منذ سقوط غرناطة عام 1492 انحسر تأثير العالم الإسلامي المتنوّر والتنويري، وتلاشت إلى أضيق المسافات مضامين تألّقه التي اشتغل بها، وبرع في إنتاجها، واحتل عبرها فضاءات الخلق والإبداع بفضل التسامح والحب والثقة العالية في مكوّناته، مما أهّله لامتلاك التميّز والتباهي بما قدمه من تجلّيات مبهرة في عالم الفلسفة والفنون والعمارة الأخّاذة بجمالياتها، وما تراكم من وعي ثقافي وفكري وحضاري في الآداب والعلوم والفنون من شعر وموسيقى وجماليات فنية أبدعها العقل الواعي المنفتح والمتفهم جيداً لرسالة الإسلام وروعته ورقيّه وقبوله لمنتج الحداثة والتطور. بسقوط غرناطة خسر العرب المسلمون كثيراً من حضورهم وتواجدهم في صناعة المنتج الحضاري، وصياغة التاريخ الذي تكوّن مجده بالتسامح والتقاء العرب المسلمين مع العرب المسيحيين مع البربر لينتج رقيّاً في المفاهيم والتوجّه إلى بناء جغرافيا وإنسان وحضارة إنسانية تتخطى الطوائف والعرقيات والقوميات والمذاهب والملل والنحل واللون والجنس، وتعبر إلى المساحات الأوسع والأجمل لنشر لغة الحوار الراقية والتفاهم والالتقاء في الاهتمامات التي تتّجه إلى العقل البشري، وتتعامل مع البشر بوصفهم إخوة يتطلعون إلى تأسيس حاضرهم المنتج ويستشرفون مستقبلات الأجيال القادمة بحكمة ومنطق عمل، وترسخ عظمة الإسلام ومناهل ينابيعه الصافية والنقية والبعيدة عن التعصب والتكهّف والتقوقع والانفصام عن الزمن المعاش، واستبدال إيمان الصدور بإيمان رخْوٍ ملتبس مؤدلج تنحصر مظاهره في الشعارات واستدعاء أحداث المنعطفات الشائكة في التاريخ الإسلامي، وتوظيفها من أجل مكاسب فئوية طائفية كريهة. لقد أغلقنا كتب التاريخ الإسلامي في أبهى عصوره تماماً، لم تعد قراءة مساراته ومنجزه المبهر جزءاً من اهتماماتنا، ولم نعد نرى فيه ما يفتح شهيّتنا ويحرّضنا على التماهي مع ما قدمه من قيم وأخلاقيات ومُثل تعاملية، إذ إننا بطواعية غبية دخلنا في سراديب المذهبية المتوحّشة والمنغلقة والموغلة في الانحطاط والجهل والتخلّف والغباء والبلادة والهمجية، ورفضنا منجزنا الحضاري المشرق وأدواته التي صنعت مجداً وإنساناً وحضارة، واستبدلنا ذلك بأدوات عصر انحطاطنا الشامل والمخيف على امتداد الجغرافيا العربية، وبدأت الروائح الكريهة تنبعث من أفواه تعتلي المنابر الوعظية، والمحافل السياسية، ومهرجانات التعبئة الحزبية وتقوم بممارساتها في الانحطاط لتظلل الناس وتشحنهم بالعداوات والبغضاء والكره والحقد والضغائن ضد مكوّن لنسيج اجتماعي واحد. من شاهد أفراد مليشيا حسن نصر الله وحزبه الطائفي على منارة مسجد الرجل العظيم عمر بن الخطاب في القصير المستباحة وهم يرفعون شعارات طائفية حزبية يدرك أن حسن نصر الله خرج بنا من الثنائية التي دخلنا في مستنقعها القذر سنية/ شيعية إلى مسوّغ جديد للقتل والتدمير واستباحة التاريخ والمنجز الحضاري وألق وجلالة الإسلام، إلى ثنائية جديدة تكفيري وآخر ممانع مقاوم. إنه زمن العار والتوحّش.