عند السفر تود لو انك تبقى هادئا... مستريحا مرتب الافكار والاحاسيس في كل الاوقات, تنطلق من محطة لأخرى دون منغصات. تحلم انك تستطيع على كرسي وثير. في الطائرة, كل شيء يبدو واعدا في البداية. الابتسامات والخدمة المميزة والاستراحات, ثم ما إن تبدأ الرحلة وتظن معها انك تعود طفلا, يبدأ الترقب ثم الضيق من المطبات! مشكلة نفسية لاصقة رغم انها حالة تتحسن مع مواجهة تجربة التكرار وسماع القرآن الكريم كلما داهمتك المواجهة. تلتفت عفويا من حولك.. إلى مصدر ضجيج لا يتوقف. وترى عائلة بعدد لابأس به من الاطفال ماشاء الله, يلهون ويصرخون طول الوقت. تلاحظ بالطبع ان الجميع في حالة انزعاج دائم . تتفهم ان الصغار يعيشون مرحلة اعمارهم ولا يمكنهم كبت حماس اللحظة, التغير في الاجواء وفرح التوقعات, ولكن الأم هداها الله, تظل ساكتة دون تدخل او توجيه لابنائها او محاولة احتواء لكل هذه الفوضي والصراخ وكأن الرحلة مخصصة للانفلات وحرية التجول والتعدي على حقوق اخرين متعارف عليها على ارتفاع شاهق. زمن الرحلة سبع ساعات وعشرين دقيقة بالضبط تجعلك تتأمل الحال وتفكر... هل بالامكان ان اغفو قليلا؟ اريد ان استريح بعد ركض التحضيرات. تهيئة البيت والحقائب. تدوين المهمات كي لا انسى, مراجعتها ونثر الوصايا المعتادة. العناية بقطتنا المنزلية ونباتات غالبا ما سوف تجف لان العاملة ستحلف لاحقا بأنها لا تدري كيف حدث هذا رغم رعايتها, وستردد كما تفعل دائما كلما سافرت ولو لمدة ايام لمدينة قريبة.. مدام البيت يفتقدك, ابتسم وأنا أطبع كلماتها مترجمة غير ان السؤال ما يزال يلح في ثنايا الافكار... هل نسيت شيئاً ؟ كل الناس اصبحت تنسى بسبب ظاهرة محرجة نسميها عصرية, مع تراكم المعلومات والمهمات, والنساء رغم ما يقال عن تميز ادارتهن لشؤونهن يبقون في حالة هرولة مستمرة عند السفر لان المسؤولية تشمل اخرين ايضا وعليهن التفكير بكل شيء بالنيابة. لهذا يبدو الوصول إلى نقطة الانطلاق والعثور علي اماكننا اخيرا بعد عناء الاستعدادات يعني توقع الاستراحة مقدما . الآن تلاحظ بكل واقعية بأن مقاعد العائلة واطفالها وراءك تماما ويصعب على اي اداة او اختراع مهما كان نافذا اوخارقا ان يزيل اصواتهم و ضجيج حركتهم الدائمة بشكل كامل او دائم. وعليه ليس هناك إلا الهدوء, والدعاء بأن ان يركن الصغار إلي النوم سريعا بعد ان يكونوا قد شبعوا من كل هذه البعثرة في طاقتهم النهارية. المفاجأة انهم يسكنون اخيرا والحمدلله. الجميع يسترخي في هدوء. ويأتي وقت تُطفأ فيه الانوار.. تسدل ستائر النوافذ في منتهى الرقة... تخفت الاصوات والحركة من حولك تكاد تسمع فيها موسيقى بيانو شفافة. تستريح على مقعدك وتمد رجليك. ترتاح. تغمض عينيك بطريقة السلو موشن الحركة البطيئة وكأنك تتلذذ بتناول ايس كريم فانيليا بارد في يوم صيفي حار. فجأة وكصوت عاصفة مدارية يداهمك الثنائي المزعج في آن واحد. المطبات الهوائية وصراخ الاطفال مجددا. وما زال هناك بقية ساعات من زمن الرحلة.