قبل أيام من إدراج أسهم «أرامكو».. تعرف على مهمة «مدير الاستقرار السعري»    46 مليار ريال إيرادات المطارات السعودية.. الأعلى عربياً    منتخب البحرين بطلاً لكأس الخليج العربي " خليجي 24"    تشمل نشاط التأمين.. “الزكاة والدخل” تطبق تعديلات لائحة جباية الزكاة الشهر المقبل    أمير الشرقية: القطاع الخاص شريك هام ومحوري    تحديث اشتراطات 12 نشاطاً بينها المدارس والمطاعم و«الترفيهية»    انتهاء الحملات الانتخابية في الجزائر وسط رفض واسع للمشاركة    لبنان.. الخطيب ينسحب والحريري مطروح لرئاسة الحكومة    «سلام» يتابع إنجازات المملكة في المؤشرات الدولية    خادم الحرمين يناقش مع الزياني تعزيز مسيرة العمل الخليجي    تشكيل أول فريق نسائي للدفاع المدنى ب”تبوك”    "من أحكام الشتاء" محاضرة دعوية بمدينة السيح غدًا    جامعة الملك خالد تطلق نادياً ل«البرمجة»    وزارة الثقافة تطلق معرض «من الداخل» في المنطقة الصناعية بالدرعية    أمير الرياض يتسلم تقرير «الأمر بالمعروف» لموسم الحج    الجيش اليمني يتلف 1750 لغمًا زرعتها ميليشيا الحوثي على أطراف سوق الملاحيط بصعدة    "خيرية أسرة" تستعرض في ملتقى رابطة التطوع أهداف وحدة التطوع فيها    سقوط عصابة القواطع والكابلات النحاسية بالرياض    موعد جديد مع طموحات الشعوب    حمدوك للأمريكيين: حدود السودان محاطة بأحزمة إرهابية    الدوليون يلتحقون بفرقهم استعداداً لعودة الدوري    «الصحة العالمية» تشيد بالخطوات السعودية في مكافحة التبغ    الفيصل: قادرون على تنظيم الأحداث العالمية باحترافية    صالح الغامدي    بريطانيا تدعو الحكومة العراقية إلى حماية المتظاهرين    محافظ الطائف ينقل تعازي القيادة لذوي الشهيد المجرشي    "الجودة وعملياتها في المدرسة" .. ورشة عمل تدريبية بتعليم نجران    بنتن يستقبل رئيس منظمة الحج والزيارة الإيراني لبحث ترتيبات موسم حج 1441ه    «سلمان للأغاثة» يوزع أواني منزلية ل1483 أسرة سورية في المفرق وإربد    جامعة الحدود الشمالية تنظم فعاليات اليوم العالمي للتطوع 2019م    الفيصل يستعرض التوجه الاستراتيجي لهيئة تطوير منطقة مكة    رحالة سعودي يقطع مسافة 1500 كم على دراجة هوائية.. والدافع “همة طويق”    وزارة العدل: “ملكية” تعالج أخطاء تسجيل العقارات وترفع مؤشرات المملكة في البنك الدولي    إمارة منطقة نجران تنظم برنامجاً يستهدف القيادات الإدارية والأمنية بالمنطقة    الفيصل يكرم الفائزين بجائزة "خطنا من تراثنا"    إثراء يطلق منصة إلكترونية للتطوع تنظيمًا للعملية التطوعية    أمير الباحة يشيد بدور "الأمر بالمعروف" في النصح والإرشاد    الفيصل يطلع على اعمال وخطط