكمة في السِّلم والحرب كما أن حالته تدل على أن الاندفاع التلقائي إلى العمل هو مصدر التشبُّع بالمهارات العالية واكتساب الكفايات المتفوقة وكما يقول عنه القائد غبريال بونه بأنه: ((قد كوَّن نفسه بنفسه لأنه قرأ واستوعب وامتلأت نفسه بآراء(المفكرين الثوريين) واحتدمت في أعماقه جذوةٌ لاتهدأ من الحمية.. ونقمةٌ شديدة على الحكم الفرنسي الذي سَجَنَ أفراد عائلته فقرأ كثيرًا وسافر طويلا وأتقن من اللغات: الفرنسية والروسية والصينية
واليابانية)) لقد علَّم نفسه ثقافة السِّلم والحرب فصار ذلك القائد الفذ الاستثنائي الباهر...
إن حالة جياب وكذلك حالة كلاوزفيتز وغيرهما من المبدعين تشير إلى أن إبعاد الأطفال والمراهقين عن مواجهة مشكلات الحياة يستبقي قابلياتهم خاملة ويحرمهم من الاحتكاك الضروري لتكوين النضج فجياب وكلاوزفيتز قد انشغلا بالقضايا العامة منذ مرحلة الطفولة وكما يقول غبريال بونه عن جياب: ((إن ماضيه الحافل بالصراع قد أنضجه قبل الأوان وهيأه لمنصب الزعامة فكان زعيمًا من الطراز الأفضل)) لقد استفزَّه المستعمرون باحتلال بلاده ثم بسجن أفراد عائلته فانفتحت قابلياته ونمت مواهبه وبزغت قدراته وتأججت الطاقات في كل كيانه فتدفقت عطاءات عظيمة في الفكر والفعل وكما يقول بونه: ((لما بلغ التاسعة عشرة من عمره كان أفراد عائلته في السجن فالتحق بإحدى البواخر بحارًا مأجورًا وراح يجوب أنحاء العالم)) إنه كما يقول غبريال: ((النموذج الأكمل للرجل الثائر إنه مثاليٌّ وصبور.. طويل الأناة.. قوي الحجة.. يُقنع محدثه بسهولة .. ويتمتع بمحبة الشعب الذي يحيط به وباحترامٍ يكاد يكون ضربًا من الورع)) إن الالتفاف الشعبي حوله هو الجانب الأهم فلا أمْر لمن لا يطاع ولا قيمة لفكر لا يجد الاستجابة الإيجابية الكافية إن الحالة هنا نموذجية في التكامل بين القيادة والاستجابة فلقد كان جياب يؤمن إيمانًا عميقًا بأنه صاحب قضية عادلة وكان شديد الاندفاع لإنجاح المسعى وكان الشعب يدرك صدقه فاندفع خلفه دون اعتراض ولا تلكؤ فتحقق التكامل الضروري بين الإبداع والاتِّباع...
إن القيادة الخارقة من جانب والطاعة الصادقة من جانب آخر شرطان لا قيمة لأحدهما دون الآخر لقد كان جياب صاحب فكر خلاَّق ومبادرات حاسمة وكان قائدًا مُلهماً ومقاتلاً مُظَفَّرًا وخطيباً مؤثِّرًا ومتحدثًا مقنعًا فالتفَّ حوله الشعب الفيتنامي واندفع معه دون تلكؤ أو اعتراض فأذهل الفرنسيين وأعلنوا عن مكافأة كبيرة لمن يأتي به حيًّا أو ميتًا أو من يدل عليه ولكنه كان قادرًا على الظهور والمجابهة كما كان قادرًا على المراوغة والتخفي...
إن النجاحات الباهرة لهذا القائد الفذ في السِّلم وفي الحرب تؤكد أن الإنسان كائنٌ تلقائي وأن بداخله قابليات عظيمة ولكن جيشان هذه القابليات مشروطٌ بالإثارات القوية والاحتكاك المبكر بالمشكلات فهي لابد أن تتدفق من أعماق الذات فقابليات الإنسان لا يمكن حقنها قسرًا وإنما شَرْطُها الإثارة التلقائية لكي تتفجر من الأعماق فتتدفق بغزارة وانتظام...
إن حالة جياب وغيره من قادة الفكر والفعل تؤكد أنه لا حدود لقابليات الإنسان ولكنها لا تتفتح وتنمو وتزدهر إلا إذا هي استثيرت مبكرًا وأنه بمقدار درجة الإثارة تكون قوة الاستجابة فالأحداث الضاغطة قد استثارتْ قابليات جياب وشحنت مكامن طاقته وفجرت ينابيع الابتكار والتميُّز من أعماقه...


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.