في الوقت الذي استطاعت فلسطين الحصول على صفة دولة مراقب في الأممالمتحدة، كان في إسرائيل من يظن أن هذا الاستحقاق واقع لا محالة، فالضعف الإسرائيلي الذي بدا واضحاً من خلال بحث رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهوعن تحقيق منجز انتخابي بشن حرب على قطاع غزة وتنفيذ عمليات نوعية داخل القطاع، لم يؤتِ ثماره كما يجب. فالرد جاء واضحاً من خلال إرسال صواريخ إلى تل أبيب التي كانت تتوقع أن لدى حماس مخزوناً من الأسلحة حصلت عليه من إيران أو صواريخ أخرى محلية الصنع وغير متقدمة وتسببت بخسائر وإن بدت طفيفة لكنها أشغلت الرأي العام الإسرائيلي الذي لم يتوقع ردة الفعل. بعد حرب الأيام الثمانية تدهورت شعبية بينيامن نتنياهو بشكل حاد كما دلت على ذلك استطلاعات الرأي، وبالتالي جاءت الحرب بنتائج عكسية لما كان يريده نتنياهو. بالرغم من المسوغات التي قدمها نتنياهو بقدرة هذه الحرب على اغتيال قادة عسكريين فلسطينيين مثل أحمد الجعبري إلا أن ذلك لم يشفع كثيراً له. فالأمور ازدادت سوءاً مع سعي السلطة الفلسطينية إلى الحصول على صفة دولة غير مراقب في الأممالمتحدة، بعد أن أخفقت في الحصول على مقعد دائم في المنظمة الدولية الأهم. استطاع رئيس السلطة محمود عباس التوجه إلى الأممالمتحدة مستغلاً ومستحضراً ما حدث في غزة ومستفتحاً به كلمته إلى الجمعية العامة عنها قائلاً " السيدات والسادة تجيء فلسطين اليوم الى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهي لا تزال تُضمد جِراحها، وتواصل دفن شُهدائها الأحباب من الأطفال والنساء والرجال، ضحايا العدوان الإسرائيلي، وتبحث عن بقايا حياه وسط أنقاض البيوت التي دمرتها القنابل الإسرائيلية في قطاع غزة، فأبادت عائلات بأكملها، برجالها ونسائها وأطفالها، واغتالت ذكرياتهم وأحلامهم وآمالهم ومستقبلهم، وتوقهم لممارسة الحياة العادية، وللعيش في ظل الحرية والسلام". شكل منح فلسطين مقعد دولة مراقب غير عضو في الأممالمتحدة ضربة لطموحات نتنياهو في الانتخابات المقبلة التي استعجل بها نهايته. بالرغم من محاولاته مرة بالترهيب ومرة بالتقليل من شأن الإنجاز إلا أن الثابت أن إسرائيل تلقت أقسى ضربة لها بعد حرب 73 وفي عهد الليكود الإسرائيلي وهو أمر يوحي لنا بالتالي: 1-عجز نتنياهو على إقناع المجتمع الدولي بإثمية قيام دولة فلسطينية. 2-فشل السياسيون المتطرفون من الوصول بإسرائيل إلى امتدادات عالمية وفشلهم بالتالي في أي استحقاق دولي مقبل، لاسيما أن حصول فلسطين على مقعد في الأممالمتحدة بصفة مراقب هو أصعب ما ينال. ما حدث قبيل جلسة التصويت وخروج تسيبي ليفني من عزلتها السياسية التي طالت بعد سقوط أولمرت وأفول نجمة من سماء السياسة الإسرائيلية، لتعلن تشكيل كيان سياسي باسم "هاتنوعا" أو الحركة، وهي خطوة لاشك ذكية استشعرتها بمجرد إخفاق نتنياهو في حرب غزة وتنبؤها بالفوز الفلسطيني المتوقع، وإحساسها بحدوث فراغ سياسي على الساحة الإسرائيلية بعد فشل الليكوديين. الحراك السياسي القوي في إسرائيل سواء بعد ما تمخضت عنه حرب الثمانية أيام على غزة، وحصول دولة فلسطين على مقعد "دولة " مراقب سيسهم في إفرازات سياسية إسرائيلية بالشكل التالي: 1-إما أن يفرز نخبة سياسية أكثر تطرفاً ولكن بقدرات "شارونية" تستطيع من خلالها إحداث تأثير فكري في عقيدة الليكود، بمعنى وصول شخصية إسرائيلية لديها القدرة على فرض القرارات الصعبة على غرار ما قام به شارون وعجز عنه البقية عندما "جرّ" المستوطنين خارج غزة. وبالتالي اللجوء للمفاوضات على أمل احتواء تداعيات موقف إسرائيل الدولي. 2-وصول اليسار الإسرائيلي وخصوصاً حزب العمل إلى الواجهة السياسية في إسرائيل بعد تراجعه لصالح اليمين، ولكن مع اعتزال باراك الحياة السياسية كرئيس للحزب، يبقى الفراغ السياسي والضبابية سيدا الموقف في المستقبل السياسي لإسرائيل، الأمر الذي ينبئ بوصول وجه سياسي جديد للكنيست.