الأحوال المدنية    المملكة ضمن أبرز 10 دول في مؤشر الأمم المتحدة للتجارة الإلكترونية    إحداهن رفض والدها 10 عرسان.. مواطنات يروين قصص عضلهن لسنوات حتى شارفن على سن الأربعين    «فحم التدفئة» كاد يتسبب في حادثة مفجعة لعائلة بتبوك    صحة عسير يقومون بمبادرة (( دامكم بخير .. حنا بخير )) لأبطالنا البواسل على الحد الجنوبي    جازان.. إصابة طبيب بجلطة في القلب بعد إجرائه عملية جراحية لمريض    وكلاء وزارة المالية ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة العشرين خلال اجتماعهم الأول في الرياض            لقطة جماعية لتتويج الفائز بالكأس مع مدير عام الميدان التويجري    محافظ جدة لفريق «كتاب جدة»: كثفوا جهودكم.. وانشروا الوعي والمعرفة    القاتل لا يمثل مجتمعنا    السديس: الإسلام بريء.. ديننا رحمة    سعوديون بصوت واحد: جريمة فلوريدا عمل جبان    قيادة العمليات المشتركة تكرّم مستشفى الطوال    مادة في عبوات المياه البلاستيك تُسبب العقم    حملة «مواجهة البدانة» للآباء: لا تكافئوا أطفالكم بالحلوى    «كورونا» يباغت ستينياً في «الحفر»    شاهد الشرطة الهندية تقتل 4 رجال اغتصبوا وقتلوا طبيبة في نفس مكان ارتكاب فعلتهم    مجموعة وفاء أبها تكرم عدد كبير من العاملين في قطاع صحة عسير    "المملكة" لن تتخلى عن دورها القيادي في توجية المنطقة نحو الأمن والسلام والاستقرار    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بين الذَّاكرة والنِّسْيان
نشر في الرياض يوم 31 - 05 - 2012

حِين أخْرج سلمان العودة سِيرته الذَّاتيَّة طُفُولة قلب سنة 1432ه=2011م أَتْبَعَ العنوان الكبير عُنوانًا صغيرًا رَقَمَه على الغلاف على هذا النَّحْو: "دُونَ التَّذَكُّر... فوق النِّسْيان"، وكأنَّه يَرْمي إلى أنَّ كاتب السِّيرة الذَّاتيَّة لا يَتَذَكَّر كلّ شيْء، ولا يَنْسَى كلّ شيْء، والسِّيرة الذَّاتيَّة مهما أردتَ لها حَدًّا هي تلك الحياة التي تترجَّح بين الذَّاكرة والنِّسْيان، بين ذاكرة موشومة لا تَنْسَى شيئًا، وذاكرة مثقوبة لا تُبْقِي شيئًا، إنْ طَغَتِ الذَّاكرة رَدَغَتْ في درب زَلِق محفوف بالتَّفاصيل، وإنْ جَفَّتْ افتقرتْ وأمْحلتْ وأعلنتْ مواتها.
وامِّحاء الذَّاكرة واتِّقاء النِّسيان خطرٌ يتهدَّد الإنسان، وأعدَى عوادي الذَّاكرة الشَّيخوخة والمرَض، وتسرَّب أثر مِنْ ذلك إلى اللُّغة، فتوغِل في دهاليز الذَّاكرة وطبقاتها، وإذا ما ظفرتْ بذكرَى فهي "أغلى مقتنياتها"، وإذا ما شحَّتِ الذَّاكرة وأصْحَرَتْ تُشَبَّه بالثَّوب تُقَلَّب جيوبه، ويُنْفَض، فعسَى أن نعثُر على أثر منها، وبالبيت نبحث في أركانه فعسى أنْ نَحْلَى منه بطائل.
نقرأ تلك التَّشبيهات في ذِكريات عليّ الطَّنطاويّ، وفيها يختبِئ خوف امِّحاء الذَّاكرة في أثنائها، وإذا ما عاد وفي يَده شيْء منها، فهي، حينئذٍ، "أغلى مقتنياته". وفي سِيرة مصطفى عبد الغنيّ التي دعاها قَبْلَ الخُرُوج فَزَعٌ -يُشْبه أن يكون مَرَضًا- مِنْ جفاف الذَّاكرة، ويُشبِّه غَسَق الذَّاكرة تشبيهًا طريفًا يستعيره مِنْ مفردات الشِّطْرنج "إنَّها محاولة لِتَذَكُّر وجوه البيدق والخيول قبل أن يَسْقُط الملك"، فالرَّجُل مَسَّه طائف مِنَ الخوف، وتوهَّم أنَّه في طريقه إلى النِّسْيان التَّامّ، فها هو ذا مرض "ألزهايمر" يَتَسَلَّل إلى خلايا دماغه، فعسَى أن يَنْجو ماضيه قبل أن يطمّه النِّسيان ويمَّحي، فيبلغ "أرذل العمر"، وهو –في تلك المدَّة- لم يُشَارِف السِّتين مِنْ عمره، ولولا أوراق أثبت فيها جانِبًا مِنْ حياته لَعُدِم القدرة على إثبات شيء مِنْ تلك الحياة، فما تبقَّى مِنْها ليس سوى "أعشاب جافَّة". فهل بيده استنقاذها!
حسين محمَّد بافقيه
إنَّها الذَّاكرة تلك التي تُلَخِّص حياة هذا الكائن العجيب الذي يُدْعَى إنسانًا، تصوغه على هواها، وتكيد له بِحِيَلها كما تشاء، تَصْلُب حتَّى تُشْبه الحَدِيد، وتَضْعُفُ حتَّى لكأنَّها مُنْخُلٌ لا يكاد يحتفظ بشيْء، يحملها الإنسان في حياته كما يحمل قَدَره، ويودّ، حِينًا بَعْدَ حِينٍ، أن يُنَحِّيها، فيتخفَّف منها، وينساها، ويَكِدّ، آنًا آخَرَ، في استدعائها فتعصيه، ويُلِحّ في طِلَابها فتنفر وتَشْرُد، وهكذا يقطع عُمْره يَتَذَكَّر وَيَنْسَى، وبين الذَّاكرة والنِّسْيان يستوي إنسانًا وُلِدَ وعاش فمات!
وليس مِنْ خوف يتهدَّد الإنسان مِثْل خوفه مِن امِّحاء ذاكرته، وكأنَّه إذْ ذاك، لَقًى في الطَّريق، لا يَعْرف له سبيلًا، يطالع الوجوه فلا يستبين لها أثرًا في فؤاده، إنَّه يعيش في الآن وفي اللَّحظة وحيدًا شريدًا. ولو قُدِّر للإنسان أنْ لا يَنْسَى فذلك عذاب آخَر، وأحسبه لا يَسْتَريح مِنْ ثِقل وطأتها عليه، وتَحْمِله على أن لا يُفَكِّر، وتحرمه مَلَكَة أن يَسُدّ شحوب النِّسيان بالتَّصوُّر والتَّخيُّل.
والكتابة، أيًّا تَكُنْ، إنَّما هي مقابَلة بين التَّذَكُّر والنِّسْيان، والكاتب حِين يُثْبِتُ جُملة فإنَّه يَمْحو أُخرى، ويتخيَّر كلمة ويَعْدو أخرى، هذا هو سبيل اللُّغة، وهذا هو قَدَر الكِتابة أنْ تكون مُرَاوَحة بين المَحْو والإثبات، وبين الذَّاكرة والنِّسيان، وعلى ذلك كانتْ قراءة الأدب، فقارئ الآثار الأدبيَّة يَبْحث في التَّعيُّن المادِّيّ للصَّوت وللكتابة، وما يستكنّ خلفهما، ومهما تختلفْ ضُرُوب قراءة الآثار الأدبيَّة فإنَّها تبحث عن الغائب في النَّصّ المقروء، ولن يرضَى القارئ أن يَتَقَبَّل النَّصّ ناجزًا، ولوْ قال الكاتب كلّ ما هَجَسَ في صدره لَمَا خلدتِ الآثار الأدبيَّة والفلسفيَّة في رحلة الإنسان على هذه الأرض.
والإنسان يَعيش لِيَرْوِي، كما يقول ماركيز، وأحْسَبُ، كذلك، أنَّه يَعيش لِيَنْسَى، وإنْ لم يَنْسَ فعليه أن يَنْسَى، ومِنَ الذَّاكرة والنِّسْيان يُولَد الأدب ومختلِف أشكال الكتابة.
والنِّسْيان عُنْصُر أصيل في السِّيرة الذَّاتيَّة، وهذا الضَّرْب مِنَ الكتابة رَكْض خلْف ذاكرة طَغَى النِّسْيان عليها، ويغور الكاتب في بِئْره الأولى بحثًا وتفتيشًا فعسى أن تُعِينه، وإنْ جَفَّتْ فليس سوى الخيال يُرَمِّم ما تَهَدَّم مِنْ ذاكرته، فللكتابة حِيَلها، ومِنْ حِيَلها قُدْرتها على الاختلاق وتوهّمها أنَّ ما تختلقه حقّ ولا شيْء سوى الحقّ، ولعلّ هذه السِّمة التي انطوتْ عليها السِّيرة الذَّاتيَّة دعتِ المنشئين والنُّقَّاد إلى أن يَعْتدُّوها والقصيدة الغنائيَّة سَوَاء، وأن يغفروا لكاتب السِّيرة الذَّاتيَّة غُلُوَّه وتعاظُمه، وأن يَسْكتوا عنْ كذبه وخُيَلائه، ما وَفَى للأدب ونزل على سُنَنه، ولكنَّه يعيش، أبدًا، بين فِعْلَيْ أذْكُر ولا أَذْكُر، بين ما قاله طه حسين في السَّطْر الأوَّل مِنَ الأيَّام: "لا يَذْكُر لهذا اليوم اسمًا ولا يَسْتطيع أن يَضَعه حيثُ وضعه الله مِنَ الشَّهْر والسَّنَة، بلْ لا يَسْتطيع أن يَذْكُر مِنْ هذا اليوم وقتًا بعينه، وإنَّما يُقَرِّب ذلك تقريبًا"= وما قاله عزيز ضياء في مُفْتتح حياتي مع الجوع والحُبّ والحرب: "أوَّل صباح في حياتي... مَنْ الذي يَسْتطيع أن يَذْكر أوَّل صباح في حياته (...) ولكنْ أنا... أنا أذكر أوَّل صباح في حياتي"!
تكرَّرتْ في الفصول الأولى مِنْ سِيرة أحمد أمين حياتي عبارة "أَعْصُر ذاكرتي"، وفي المعجم: "عَصَرَ الشَّيْءَ عَصْرًا: استخرَجَ ما فيه مِنْ دُهْنٍ أوْ ماءٍ ونَحْوه... والعَصِير: ما تَحَلَّبَ مِنَ الشَّيْء عِنْدَ عَصْرِه". وبينما يُخْرِج العَصْرُ ما في الشَّيْء مِنْ سائل أوْ نَحْوه، فإنَّ عَصْر الذَّاكرة يَشِي بجفافها وكلالها وضعفها، وكأنَّها ثَمَرَةٌ جافَّة لا يكاد يتقطَّر منها شيْء ذو بال، هي في الثَّمرة كذلك، لكنَّ لها أثرًا مختلفًا في السِّيرة الذَّاتيَّة، حتَّى لكأنَّها أضحتْ أساسًا لا يقوم لها قِوَام إلَّا بها، ولا تكاد سِيرة تخلو مِنْ أثر لها، فخلْف كلّ ذاكرة خوف مِنْ عوادي النِّسْيان، أن تجِفّ البِئْر، أوْ أنْ تَعْبُر قَطَرَات النَّهر سريعةً دون أنْ تؤوب مِنْ جديد، فثمَّ رغبة لدى كاتب السِّيرة الذَّاتيَّة "أن يَخْطو في النَّهر نفسه مَرَّتيْن"! على عكس ما قاله هرقليطس، وإنْ استعصَى عليه أن يستجمع ذرَّات حياته، فلا أقلَّ مِنْ أن يعيش ذلك الوهم وأن يُقْنِع قارئه به.
غلاف كتاب عزيز ضياء


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.